رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

«تل أبيب على نار».. قصة تُكتب بقوة السلاح

الأربعاء 01/أبريل/2020 - 12:12 م
البوابة نيوز
هيثم مفيد
طباعة
في فيلمه الأخير «تل أبيب على نار»، الفائز بجائزة أفضل ممثل لبطله قيس ناشف بمسابقة آفاق ضمن مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، يقدم المخرج الفلسطيني سامح زعبي نسخة شديدة الطزاجة عن القضية الفلسطينية والصراع مع المحتل الإسرائيلي، لكنه فضّل أن يراقب الوضع بحيادية شديدة تسمح له بالسخرية اللاذعة من مخزون الشعارات القومية المتكدسة بقوالب الدراما العربية، واستخلاص الكوميديا من نمط الحياة الآلي في التعامل اليومي مع جنود الاحتلال.
يتشكل سيناريو الفيلم من 3 خطوط سردية تترابط فيما بينهما بأسلوب سلسل ومتناغم بفضل براعة نص "زعبي" والمؤلف المشارك دان كلينمان، بداية من الواقع اليومي للشخصيات، وكواليس صناعة مسلسل جاسوسية عن النضال الفلسطيني ضد الاحتلال على طريقة الميتاتياترو (المسرح داخل المسرح)، مروراً بأحداث المسلسل الافتراضية التي يتفجر من خلالها الصراع ويؤثر بمسار الخطين السابقين. ليتسأل المشاهد في نهاية الفيلم عن وضعه من الأحداث هل هو داخل الفيلم أم المسلسل أم في الخط الوهمي الفاصل بينهما؟
«تل أبيب على نار»..
افتتاحية الفيلم تنطلق بمشهد من مسلسل تلفزيوني افتراضي، على طريقة "Soap opera"، يحمل نفس عنوان الفيلم «تل أبيب على نار»، والذي يتابعه بشغف كل من الفلسطينيين والإسرائيليين، نشهد خلاله كيف تتم عملية تجنيد (راشيل / تالا)، تجسدها لبنى الزبال، للتجسس على الجيش الإسرائيلي من خلال الوقوع في علاقة غرامية مع أحد القادة ويدعى (يهودا)، يلعبه يوسف سويد، وذلك قبل أيام على حرب الأيام الستة عام 1967. وينزل بعدها تتر بداية المسلسل على أنغام موسيقى «رأفت الهجان»، في مقاربة بارعة من المخرج ما بين أحداث المسلسل المتخيل وفيلمنا الواقعي.
بطل قصتنا (سلام)، قيس ناشف، شاب فلسطيني يتسم باللامبالاة التي تصل إلى حد البلاهة، تسوقه الأقدار للعمل كمساعد إنتاج في المسلسل بمعاونة خاله ومدير الإنتاج (بسام)، نديم صوالحة، الذي وظفه لتمكنه الشديد من اللغة العبرية، وبسبب تدخلاته في تعديل الكثير من الجمل الحوارية للسيناريو – وهي صحيحة بالطبع – تنسحب إحدى الكتابات المشاركات في العمل ويحل محلها ذلك الشاب الذي لا يفقه أي شيء عن الكتابة والتأليف.
خلال رحلته اليومية من المنزل إلى العمل يمر (سلام) بنقطة تفتيش إسرائيلية تفصل القدس عن رام الله، يتفوه ذات مرة بكلمة غير لائقة لمجندة إسرائيلية تقوم على إثرها بترحيله لمكتب القائد (عاصى)، يانيف بيتون، وعن طريق الصدفة يكتشف أنه مؤلف مسلسله المفضل. يضطر ذلك الشاب المسالم للمرور يومياً على مكتب الضابط المتسلط أثناء عبوره للحاجز، وبسبب ضحالة (سلام) الإبداعية يقوم بطلب مساعدة (عاصي) في كتابة عدد من مشاهد المسلسل، ولكن بعد فترة وجيزة يبدأ الضابط في فرض تعديلات جوهرية على مسار العمل تصل إلى حد تغيير نهاية القصة، ليصبح (سلام) في مأزق إما أن ينجح في اقناع المخرج بالتعديل أو يواجه مصيراً مجهولاً مع الضابط الغاضب .. فماذا سيفعل؟
«تل أبيب على نار»..
يتضح بشكل جلي أن السينما الفلسطينية نضجت بشكل مثير للاهتمام في السنوات الماضية وذلك فيما يتعلق بالأسلوب المستخدم لمعالجة القضية الفلسطينية، فبالنظر إلى شريط المخرج هاني أبو أسعد «الجنة الآن» إنتاج 2005، وما تقدمه مؤخراً من أعمال كان أخرها الفيلم الساخر «إن شئت كما في السماء» لإيليا سليمان، نرى أن صناع الأفلام قد نجحوا في الخروج من نمط المعالجة السياسية لموضوعاتهم واستبداله بقالب كوميدي ساخر محملا بالقضية ذاتها، ما حولها لمتعة بصرية وسردية خالصة نادراً ما نراها في فيلم عربي.
دلالة اسم (سلام) تبدو منطقية بالنظر إلى سياق الفيلم، فبطلنا شخص بسيط يريد أن يحافظ على ما اكتسبه عن طريق الصدفة لكي يستعيد حبيبته المفقودة (مريم)، ميساء عبد الهادي، لكنه يجد نفسه واقفا عند الحافة يبحث عن خلاصه حين يصطدم بقضية الهوية. وهو ما تجلى في مشهد يقف فيه (سلام) بجانب الحائط العازل بعد أن فشل في عبوره.
ربما يقدم لنا المخرج سامح زعبي، فيلما كوميديا ساخرا يظهر من سطحه أنه يدعو للهزل والتسلية، ولكن إذا تعمقنا يمكننا قراءة الفيلم في ضوء الكثير من القضايا السياسية دون تحيز مع طرف على حساب الآخر، لا نستطيع أن نفرق بين نقده اللاذع للأوضاع في فلسطين أو رسائله المبطنة للإسرائيليين وسلطتهم الاحتلالية.
"
هل توافق على استمرار قرارات حظر التجوال؟

هل توافق على استمرار قرارات حظر التجوال؟