رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

دير سيدة النورية

الخميس 01/أبريل/2021 - 03:36 ص
دير سيدة النورية
دير سيدة النورية
ريم مختار
طباعة
هذا الدير أشهر من أن يُعَّرَّفْ، وهو مقصد المؤمنين ليس من لبنان وحده بل من مختلف دول العالم إذ يقصده المؤمنون لإيفاء النذورات، هذا الدير المبارك يفرض على الزائر الخشوع التلقائي، حيث يشعر المرء أنه بالفعل في أرض مقدسة ترتاح فيها النفوس المؤمنة والمتعطشة إلى سكينة الله، حيث ظهرت السيدة العذراء الطاهرة وأضاءت في القرن السادس عشر طريق البحارة العابرين في البحر الأبيض المتوسط، حيث كانت السيدة العذراء تنير الجبل الذي يعرف باسم “رأس الشقعة” في نطاق بلدة حامات الشمالية في جبل لبنان في ليالي العواصف.
قد تكون الأسطورة الشعبية المتعلقة بسيدة النورية هي الأدوات التي ساعدت على أن تحفظ في الذاكرة الشعبية، كارثة الزلزال الضخم الذي حصل تحت سطح البحر، محدثًا موجة المد الهائلة التي دمرت بيروت وغيرها من المناطق الساحلية، في العام ٥٥١. 
فهذه الأسطورة تروي قصة العهد الذي قطعه على أنفسهم البحارة، الذين واجهوا خطر الموت وهم في عرض البحر الهائج، قبالة هذا الجزء من الشاطئ اللبناني. ذلك بأن العذراء حاملة الطفل على ذراعيها ظهرت لهم مشعة بالنور، وتوجهت اليهم بالقول معزية:
" لا تخافوا، أنا معكم "، وأرشدتهم إلى بر الأمان. وخير تعبير عن هذه المعجزة، في الذاكرة الشعبية، هي أيقونة سيدة النورية.
 إذ إن هذه الأيقونة صارت، وخاصة في لبنان، مصطلحًا أيقونوغرافيًا على غرار المصطلحات الأخرى البيزنطية، الأكثر شهرة، كالعذراء المرشدة، والعذراء الحنونة‘ والعذراء المرضعة.
تاريخه
تأسس الدير القديم في منتصف القرن السادس على يد المتوحد عبد المسيح الأنفي- من أنفة بجبل لبنان، وروى متروبوليت حلب "ميكاس" في العام 554 ميلادية:" أن الدير صغير الحجم والمتوحدون يقطنون في صوامعهم وكهوفهم".
منذ تاريخه والدير عظيم النعمة، يكفي أن يقرأ الزائر قصة الراهبين اللذين أسسا المنسك بأمر من والدة المسيح وهما المتوحد عبد المسيح من بلدة أنفه والمتبدئ يوحنا بن كسانوفون، وهذا الأخير إبن أحد الوجهاء اليونانيين نجا من الغرق أمام شاطئ الدير بفضل السيدة أم النور، والراهب عبد المسيح ومكث راهبًا في الدير ثلاث سنوات ثم انتقل إلى دير القديس سابا في فلسطين وهو الدير الاشهر في الرهبنة ببلاد الشام حيث ترهب فيه القديس يوحنا الدمشقي.
في ثمانينيات القرن التاسع عشر، أعيد بناء الدير، الذي كان تابعًا لمطرانية بيروت وجبل لبنان قبل أن تنفصلا، وقد أطلق هذه المبادرة المطران غفرائيل شاتيلا (المثلث الرحمة). إذ خط رسالة طلب فيها من سكان بلدة حامات المجاورة، بناء الدير وفق مخطط تقليدي مع ساحة داخلية يحوط بها رواق مقفل والأبنية الديرية. ورسم المخطط العمراني للدير، المبين في الرسالة، المطران نفسه.
بين نهاية القرن التاسع عشر وبدء القرن العشرين‘ انتقلت نقطة التوقف المشرقية للسفن الأتية من اليونان وأوروبا الغربية، من طرابلس إلى بيروت، لذلك شيدت كنيسة صغيرة لسيدة النورية في بيروت، بالقرب من كاتدرائية القديس جاورجيوس. فصار بإمكان البحارة، الذين كانوا في السابق، يزورون دير النورية، أن يزوروا هذه الكنيسة في بيروت، ويؤدوا صلاتهم وشكرهم.
كنيسة الدير
كنيسة الدير مكرسة على بشارة والدة المسيح، من قبل الملاك جبرائيل، وتتألف من صحن واحد، والأيقونسطاس من الرخام الأبيض، وهي من الانماط الرومية البيزنطية والروسية الأرثوذكسية، ترجع إلى أوائل القرن العشرين. على جدران الكنيسة أيقونات كالصلب والعذراء الجالسة على العرش حاملة المسيح بين ذراعيها، وأيقونة ثلاثية تمثل العذراء الحنونة. أما أكثر ما يلفت الأنتباه في أيقوناتها فإلى كلا جانبي المدخل أيقونة لسيدة النورية، والى يمين الباب الملوكي ويساره رفعت أيقونة المسيح والعذراء كما هو معروف تقليدًا.
المغارة العجيبة
يقال إن العذراء ظهرت فيها للبحارة، وتصل اليها عبر مدرج يتبع انحدار الجرف الصخري، عند نهاية السبيل ممر مسقوف قصير تحد بم من الجانبين بضع صوامع رهبانية، والى اليسار نبع مياه. تقع المغارة مباشرةً خلف الصوامع وهي مزودة بباب ونافذتين، وبضعة مقاعد تواجهه مذبحًا صغيرًا، تحوي المغارة عدد من الأيقونات الحديثة من بينها أيقونتان للعذراء النورية. في الزاوية الداخلية ثمة درجات تقود نزولاٍ إلى تجويف أرضي يعتقد أن منه خرج شعاع النور كمنارة هدًى للبحارة.
أيقونة سيدة النورية
في الدير أربع نسخ من “أيقونة النورية” اثنتان في الكنيسة، واثنتان في المغارة القديمة، حيث ترتدي العذراء رداءً أحمرَ فوق ثوبها الأزرق.. وتقف في الجزء الأعلى، وتحمل على ذراعيها الطفل يسوع، الذي يرفع ذراعه اليسرى مباركا بالاشعة المضيئة المنبثقة من هالتيهما.
 ويتناقض هذا المشهد مع المشهد المرسوم في أسفل الأيقونة حيث الغيوم السوداء تتلبد خلف الامواج العاتية التي نرى في وسطها البحارة يواجهون خطر الموت، والعذراء المرشدة ترشدهم إلى برالامان إلى الرب يسوع المسيح.
تصنف أيقونة عذراء النورية في فئة العذراء المرشدة اذ هي ترشد البحارة إلى بر الأمان، الذي يرمز إلى السلام السماوي. وللتشديد على هذه الصورة المجازية، تصور أحداث أيقونة من أيقونات سيدة النورية، دير النورية قائمًا إلى اليمين في أعلى الرأس الصخري. والحق أن هذه الصورة التقليدية تحاول أن تكرم ظهور السيدة العذراء العجيب وتكرسه، وهو الحدث الذي تستند اليه قصة الدير وتاريخ تأسيسه.
هذا الدير تابع لمطرانية جبل لبنان، ويعيش في الدير الأرشمندريت جورج صافيتي وبعض الرهبان، وهو مكان للاجتماعات الدينية وللمخيمات الصيفية التي تنظمها حركات الشبيبة. كما يزور الاّف الحجاج والسياح دير سيدة النورية سنويًا، وذلك بسبب موقعه الرائع المطل على البحر،، لكن الأهم من ذلك كله خصوصية موقع الدير، ذلك بأنه يحتل مكانا حصلت فيه الظهورات الإلعية قديمًا جدًا، وعرف بـ "وجه الإله"، ثم تحول إسمه إلى سيدة النورية أي العذراء مريم والدة الإله وأم النور، التي يتحدث دستور الإيمان النيقاوي عن ابنها بوصفه "نورًا من نور".
"
هل تسهم إزالة المباني الملاصقة للسكك الحديدية في تخفيض حوادث القطارات؟

هل تسهم إزالة المباني الملاصقة للسكك الحديدية في تخفيض حوادث القطارات؟