رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
اغلاق | Close

القس عيد صلاح يكتب: مع فتح الكنائس ما الذي يجب أن يُفتح في حياتنا؟

الجمعة 11/سبتمبر/2020 - 12:49 ص
القس عيد صلاح
القس عيد صلاح
القس عيد صلاح راعي الكنيسة الانجيلية بعين شمس
طباعة
"وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي فِيلاَدَلْفِيَا: «هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ:" (رؤ 3: 7).
مِنْ الأفعال التي تكرَّرت كثيرًا في فترة كورونا هي: "غلق وفتح"، فمنذ أنْ أُغلقت الكنائس في مارس 2020 بسبب جائحة كورونا، والناس تتساءل متى تفتح الكنائس؟ وفعلا "يغلق ويفتح" في الكتاب المقدّس مرتبطان بسلطان وسيادة الله على كل الأمور، فهو "الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ:" (رؤ 3: 7). في حادثة الطوفان وبعد أن دخل الكل إلى الفلك، تقول كلمة الله "وَأَغْلَقَ الرَّبُّ عَلَيْهِ" (تك 7: 16)، حتى في الأمور الحياتيّة الخاصة كان لله موقف، فنقرأ في سفر التكوين "لأَنَّ الرَّبَّ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ كُلَّ رَحِمٍ لِبَيْتِ أَبِيمَالِكَ بِسَبَبِ سَارَةَ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ." (تك 20: 18). الفعل: "يفتح" ومقابله "يغلق" يشير إلى عمل الله المميز في التاريخ، وأنَّه صاحب السلطان والسيادة على الكل.
الفعل فتح ورد في العهد الجديد 56 مرة منها 15 مرة في سفر أعمال الرسل حتى سُمِّيَ بأنَّه "سفر الفتوحات المسيحيَّة" والملاحظ أنَّ البشير لوقا يستخدم الفعل "فتح" ومشتقاته كثيرًا في كتاباته، سواء في إنجيل لوقا أو أعمال الرسل. 
سنركز على خمس أمور مهمة يجب أنْ تفتح في حياتنا مع بداية فتح الكنائس، وبالتالي نختبر أنَّ الفتح ليس مكانًا فقط يفتح للعبادة لكن مع فتح المكان نختبر فتح عدة أمور مهمة في حياتنا، وهي:
1- عيون مفتوحة
2- قلوب مفتوحة
3- أذهان مفتوحة
4- سجون مفتوحة
5- سموات مفتوحة
أوًلًا: عيون مفتوحة
خبرة تلميذي عمواس بعد القيامة في بحثهما عن قصة مغيرة تصل إلى ذروتها في القول: "فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ" (لوقا 24: 31)، من التركيز على معرفة المسيح، في قصة تلميذي عمواس، فتتغير الحياة، إلى العودة إلى الموقف المقابل في قصة السقوط، حيث أنفتحت أعين أدم وحواء، ولكن على خطيتهما "فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ." (تك 3: 7).. والموقفان مختلفان في قضية فتح العين، فعلى من وعلى ما تفتح عيوننا؟
رحلة تلميذي عمواس هي رحلة بحث كانت مليئة بالعبوس واليأس، ولقد تقابل معهما المسيح وأعادهما إلى المكتوب من خلال التفسير والشرح، وفي كسر الخبز، انفتحت أعينهما وعرفاه. العلاقة مع المسيح تبنى على المعرفة، ومعرفته تغير.
لماذا يجب أن تنفتح الأعين؟ لأنَّ إبليس أعمى أذهان غير المؤمنين "الَّذِينَ فِيهِمْ إِلَهُ هَذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ" (2 كو 4: 4).
 ولعل الموقف الذي حدث مع بولس، حسب رواية سفر الأعمال: "فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ." (أع 9: 18). وهذا ما سجله بولس أمام أغريباس بالقول: "لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ." (أع 26: 18). 
لتكن طلبتنا هي"اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ." (مز 119: 18)، وندرك دائمًا أنَّ "فَتْحُ كَلاَمِكَ يُنِيرُ، يُعَقِّلُ الْجُهَّالَ." (مز 119: 130). ما أجمل الاستنارة!
ثانيًا: أذهان مفتوحة
بعد القيامة فتح المسيح ذهن التلاميذ لكي يفهموا الكتب "حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ" (لوقا 24: 45)، لأن الاستنارة مهمة جدًا في مسيرة الحياة الروحية، استنارة العقل والفكر والذهن، الذين "نَظَرُوا إِلَيْهِ وَاسْتَنَارُوا، وَوُجُوهُهُمْ لَمْ تَخْجَلْ." (مز 34:5). 
ولعلَّ الرسول بولس قد عبَّر عن موقف البعيدين عن الله بالقول "إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ." (أف 4: 18)، والمطلوب ليس فقط فتح الذهن بل تجديده باستمرار حسب قول الرسول بولس: "وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ." (رو 12: 2). ليفتح الرب أذهاننا لنفهم المكتوب ونعيش بمقتضاه.
ثالثًا: قلوب مفتوحة
يشير سفر أعمال الرسل إلى ليديا بائعة الإرجوان والتي عرفت المسيح بالقول: "وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ خَرَجْنَا إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ نَهْرٍ، حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ تَكُونَ صَلاَةٌ، فَجَلَسْنَا وَكُنَّا نُكَلِّمُ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي اجْتَمَعْنَ. فَكَانَتْ تَسْمَعُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا لِيدِيَّةُ، بَيَّاعَةُ أُرْجُوَانٍ مِنْ مَدِينَةِ ثَيَاتِيرَا، مُتَعَبِّدَةٌ للهِ، فَفَتَحَ الرَّبُّ قَلْبَهَا لِتُصْغِيَ إِلَى مَا كَانَ يَقُولُهُ بُولُسُ. فَلَمَّا اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا طَلَبَتْ قَائِلَةً: «إِنْ كُنْتُمْ قَدْ حَكَمْتُمْ أَنِّي مُؤْمِنَةٌ بِالرَّبِّ، فَادْخُلُوا بَيْتِي وَامْكُثُوا». فَأَلْزَمَتْنَا. (أعمال الرسل 16: 13- 15).
القلب مركز الإنسان ومنه مخارج الحياة "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ." (أم 4: 23)، وحفظ القلب هو بفتحه لله وتسليم الحياة بجملتها لله. النموذج التميز هو نموذج ليديا فتحت أذنيها لتصغي، وفتحت ذهنها لتفهم، وفتحت فمها لتشهد، وفتحت بيتها لتستضيف، وفتحت محفظتها لتعطي. فلنفتح القلب له ولنعطه اسمى مقام في كل قلب حلَّ حل السرور والسلام.
رابعًا: سجون مفتوحة
يسجل أعمال الرسل موقفان لفتح السجون الأول مع بطرس "فَجَازَا الْمَحْرَسَ الأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، وَأَتَيَا إِلَى بَابِ الْحَدِيدِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَانْفَتَحَ لَهُمَا مِنْ ذَاتِهِ، فَخَرَجَا وَتَقَدَّمَا زُقَاقًا وَاحِدًا، وَلِلْوَقْتِ فَارَقَهُ الْمَلاَكُ." (أع 12: 10). والثاني مع بولس وسيلا: "وَنَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ كَانَ بُولُسُ وَسِيلاَ يُصَلِّيَانِ وَيُسَبِّحَانِ اللهَ، وَالْمَسْجُونُونَ يَسْمَعُونَهُمَا.فَحَدَثَ بَغْتَةً زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَتَّى تَزَعْزَعَتْ أَسَاسَاتُ السِّجْنِ، فَانْفَتَحَتْ فِي الْحَالِ الأَبْوَابُ كُلُّهَا، وَانْفَكَّتْ قُيُودُ الْجَمِيعِ." (أع 16: 25- 26).
الله يفتح السجون، وهذا ما رأيناه في الموقفين السابقين. وما أكثر السجون في حياتنا! سجن الهم، سجن الوهم، الكراهية، الخوف، القلق، سجن الألم، الله يفتح لنتحرر ومصدر الحرية الحقيقي هو شخص المسيح المكتوب عنه: "وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ»." (يو 8: 32). "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا." (يو 8: 36).. وبالتالي نحيا معه هذا الاختبار: "انْفَلَتَتْ أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ. الْفَخُّ انْكَسَرَ، وَنَحْنُ انْفَلَتْنَا." (مزمور 124: 7).
خامسًا: سموات مفتوحة
يسجل أعمال الرسل موقفان للسموات المفتوحة ففي وسط ألم استفانوس ووحدته يرى: " وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. فَقَالَ: «هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ». (أع 7: 55- 56)، والموقف الثاني موقف بطرس "فَرَأَى السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِنَاءً نَازِلًا عَلَيْهِ مِثْلَ مُلاَءَةٍ عَظِيمَةٍ مَرْبُوطَةٍ بِأَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ وَمُدَلاَةٍ عَلَى الأَرْضِ" (أع 10: 11). 
في الموقف الأول مع بطرس هو موقف المساندة وسط الألم والوحدة، والثاني كسر لكل موقف للتعصب الذي يكان يجب أن يتعلمه بطرس لكي تخرج الرسالة للأمم. وفي كل مرة نرى السموات مفتوحة نجد كل تعضيد وسند ونتعلم قبول الأخر بكل حب وتقدير.
رؤيا بطرس كسرت الصور النمطية عن الآخر فقد كانت فقد كانوا يعتبرون أنَّ الأمم نجسين. ولكن الرسالة كانت أن ما طهره الله لا ينجسه إنسان. رؤيا أسطفانوس أثبتت القدرة على الغفران "ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ." (أع 7: 60) وبذلك سار على هدى المسيح الذي طلب على الصليب الغفران لصالبيه، حين قال: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو 23: 34). ‏
هناك أيضًا علاقة بين رؤية أسطفانوس ورؤية يوحنا حيث تنفتح السماء على المسيح والعرش ويتبين لنا أن الله ضابط الكل، قال يوحنا الرائي: "بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ، وَالصَّوْتُ الأَوَّلُ الَّذِي سَمِعْتُهُ كَبُوق يَتَكَلَّمُ مَعِي قَائِلًا: «اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بَعْدَ هذَا». وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. (رؤيا 4: 1-2)
لعلنا نكون قد جاوبنا على سؤال مع فتح الكنائس ما الذي يجب أنْ يُفتح في حياتنا؟ ففي فتح العين يكون لدينا رؤيا، وفي فتح الذهن هناك حالة من الفهم، وفي فتح القلب نختبر القبول، وفي فتح السجن هناك حرية، وفي فتح السماء هناك معونه وآفاق متسعة.
 ‏غلق القلب والذهن والعين أصعب بكثير من غلق الكنائس. والأمل والرجاء في فتح القلب والذهب والعين كبير.
كانت كورونا ومازالت سجن كبير لنا نصلي أن نتحرر منه بدون أمان زائف، ولنختبر في حياتنا دائمًا أن تكون عيوننا وقلوبنا وأذهاننا مفتوحة وينفك كل قيد ونختبر السموات المفتوحة في حياتنا فلنمس المعونة ونختبر الغفران ونكسر الصورة النمطية عن الآخرين.





الكلمات المفتاحية

"
مع وجود فيروس كورونا.. هل توافق على عودة الأفراح ؟

مع وجود فيروس كورونا.. هل توافق على عودة الأفراح ؟