رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

تبخير البيوت.. تعليمات محمد علي للخلاص من الأوبئة

الخميس 19/مارس/2020 - 11:31 م
كتابه دمياط في التاريخ
كتابه "دمياط في التاريخ الحديث"
محمود عبدالله تهامي
طباعة
في كتابه "دمياط في التاريخ الحديث 1810 – 1906 م" تناول الدكتور راضي محمد جودة حادثة انتشار وباء الطاعون في مصر في القرن التاسع عشر وكيفية محاربته، ووسائل محمد على باشا في الحفاظ على الصحة العامة للمصريين.
وجاء في الكتاب:
لقد عانت الشئون الصحية وصحة المصريين كثيرًا من الإهمال، وعدم الاهتمام خلال العصر العثماني، ولم تلق العناية الكافية من السلطات، كما أن ثقافة الأهالي كانت ضئيلة للغاية، حيث اعتقدوا في الدجل والسحر والشعوذة، واعتمدوا كثيرًا على الأحجبة والتمائم والرقى وإطلاق البخور، والوصفات المتوارثة في مقاومة وعلاج الأمراض.
وعندما تولى محمد على حكم مصر اهتم بحالة الصحة العامة بها ومن ضمنها دمياط وذلك بسبب كثرة انتشار الأوبئة كالطاعون والكوليرا، ورغبته في العناية بصحة المصريين لتكوين جيش قوي، وتحقيق طموحاته الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى إقامة سلالة حاكمة له ولذريته من بعده.
ومن الإجراءات التي قام بها مكافحة تلك الأوبئة بل تعدت ذلك إلى معالجة الأمراض الأخرى المتفشية بين الأهالي، كالرمد والجدري والدوسنتاريا وغيرها، وكانت الوسائل التي لجأ إليها إما وقائية كالحَجْر الصحي، أو علاجية كالاعتماد على معاونة الأطباء الأجانب أمثال "كلوت بك" في بحث شئون الصحة العامة، واتخاذ ما يلزم لمكافحة هذه الأمراض، وكذلك إنشاء مدرسة الطب، واستحضار الكتب الطبية والأدوية وإقامة المستشفيات، وإيفاد البعثات الطبية إلى الخارج، وتشجيع الأطباء الأجانب، هذا إلى جانب مطاردة الدجالين من الوطنيين والأجانب، الذين كانوا يغرون أبناء البلاد وينتحلون لأنفسهم صفة الأطباء حتى يروجوا بضاعتهم الزائفة. ومن الإجراءات الوقائية أنه ألزم كل شخص بدمياط بنظافة منزله أو محله من الداخل والخارج، بالإضافة إلى نظافة جانب من جهات الطريق الذي فيه منزله أو محله، ومن يخالف ذلك يُغرم بدفع غرامة بلغت عشرين قرشًا، وإن لم يكن قادرًا على ذلك يحبس خمسة أيام، وذلك حسب اللائحة. كما أمر بتبخير البيوت وتنظيف الملابس، وردم البرك لمقاومة الأمراض الوبائية.
كما ألزم مشايخ الحارات بالمدينة بنظافة حاراتهم من القاذورات بالتعاون مع رجال الجهادية، وإذا حصل منهم إهمال أو تستر عمن يخالف يجري عليهم جزاء حكم المخالفين.
وفي عام 1826م، أنشأ محمد على مجلسًا للإشراف على النواحي الصحية سُمي "مجلس الصحة والإسبتاليات" الذي سُمي منذ 1834م بمجلس الصحة العمومية. وفي العام التالي أمر بتحويل بعض المخازن الكبيرة في شبه جزيرة عزبة البرج بالقرب من دمياط إلى مراكز للحَجْر الصحي وكان يشرف على كل العمليات المتعلقة بالصحة العامة مثل نظافة الشوارع وجمع القمامة والتخلص من الفضلات وردم البرك والمستنقعات وخلافه، حكيم صحة دمياط.
ومن الوسائل الأخرى التي اتخذها محمد على للوقاية من الأمراض بدمياط إصدار أمر بإبعاد الجبانات خارج المدينة، ونقل أسواق السمك، وأماكن الذبح ومخازن الفسيخ إلى أرض خلاء بعيدة عن السكن، بالإضافة إلى تسجيل المواليد، والكشف الدوري على الطلبة في المدارس والعمال في المصانع والكشف على الأموات للوقوف على أسباب الوفاة وإجراءات الصحة العامة. كما كان الأطباء يشرفون بدقة على كل العاملين في الأنشطة التجارية التي لها صلة بالصحة العامة مثل باعة الطعام والخبازين والجزارين والصيادلة والعطارين، وكان عليهم أن يفتشوا بانتظام على الخبز المُعد لإمداد الجيش.
كما أمر محافظ دمياط بناء على قرار من مجلس شورى الأطباء بمنع محلات العطارة بيع السموم إلا بتصريح من إدارة الضبطية، وعدم نقل السموم من جهة إلى أخرى بعد شرائها من العطارين والأجزجية، ومن يخالف ذلك يدفع غرامة تصل إلى500 قرش.
وبهذه الإجراءات وغيرها نجح محمد على في تحسين الصحة العامة بالمحافظة خصوصًا في حالة تفشي الأوبئة كالطاعون والكوليرا وغيرها.
وفي عهد "عباس الأول"، واصلت الإدارة الصحية نشاطها لتحسين الأوضاع الصحية بدمياط، فقد اُنشأ بها محجرًا صحيًا. وبتولي "محمد سعيد" الحكم ظل مجلس الصحة قائمًا طوال عهده للإشراف على النواحي الصحية والمستشفيات، كما وجدت إدارات صحية في المديريات تابعة له، ويرأس كلًا منها "مأمور الصحة". وفي 5 يوليو 1856م صدرت لائحة خاصة منظمة لإدارة أعمال " مجلس الصحة". كما عمل على إصلاح الإدارة الصحية، فأصدر أوامر بإنشاء العديد من الكورنتينات والأجزخانات والمستشفيات وتوفير الأطباء له؛ لتحسين الصحة العامة في مصر ومنها في دمياط، ففي بداية عهده تم نقل المستشفى الحكومي من وسط مساكن دمياط إلى عنبر واسع من عنابر أحد المصانع
ومن مجهوداته للمحافظة على الصحة العامة بدمياط إصدار قرار بمنع الدجالين ومن يدعي مهنة الطب والصيدلة من ممارسة الطب بالمحافظة، وكذلك منع العطارين من بيع المواد السامة كما قام بنقل مخازن السمك والفسيخ والسلاموه بعيدًا عن أماكن تركز السكان
كما اهتمت الإدارة الصحية بدمياط في عهده بتسجيل المواليد في كشوف شهريَّا، وذلك بناءً على الكشوف التي تُقدم لها من قبل مشايخ الحارات فعندما تلد أي سيدة فكان على الداية التي قامت بتوليد تلك السيدة تحرير كشف باسم المولود ووالدته ووالده وحارته المولود فيها ويختم الكشف بختمها، ويُصدق عليه من شيخ الحارة ثم يُقدم لمكتب الصحة، كما كان يقيد أيضًا المتوفين في دفاتر يوميًّا.
كذلك أوجد بمحافظة دمياط إدارة بيطرية يرأسها طبيب بيطري للإشراف على مواشي الحكومة ومستلزماتها، من حيث الغذاء والعلاج وتهيئة الأماكن الصحية لها
وقد التحق في عهده بمدرسة الطب من أبناء دمياط72 تلميذًا في سنة 1856م. وذلك لتعلم مهنة الطب لإفادة أبناء وطنه.
يتضح من الإجراءات التي أتخذها سعيد باشا أنه سعى بجديه في الاهتمام بالصحة العامة بأهل دمياط.
وفي عهد إسماعيل استمر" مجلس الصحة" قائمًا لتأدية رسالته التي أُنشئ من أجلها، وكان له الفضل الكبير في مقاومة الأمراض والأوبئة وخصوصًا وباء الكوليرا الذي حل بالبلاد 1865م. واستمرت المأموريات الصحية في الأقاليم قائمة ومن بينها دمياط، كما وضع نظامًا للإشراف الصحي على وابورات القمبانية (شركة الملاحة) في البحرين: الأحمر والمتوسط، وكان الوابور يدفع نظير ذلك عشرين قرشًا شهريًا.
وفي مارس 1863م، ألغى دفع أي شيء نظير الإشراف الصحي، كما طبق نظام الحجر الصحي.
وكان بمأمورية صحة دمياط حكيمباشي ومعه كاتب عن طريقه ترفع المكاتبات لمجلس الصحة، وقد تولى إدارة هذه المأمورية في يوليو 1878م فدريكوكميس كما عُين مفتش صحة بالمحافظة للمحافظة على الصحة العامة، وعُين طبيب بكل قسم من أقسام المحافظة لهذا الغرض. وعند تعيين أطباء جدد لمحافظة دمياط أو غيرها يصدر الأمر بذلك للمالية لمخاطبة مجلس الصحة في ذلك.
على أية حال، نستطيع القول إن الأمور الصحية في عهد إسماعيل لاقت العناية الكاملة بدمياط، وشاركه في هذه العناية الأطباء في دمياط وأعضاء مجلس شورى النواب، الذين وجهوا همتهم جميعًا إلى تحسين أحوال البلاد الصحية، وكان للإدارة الصحية فضل كبير في مقاومة الأمراض ومكافحة الأوبئة.
استكمل الخديو توفيق ما بدأه سابقوه من الحكام من وضع النظم واللوائح والإجراءات والتي كان من شأنها المحافظة على الصحة العامة لأمن وسلامة المجتمع ومن بينها المجتمع الدمياطي، فصدرت في عهده لائحة تختص بتنظيم أعمال مجلس الصحة العمومية وذلك عام 1881م، ونصت على أن يكون بمحافظة دمياط حكيمباشي يقيم بالمدينة، ويكون تحت أوامره حكيم الإسبتالية، وأجزاجيها، والحكيمة، والحكيم البيطري وحكماء الأقسام، وعليهم متابعة الأشغال المتعلقة بالصحة العامة والكشف على المتوفين في المدينة وتسجيل المواليد والمتوفين، وهم مكلفون أيضًا بالكشف على الأحوال المختصة بالطب الشرعي، وعليهم أن يأخذوا معهم لإجراء هذه الكشوفات حكيم الإسبتالية أو أحد حكماء الأقسام.
وفي بداية الاحتلال البريطاني لمصر كان الأهالي معرضين لكثير من الأمراض كالبلهارسيا والانكلوستوما، وبعض الأمراض الوبائية، وكانوا يهملون علاجها أو يعالجونها بالطرق القديمة مما أدى إلى تأخر الصحة العامة، وتخفيض القوة الإنتاجية في الزراعة واتخذت سلطات الاحتلال البريطاني مجموعة من الإجراءات للحفاظ على الصحة العامة في مصر ومنها دمياط، حيث أجبرت الأهالي على التطعيم ضد الجدري والكوليرا، التي اجتاحت دمياط عام 1883م. كما صدر قرار من مجلس الصحة العمومية في يونيو 1883م بمنع نقل الكهنة من جهات القطر إلى دمياط نظرًا لظهور هذا المرض.
كما صدر قرار مجلس الصحة البحرية والكورنتينات في أغسطس 1885م بتعيين الدكتور بيليلي مديرًا لمصلحة كورنتينات دمياط بدلًا من الدكتور هرمانوفيتش.
كما قامت سلطات الاحتلال عام 1886م بإنشاء مصلحة الصحة العمومية طبقًا للقواعد التي وضعها لها المستر" كليفورد لويد"، وعملت على الاستغناء عن الموظفين السابقين، وتعيين موظفين أمناء مخلصين أوفياء لأعمالهم، وكان الغرض من مصلحة الصحة تحسين الأحوال الصحية، فأقامت المستشفيات في أنحاء القطر المصري، وأوجدت فيهما الصيدليات اللازمة، وعملت على تحقيق نظام تحسين حالة المياه والمجاري، وقامت بمجهودات موفقة في مكافحة الأمراض الوافدة وعلى الأخص الكوليرا، كما أنشأت مستشفى للحميات، وكذلك أدخلت تحسينات على نظام السجون مع مراعاة الشروط الصحية للمباني التي أقامتها الحكومة لهذا الغرض وإيجاد المصانع فيها لتشغيل المسجونين بها.
وكان على محافظ دمياط ومأمور الضبطية تنفيذ ما يتعلق باللوائح المخصصة بالصحة العمومية سالفة الذكر متى طلب منهما مأمور الصحة من أجل اتخاذ الاحتياطيات مراعاة للصحة العامة وذلك بناء على أمر خديوي. 
وفي سبيل العناية بالصحة العامة بالمحافظة أيضًا تكونت لجنة خاصة بذلك منذ عام 1891م، وكانت تُعقد بالمحافظة بصفة دورية تحت رئاسة المحافظ ووكيله وحكمدار البوليس ومفتش الصحة ومهندس التنظيم ومعاون الأوقاف؛ من أجل المرور في أنحاء المحافظة وجميع حاراتها وشوارعها لملاحظة أحوال النظافة وتعميم الكنس وما شابه ذلك. وكان المحافظ يشرف على ذلك بنفسه لتنفيذ تلك القرارات. ومن يمتنع أو يتأخر يقع تحت طائلة القانون، وقد تجاوب أهالي دمياط مع ذلك 
وفي اجتماع اللجنة عام 1893م تقرر على سكان المحافظة عمومًا أن ينظفوا أمام منازلهم وما يجاورها نظافة تامة، وأن يكنسوا ويرشوا كل يوم مرتين: الأولى في خلال ساعتين من شروق الشمس، والأخرى قبل الغروب بساعتين. وقررت أن كل من يخالف ذلك يُعاقب بغرامة من خمسة إلى خمسة وعشرين قرش صاغ.
ومع كل هذه الإجراءات لم يمنع وفاة الكثير من المواليد حيث بلغ عدد مواليد المحافظة عام 1889م 2145 مولودًا في حين قُدر عدد الوفيات في نفس السنة بـ 1157شخصًا
نستطيع القول بأن الصحة العامة في دمياط لاقت الاهتمام طوال فترة الدراسة بكل الوسائل الممكنة سواء الوقائية أو العلاجية منها.
"
هل توافق على استمرار قرارات حظر التجوال؟

هل توافق على استمرار قرارات حظر التجوال؟