رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

رسائل عيد الميلاد.. الكنائس الغربية والكاثوليكية تحتفل بالعيد وسط إجراءات احترازية

الجمعة 25/ديسمبر/2020 - 09:26 ص
البوابة نيوز
مايكل عادل - ريم مختار
طباعة
تحتفل اليوم الجمعة، الكنائس الغربية والكنيسة الكاثوليكية وبعض الكنائس المصلحة في مصر وحول العالم بعيد الميلاد المجيد، في ظل ظروف صعبة بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، وذلك وسط إجراءات احترازية شديدة مع التباعد الاجتماعي، ولكن الكنائس وجدت في كلمة الله الخبر السار والرجاء والأمل وسط هذه الآلام، لتبعث برسائل عيد الميلاد من الأرض المقدسة في فلسطين المحتلة.
ورسائل عيد الميلاد يرسلها المطران سني إبراهيم عازر، رئيس الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، والأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الأقباط الكاثوليك بمصر ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر، والمطران جورج شيحان مطران الطائفة المارونية بالقاهرة، والرئيس الأعلى للمؤسسات المارونية في مصر والسودان وأفريقيا.
المطران سني إبراهيم عازر: الميلاد أعظم قصة 
قلوبنا دائمًا في بيت لحم.. والمسيحيون الفلسطينيون وجدوا على مدى 2000 عام طرقا إبداعية للعيش والمقاومة
2020 سنة صعبة.. وشهدت تجارب وبركات غير متوقعة 
يقول المطران سني إبراهيم عازر، رئيس الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، في رسالته بمناسبة عيد الميلاد المجيد:
في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، والكلمة كان الله… وصار الكلمة جسدًا وجعل مسكنه بيننا. لقد رأينا مجده، مجد الابن الوحيد من الآب، المليء بالنعمة والحق. 
كل عام في عيد الميلاد، تتجه أفكارنا نحو بيت لحم، سواء استطعنا أن نتواجد هناك شخصيًا أم لا، فإن قلوبنا دائمًا موجودة هناك. هذا العام - وعلى الرغم من أن الكثير قد تغير، ولم تكن كما كنا نأمل أو نتوقع – ولكن شعورنا يبقى كما هو. كما في السنوات الماضية، يجتمع المسيحيون في كل مكان بالقرب من المذود مع مريم ويوسف لينظروا بحب إلى الطفل يسوع. على الرغم من أننا قد نفترق عن أحبائنا وأصدقائنا، إلا أننا دائمًا متحدون مع الملائكة والرعاة والزوار من الشرق، نحتفل بميلاد الطفل المسيح في بيت لحم، الذي ينتظره العالم.
في فترة عيد الميلاد، من الطبيعي أن ترنو أفكارنا إلى الماضي. حيث إننا نحتفل بمرور السنوات والعطلات التي نقضيها سويا مع بعض: الطعام الذي نأكله، والأناشيد التي ننشدها والقصص التي نرويها ونحب أن نسمعها مرارًا وتكرارًا.
ومع ذلك، على الرغم من أننا نسمع في عيد الميلاد قصة قديمة - وهي أعظم قصة على الإطلاق! - عيد الميلاد ليس في الحقيقة عطلة تتعلق بالنظر إلى الوراء. عيد الميلاد هو قصة حياة وولادة وبدايات جديدة. إنها قصة قوة الله الخلاقة المستمرة، وكيف تجسد هذا الإبداع والمحبة وعاش بيننا هنا في فلسطين.
ولادة يسوع دائما بداية جديدة، وتحقيقًا لنبوءات الأنبياء. كما قال النبي إشعياء: " هأَنَذَا صَانِعٌ أَمْرًا جَدِيدًا. الآنَ يَنْبُتُ. أَلاَ تَعْرِفُونَهُ؟" (إشعياء 19:43).
لقد كانت هذه سنة صعبة للغاية بالنسبة لنا جميعًا. بسبب فيروس كورونا، لا يمكننا الاحتفال بعيد الميلاد في منازلنا ومدارسنا وفي كنائسنا كما فعلنا في الماضي. على الرغم من ذلك، فقد وجد المعلمون والقساوسة وعائلات الكنيسة الإنجيلية اللوثرية طرقًا جديدة ومبتكرة لجلب فرحة عيد الميلاد للجميع. 
بالطبع، المرونة والإبداع ليسا جديدين على المسيحيين الفلسطينيين. على مدى ألفي عام، وجدنا طرقًا إبداعية للعيش والمقاومة في الأوقات الصعبة! لكن هذا أيضًا انعكاس لنعمة الروح القدس الخلاقة بولادة يسوع المسيح. 
كان الناس ينتظرون ملكًا جبارًا، بدلًا من ذلك أتاهم أمير السلام. 
كانوا يتوقعون أن يروا حاكمًا على العرش، وبدلًا من ذلك رأوا طفلًا يرقد في مذود.
هل أقمت مغارة الميلاد في منزلك؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنا أدعوك للتفكير في المذود هذا العام. مريم، يوسف، الطفل يسوع، حتى الرعاة والملاك، هم عادةً نجوم القصة. لكن عندما نرى السرير البسيط حيث وضع يسوع رأسه، نتذكر أن إلهنا الخالق يقوم دائمًا بشيء جديد. عندما نرى المذود، نعلم أن الله يصنع منزلًا في أبسط الأماكن - حتى الأماكن الفوضوية، مثل الإسطبل! في الواقع، جعله الله منزل الله وهو معنا الآن، حتى في هذه السنة الفوضوية، وفي قلوبنا المكسورة. 
نشكر الله تعالى على يسوع، الذي هو عمانوئيل، الله معنا: ليس مرة واحدة فقط في السنة، وليس فقط في أفضل الأوقات. يسوع هو عمانوئيل كل يوم، في كل عام.
بينما نحتفل بميلاد يسوع في نهاية عام من التجارب غير المتوقعة والبركات غير المتوقعة، دعونا نقدم الشكر أن يسوع وحده هو الألف والياء، البداية والنهاية. هو الآن والذي كان، والذي سيأتي. لقد أحبنا من المهد إلى الصليب وما بعده. فلتكن هذه الأخبار السارة تمدنا بالقوة والشجاعة والإبداع والأمل، ونحن نستقبل العام الجديد وكل ما سيأتي به.
ليكن سلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع. آمين.
عيد ميلاد مجيد وسنة جديدة ومباركة... وكل سنة وأنتم سالمون 
النعمةُ والسلامُ مِن لَدُنِ يسوعَ المسيح، مَولودِ بيتَ لحم
"إنَّ نعمةَ اللهِ المخلِّصة قد تجلّت لجميعِ الناس" (تيط 2: 11)
الأنبا إبراهيم إسحق: مبادرةُ حُبِّ اللهِ لخلاصِ البشر
المغارة والزينة تشير إلى الحدث العظيم.. ودعوة للتجددِ وبناءِ ملكوتِ المحبَّةِ والسَّلام
يقول الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الأقباط الكاثوليك بمصر، ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر
نحتفلُ هذا المساء بعيدِ ميلادِ السّيّدِ المسيح لهُ المجد، كلمةُ اللهِ الأزلي الذي صارَ بشرًا وعاشَ بيننا. يعودُ إلينا العيد وما زالَ القلقُ والخوفُ والارتباكُ يسودُ عالمنا وحياتنا، مما أثَّر على حياتِنا الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّةِ على علاقاتنا الإنسانيَّةِ وخاصَّةً في عائلاتِنا ومجتمعنا. 
فهل يكونُ احتفالُنا اليومَ بالميلادِ تحديًا كما كانَ يومَ ميلادِ المسيح، فنجدد فيهِ العهدَ والرجاء، ونولَدُ مَعَ المسيحِ مِن جديد؟ لنحاول أن نتأمَّل معًا ماذا يعني الميلاد؟ 
أولًا: مبادرةُ حُبِّ اللهِ لخلاصِ البشر 
"اللهُ محبّة" هذا هو جوهرُ إيمانِنا المسيحيّ وخُلاصَتُهُ. ومَنْ يحبّ يرغبُ في مُشاركةِ المحبوبِ حياتَهُ وطريقَهُ، ويتضامَنُ مَعَهُ في ظروفِهِ ومصيرِهِ. واللهُ يُهمُّهُ أمرُ الإنسانِ لأنَّه يحبُّه. فصار اللهُ إنسانًا وجاءَ عالمنا وعاشَ بيننا. تعلَّمنا من الرِّبِّ يسوع أنَّ اللهَ ليسَ فِكرَةً فلسفيَّةً ولا نظريَّةً رياضيَّةً، ولا هو الخالق الَّذي يبقى بعيدًا في سمائِهِ مُراقِبًا لأعمالِ البَشَرِ وتصرفاتِهم، حاسبًا لهم زلاتِهم متوعدًا إيَّاهم بأغلظ العقوبات أشدّها. علمنا أنَّ الله محبَّة، والمحبَّة لا تبقى وحيدة بل تعطي ذاتها لمَن تُحبّ، تبذل نفسها في سبيل أحبائها. لذلك لما أحبّ الله العالم رغم بعده عنه ورفضه له وهبَ لهم ابنه الوحيد (يو3: 16). فكان المسيح كمال إعلان عن الله ذاته «إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديمًا بِالأَنبِياءَ مَرَّاتٍ كَثيرةً بِوُجوهٍ كَثيرة، كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين» (عب1: 1-2). فعندما نحتفلُ بعيدِ الميلاد، نتذكَّر أنَّ الله "عمانوئيل" أيّ الله يرافِقُنا ويبارِكُنا ويقدِّسُنا. 
إنَّ أحداثَ الميلادِ والطفولةِ هي حدثٌ حقيقيٌّ وليست قِصصًا للتسلية، فالمغارة والزينة تشير إلى الحدث العظيم، وهي دعوة إلى التجديد والميلاد من جديد. أليس هذا أيضًا شوق الإنسان ورغبته الدفينة كما عبَّر عنها القدَّيس أوغسطينوس "خلقتنا يا الله وقلوبنا قلقة إلى أن ترتاح فيك" والمسيحيّ مدعو لأن يزور المغارة ليتأمَّل وجه المولود ويُقدِّم له حبّه وفقره، ولا يغادرها إلاَّ وقد حمل الطَّفل يسوع في قلبه وعقله إلى العالم. 
ثانيا: دعوةٌ للتجددِ وبناءِ ملكوتِ المحبَّةِ والسَّلام 
الميلاد فرحٌ ومسئولية: فمَن يقبل المسيح ويتبعُهُ، مدعوٌ ليعيشَ في تناغُمٍ مَعَ الخليقةِ ومحبَّة الآخرين، لأنَّنا باتّحادنا به، نصرين قادرينَ على الحبِّ والمغفرةِ. 
الميلاد يعني ولادةً جديدةً في المسيح. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ" (2 كور5: 17). 
- جديد في الفكر: "ليكن فيكم من الأخلاقِ والأفكارِ ما هو في المسيح يسوع." (في 2: 5) 
- جديد في القلب: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ". (مز 51: 12).
- جديد في العمل والعلاقات: "تيقظوا، اثبتوا في الإيمان، كونوا أقوياء، اعملوا كل شيء بمحبَّة". (1كو 16: 13).
- جديد في الكلام: "ليكن كلامك مصلحًا بملح، فتعرفوا كيف تجيبوا كلّ إنسانٍ. (كو 4: 6).
الميلاد يعني المبادرة بالمصالحة وبناءِ السَّلام، "طوبي لصانعي السَّلام، فإنهم أبناء الله يدعون". (مت 5: 9).
الأمر ليس هينًا، ولكن كثيرين من آبائنا في الإيمان، جاهدوا وزرعوا الحنطة، وتركوا للرّبِّ أن يُنميَ زرعَةُ وَسْطَ الزؤان.
اليوم من خلال كلماتنا يسمع العالم صوت يسوع، ومن خلال أعمالنا يفهم العالم عناية الله به، ومن خلال محبتنا بعضنا البعض يؤمن العالم بأن الله محبَّة. فإذا كنا أمنا بمحبَّة الله لنا، فلنخرج من ظلمتنا ولنقم في أعمال النور ونقوم بخطوات جادة وحقيقيَّة نحو بعضنا البعض. نصلّي لكي يصير الميلاد عطية حبّ وحوار وسلام أن يكون شفاء لبشر يتألمون وأمانًا لأناس يبحثون عن مستقبل آمن. ما فائدة الكلام عن الله المحبَّة لو لم تتجسَّد هذه المحبَّة فينا وبنا؟
فقط هي نعمة الله المخلِّصة الَّتي تجلَّت، تُنعش الرجاء في القلوب، وتساعدنا أن نعيد اكتشاف دورنا في المجتمع، لنساهم في بشارة السَّلام وسط جوٍّ يسوده الخوف وعدم الأمان. هي نعمة الله تعيننا لنحقق ما نردده في الصَّلاة "ليأت ملكوتك".
وخـتـامـًا: نرفعُ صلاتنا مُتَّحدين مع قداسة البابا فرنسيس، ومع أخوتنا بطاركة وأساقفة الكنائس في العالم. 
من هذه الكنيسة باسمكم جميعًا نبعثُ بأطيب التهاني القلبيَّة إلى كل المحتفلين بالعيد وإلى شعبنا المصريّ كافة والشعوب جميعا، مصلين من أجل سلام وطمأنينة العالم، وأن يشمُلَنا اللهُ برحمَتِهِ ويغمُرَ قلوبَنا بمحبَّتهِ. 
نُصلِّي من أجل وطننا الغالي مصر، ومن أجل سيادة رئيس الجمهوريَّة عبدالفتاح السيسي وكلّ المعاونين له في خدمة الوطن، طالبين لهم الصحةَ والعونَ لمواصلةِ العملِ مِن أجلِ كرامَةِ وسعادَةِ كُلّ المصريين. 
نُصلِّي أيضًا ونهنئ كلّ الَّذين يحتفلون بعيدِ ميلاد الرّب يسوع اليوم وكلّ الأيام المقبلة، متمنين أن يغمرَ فرحُ المسيحِ قلبَ كلِّ إنسان، بشفاعة أمنا القديسة مريم العذراء. 
المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة" (لو 1: 14).
وكلّ عامّ وبلادنا وعائلاتنا وحضراتكم بخير وسلام ونعمة.

المطران جورج شيحان: الكلمة المتجسدة هبة الله للبشريّة
الله يريدنا أن نشاركه أحرارا في نعمه.. ونختبر قوتها في مسيرة توبة يومية وانخراط في حياة الكنيسة


يقول المطران جورج شيحان، مطران الطائفة المارونية بالقاهرة، والرئيس الأعلى للمؤسسات المارونية في مصر والسودان وأفريقيا: 
"والكلمة صار بشرًا فسكن بيننا فرأينا مجده، مجدًا من لدن الآب لابن وحيد ملؤه النعمة والحق” (يو١: ١٤).
ما زال المسيحيّون، على مرّ الأجيال، يتأمّلون في سرّ التجسّد كينبوع فيّاض. فيه اتخذ الله المبادرة، ساعيًا في طلب الإنسان، وداعيًا إيّاه لاستعادة صورته الأصليّة وإلى عيش ملء إنسانيته التي يجدها مجسَّدة في السيد المسيح الإنسان الكامل والإله الكامل. يسوع اتّخذ طبيعتنا ليجعلنا "شركاء الطبيعة الإلهية" (2بطرس 1: 4). 
إن الكلمة المتجسد هو هبة الله للبشريّة، هبة فاقت جميع الانتظارات. في هذا السرّ، تلاقى الله والإنسان فتلاقت أبدية الله وزمن الإنسان. لقد دخل الله، بالمسيح، التاريخ البشري ليؤكّد أنه ما زال تاريخ خلاص كما أراده من البدء بحيث إنه "بالتجسّد يصبح الزمن والأبدية الوجهين لمشروع خلاص واحد هدفه الأخير أن يستعيد الإنسان الشركة الكاملة مع الله". 
فما المصير الذي كان سينتهي إليه الإنسان بعد سقوطه بخطيئة الانفصال عن الله الخالق لو لم يعد ليفتقده برحمته، وينزل إليه متجسِّدًا، ويعيد فتح باب الملكوت وإمكانية الخلاص من جديد ؟!
التجسُّد أي أن يأخذ الله جسد الإنسان، كان الردّ الإلهي على سقوط الإنسان وخضوعه للموت. فأمام عجز الإنسان الخاطئ عن أن يُكفِّر عن خطيئته وينجو من الموت، كان أن صار الله إنسانًا مشابهًا للناس في كل شيء، ما عدا الخطية المُسبِّبة للموت، ويُكفِّر بدم نفسه من أجل الخطأة. وهو إذ يقوم منتصرًا بعد موته من أجلهم، يُعلِن غلبته على الموت، ويُحقِّق البراءة للإنسان الخاطئ، ويهب كل مَن يؤمن به الحياة الأبدية (رو6، 23 ).
والتجسُّد اقتضى أن يُولَد الله بشرًا من امرأة (غل 4: 4). من أجل أن يتحرَّر الجسد- الذي يتَّخذه الله - من الخطيئة التي سبَّبت الموت، لكي يكون مؤهَّلًا للتكفير عن الخطاة؛ اقتضى أن يكون ميلاده بالتالي من عذراء بغير الزواج الطبيعي وما يحمل من نقص بشريّ (لو 1: 34-35). والكتاب يُسجِّل هذا التدبير الإلهي بعد سقوط الإنسان مباشرة، في قول الله للحيَّة (إبليس): وهو أي نسل المرأة يسحق رأسكِ (تك 3: 15). فهو هنا ينسب النسل لا للرجل (حسب التقليد) وإنما للمرأة. وتكشف النبوّات عن عذريّة هذه "المرأة": ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل " ( إش 7: 14 ).

العهد الجديد والتجسّد الخلاصي 

تشهد آيات العهد الجديد بوضوح عن ارتباط التجسُّد بالخلاص كهدف مباشر:
فالملاك وهو يُطمئِن يوسف من جهة طهارة العذراء وبأن الذي حُبِل به فيها هو من الروح القدس، يقول: فستلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع، لأنه يُخلِّص شعبه من خطاياهم (مت 1: 21،20)، فحتى اسمه المختار له في التدبير يُشير إلى مهمّته الخلاصية.
وهدايا المجوس للطفل الإلهي تدلّ على ذلك: فالذهب يُشير إلى أنّه ملك الملوك (تي 6: 16) والمرّ يكشف عن كأس الآلام التي سيشربها لفداء البشر (إش 53: 5 ) واللبان يُنبئ عن مهمّته الكبرى كـكاهن عظيم على بيت الله يدخل مرة واحدة إلى قدس الأقداس ليُبطِل الخطية بذبيحة نفسه، فحقّق فداءً أبديًا، (عب 9: 12). 
وسبق يوحنّا المعمدان، يُهيِّئ الطريق أمام الرب (ملا 3: 1؛ مر 1: 2)، يُنادي وهو يُقدِّمه إلى العالم: هوذا حَمَل الله الذي يرفع خطيئة العالم (يو 1: 29)، فهي مهمّته الأولى أن يحمل خطيئة العالم في جسده ويرفعها عن كاهل الخطاة.
وبعد معجزة إشباع الجموع بالخبز، نقل فكرهم إلى شخصه باعتباره "خبز الحياة" الذي نزل من السماء، ثم يُضيف موضِّحًا: «والخبز الذي أُعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم» (يو 6: 48-51) وهو ما قاله لتلاميذه وهو يرسم سر الشكر ؛ ( لو 22: 19).
ولأن خلاص الناس كان هو الغاية الكبرى من تجسُّد الرب وظهوره إلى العالم، فقد استبقى آثار الصليب في جسده، وسمح لتوما أن يضع إصبعه في جراح الصليب (يو 20:27).
والقديس بولس يشهد مبتهجًا كيف أنه كسائر الخطاة نال الخلاص بمجيء المسيح مثالًا لكل مَن يؤمن به لينال الحياة الأبديّة (1تي 1: 16،15 ).
ويكتب القديس يوحنا في رسالته الأولى: ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبَّنا، وأرسل ابنه كفَّارة لخطايانا ( 1 يو 4: 10)، وهو كان يُعيد ما قاله الرب فإن الله لم يرسل ابنه للعالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم (يو 3: 16).

العهد القديم والتجسّد الخلاصي 
ما كان مستترا" في العهد القديم وراء الأحداث والأشخاص والرموز والنبوَّات، أستعلَن في العهد الجديد في شخص المسيح كمخلِّص العالم ومُحقِّقًا كل ما أشار إليه العهد القديم عنه. فتسرد النبوَّات حدث الخلاص بهذا السياق عن الميلاد من عذراء (إش 7: 14؛ مت 1: 23)، الميلاد في بيت لحم (مي 5: 2؛ مت 2: 6؛ يو 7: 42)، وعن هروب العائلة المقدسة إلى مصر وعودتها (هو 11: 1؛ مت 2: 12).
فالرب حثَّ اليهود أن يفتِّشوا الكتب (أي الناموس والأنبياء) لأنها تشهد له (يو 5: 39)، وأنَّ موسى كتب عنه (يو 5: 46). وفي بداية خدمته، دخل الرب مجمع الناصرة يوم السبت كعادته، ودُفِعَ إليه سفر إشعياء، ففتحه وقرأ ما تحقّق فيه من بشارة الشفاء والتحرّر (إش 61: 2،1).
وفي لقاء الرب مساء يوم قيامته مع تلميذَي عمّاوس المتحيِّرَيْن، وبَّخهما على بُطء فهمهما لِمَا شهد به الأنبياء عن آلامه وخلاصه قائلًا: أَمَا كان ينبغي أن المسيح يتألَّم بهذا ويدخل إلى مجده... ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يُفسِّر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب (لو 24: 25- 27).
والرب استدعى لليهود من الماضي مشهد الحيَّة النحاسية التي أقامها موسى بأمر الرب بعد أن لدغت الحيَّات الكثيرين عقابًا، فكل مَن نظر إليها كان يحيا (عد 21: 9،8)، وكشف عن علاقتها بمهمّته الخلاصية قائلًا: وكما رفع موسى الحيَّة في البريّة هكذا ينبغي أن يُرفَع ابن الإنسان، لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يو 3: 15،14). 
التجسّد الخلاصي وحياة الكنيسة 
ليس تجسّد ابن الله فكرة أو نظريّة بل حدث لتاريخ مستمرّ حمل ما في الأزلية من قدرة الحضور الدائم به يشكلّ الكنيسة، وهذا يعني أنه يحوّلها ويؤلّهها. وذلك أن تجسّد ابن الله يَهدف إلى رفع الإنسانية إلى الله. فمنذ عهد الآباء الأوّلين نردّد: "الله صار إنسانا ليصير الإنسان إلهًا " (القديس إيريناوس). ولعلّ ما يفّسر اعتبار عيد القيامة "عيد الأعياد" هو أن ابن الله الوحيد حقّق في موته وقيامته تألُّه الإنسان، ذلك أننا، بآلامه، لبسنا (نحن المائتين) "جمال عدم الفساد"، ونُقلنا، بقيامته، من الموت إلى الحياة ومن الأرض إلى السماء".
أساس هذا التعليم هو تأكيد الكتب المقدسة أن الإنسان خُلق على "صورة الله ومثاله"، وأنه دُعي ليعيش مع الله ليشاركه مجده ويتّحد به بالنعمة الإلهية.
بما أن الإنسان مكوّن من نفس وجسد، فإن التألّه يخصّ كيانه كلّه اي جسده ونفسه (رو 12:1؛ 1كور 6: 19). ما من شك في أن تألّه الجسد لا يَكمُل قبل اليوم الأخير، غير أن بوادره يمكن أن يختبرها الإنسان في هذه الحياة، في جسده المنظور بإخلاصه لله ومشاركته في الأسرار الكنسيّة. وهذا يجعلنا نفهم السبب الذي يدفعنا إلى تكريم ذخائر القدّيسين، وذلك أنهم يؤمنون بأن نعمة الروح القدس المستقرّة في أجسادهم -وهم في هذه الحياة- إنّما تستمرّ بعد رقادهم. والأجمل هو أن الكنيسة تؤكّد أن الخليقة كلّها في اليوم الأخير، سوف تخلص وتتجلّى (رو 8: 19-22؛ رؤ 21: 1 ).
لقد أعطى تجسّد ابن الله الإنسان ما أراد أن يحصل عليه آدمُ الأول من دون الله. كان آدم يتوق إلى التألّه وظنّ أنه يمكنه أن يصل وحده إلى مبتغاه، فسقط "وضلّ عن الطريق". ما من شكّ في أن الله كان في تصميمه أن يتألّه الإنسان، فهو ما أراده عبدًا بل شريكًا في حياته الإلهية. غير أنّ "التألّه" لا يمكن أن يصل إليه أي إنسان من دون الاتحاد بِمَن هو وحده مصدر "كل عطيّة صالحة وموهبة كاملة"." لقد خاب آدم قديمًا فلم يصر إلهًا كما اشتهى، فصار الإله إنسانًا لكي يصير آدم إلهًا حقًّا".(القديس باسيليوس).
فالله الذي أرسل السيد المسيح لينقذنا من الخطيئة، يريدنا أن نشاركه أحرارًا في نِعَمِه التي نختبر قوّتها وفعلها في مسيرة توبة نسعى إليها في كل يوم، وانخراط واعٍ في حياة الكنيسة وحبٍّ لله والإخوة الذي مات المسيح عنهم، حبّ في حقيقته يجعلنا نتوق إلى العلى ونتسامى في علاقاتنا المتبادلة.
"
هل تتحايل قطر على شروط المصالحة ؟

هل تتحايل قطر على شروط المصالحة ؟