السبت 31 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
رئيس مجلس الادارة والتحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

آراء حرة

قرية عمارة الفرنسية بروح مصرية


ولادة يا بلدى يا عظيمة، فكم بك من علماء ومبدعين ومثقفين يجهل الكثيرون قيمتهم ولا يدركونها إلا بتقدير المجتمع الغربى!..ويتجاهل الإعلام -أو يجهل- كيفية الإستفادة والإفادة بهؤلاء، والذين يجب أن يملأون الشاشات بتجاربهم العظيمة المثمرة.
فأثناء دراستي بالكونسرفتوار تعرفت عن قرب على إحدى هذه التجارب الناجحة وهى للدكتور إبراهيم أبو العيش الذى رحل عن دنيانا عام 2017، بعد أن ترك لمصر نموذجه الرائع والرائد الذى يزين مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، حيث أسس مزرعة "سيكم" فى صحراء بلبيس عام1977، بعد عودته من النمسا وانتهاء دراساته فى الكيمياء الصناعية والطب وحصوله على الدكتوراه في مجال علم الأدوية (فارماكولوجى)..وقد تبنى فى سيكم مبدأ الزراعة الحيوية والتي لا تستخدم فيها الأسمدة الكيماوية أو المبيدات، وتنتج منتجات حيوية عديدة كالأغذية، والأدوية والمستحضرات الطبية، والمنسوجات، وأصبح لها مكانة كبيرة فى التداوى بالأعشاب على مستوى العالم..وإتسع نشاطها ليشمل خدمة المجتمع، والخدمات البيئية وخدمات تكنولوجيا المعلومات..فهى لم تكن مشروعا زراعيا فقط بل حولها لما يشبه المدينة الفاضلة، التى تنتهج مبادئ إنسانية عامة وتحرص على الارتقاء بأفرادها ومواطنيها..وكنا نذهب مع أوركسترا الكونسرفتوار لتقديم الموسيقى الكلاسيكية للفلاحين والعاملين في المزرعة..وكانت تجربة ثرية تناولتها في أحد المقالات عقب وفاة دكتور/أبو العيش..ومؤخرا قرأت للأخ والصديق أستاذ حمدى حمادة ما نشره عن القرية الفرنسية بوادى النطرون قائلا:"عندما تجلس بها وتتأمل، تشعر بالسكينة والهدوء، وتجد نفسك محاطا بمناظر خلابة وسط صحراء رملية جرداء حولها دكتور عمارة للنماء، وتكتسب منها الطاقة الإيجابية وتصبح مبتهجا منشرحا داخل القعدة العمارية التى يشرفها المثقفون والعلماء بألفة ووداد ومحبة لوجه الله، ويتبادل الجميع خبرات متعلقة بنمط الحياة والمستقبل".. تلك القرية
للعالم الدكتور/محمود عمارة الذى يتميز بعطائه السخي للمعلومات والخبرة التى تساعد فى إنماء وإعلاء الشأن الزراعى والإنتاج الحيوانى، فكثيرا ما استمتعت بآرائه المبهرة، سواء من خلال المقالات أو اللقاءات التليفزيونية النادرة، ودائما ما يغلف آراءه ببشاشة الوجه وعلامات الرضا، بالإضافة إلى تبسيط المعلومات بلغة بسيطة محببة للجميع، وكنت أتعجب لماذا لا نأخذ بما يقول!..وفى محاولة لمعرفة تجربته والاستفادة من نجاحاته دخلت متأنية للبحث والقراءة، لأكتشف أن الدكتور/عمارة الخبير الاقتصادى وضع كل خبراته فى ستة كتب والعديد من المقالات فى صحف مختلفة..فهو خبير اقتصادى بارع، حصل على ليسانس حقوق جامعة القاهرة، ودكتوراه فى الاقتصاد السياسى من السوربون بباريس، وهو مؤسس الجالية المصرية بفرنسا ورئيسها السابق، وأيضا ترأس الاتحاد العام للمصريين بالخارج..فهو شخصية فريدة، لديه رؤية مستقبلية ثاقبة، وبصيرة وإدراك للمخاطر قبل حدوثها، وحس نقدى بناء..وهو أول عربى يحصل على جائزة التجارة والصناعة فى فرنسا لأفضل شركة عام ١٩٩٤، واستطاع تأسيس نحو ١٦ شركة على مستوى العالم..ومن آرائه أن سبب معاناتنا ليس فقر الموارد ولكن سوء الإدارة، وأن الحكومات المتتالية تظلم فى ظل تشريعات وقوانين مكبلة، وهو ما يستوجب القيام بثورة تشريعية وتعديلها بقوانين مرنة جاذبة للاستثمار، ويرى أن حل أزمة الزراعة يكمن فى وجود بحوث زراعية تعطينا تقاوى منتقاه، وتطوير الإرشاد الزراعى، ونهضة فى التصنيع الزراعى..بالإضافة لاحتياجنا إعادة مشروع(محمد على) الذى اعتمد على الزراعة وتصدير القطن والتبغ والحرير، فكل ما نصدره نحو ٢ مليار فى حين أننا ستورد ب٢٠ مليار دولار، والتبغ وحده نستورده بمليار دولار، لذلك طالب المشير طنطاوي بزراعة التبغ لكنه لم يستجب للفكرة..أما عن رحلة نجاحه فلم تكن هينة، فيقول:"زرعت ٣٥٠٠ فدان فى فلوريدا الأمريكية، وبعد عودتى خصص محافظ البحيرة لشركتنا ٥٠٠ فدان بوادى النطرون، وبعد زراعتها ثبت أنها تابعة للآثار!..فخسرت كل شىء، ثم تم تخصيص ١٨٠٠ فدان وبعد دفع الثمن لم أستلمها وضاع أيضا ما دفعته"..أما المزرعة الفرنسية التى كتب الله نجاحها، فهى أكبر مزرعة حديثة لأشجار الماهوجنى الأفريقى على الظهير الصحراوى، وهى جنة رائعة الجمال والإنتاج..دكتور/عمارة ظاهرة لافتة ومغايرة لطبيعة المصريين وحبهم للسلطة!..نجده رفض تولى حقيبة بالوزارات المتعاقبة خمس مرات، وذلك لإيمانه بسوء القوانين المكبلة لأى طموح وتغيير..سعدت بالإبحار فى سيرة دكتور/عمارة وتعجبت!..لدينا شخصيات مبهرة، ومع ذلك لا يلتفت إليها كتاب السيناريو ومؤلفين الدراما، ليكتبوا لنا أعمالا درامية تسجل تلك النجاحات، وتمنح الأمل وتخلق القدوة لأجيال وأجيال!