رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

سامح قاسم يكتب: كيف تكتب قصيدة من قصاصات الصُحف وتصبح شاعرا في ساعتين؟

الثلاثاء 17/مارس/2020 - 11:31 ص
سامح قاسم
سامح قاسم
طباعة
إن ما يصنعه الصحفيون المهرة يشبه إلى حد بعيد ما يصنعه الهدافون في ملاعب كرة القدم، يبذلون قصارى جهدهم لإحراز أهدافهم والتي في الغالب الأعم لا تصفق لها الجماهير على نحو علني، والأصوات التي ترتفع بعد كل هدف يحرزونه ليست أصوات البهجة والفرح، بل أصوات السخط والشتم أحيانا.
فالأهداف التي سجلها الكاتب والصحفي السوري حَكَم البابا، صاحب الكتاب الذي نحن بصدده الآن، والذي جاء تحت عنوان "معارك صحفية من الثقافة إلى السياسة" لم تجلب له التصفيق ولم تكن الأصوات التي ترتفع بعد كل هدف يسجله "البابا" أصوات بهجة وفرح، بل أصوات ساخطة وحانقة وغاضبة.
الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات التي كتبها حَكَم البابا ونُشرت في العديد من الصحف السورية، مسجلا بها العديد من الأهداف في معاركه التي قادها لكشف الزيف والتلفيق في الواقعين الثقافي والسياسي السوريين.
يقول حَكَم البابا في مقدمة الكتاب الذي صدر منذ سنوات عن دار الغاوون للنشر: "هذا الكتاب جزء من تاريخي الشخصي، وبطريقة ما أستطيع أن أعتبره فصلا من سيرة ذاتية، فمقالاته التي سيتصفحها قارئ ما وهو مسترخٍ على كنبة، عشت لحظات كتابتها حماسة وانفعالا وأرقا، ومعاركه التي أشعلتها المقالات، والتي من المحتمل أن تثير ضحك قارئ ثانٍ أو شماتة ثالث، مثال على أسلوب حياة اخترتها، وحاربت فيها بضراوة دفاعا عما آمنت أنه حق، وواجهت خلالها بشراسة ما اعتقدت أنه بشاعة، وعبرت فيها من الثقافي إلى السياسي من دون أن أنتبه كثيرا إلى أنني أتحول في لحظات عديدة إلى ما يشبه الانتحاري، وإذا كانت الشتائم التي تلقيتها من أدباء وصحفيين كردود على بعض هذه المعارك الذي يحتويها الكتاب مؤلمة في حينها، فهي بالتأكيد لا تقاس بالوحش الذي واجهته وأنا أنقل مستوى خصوماتي من الشعراء المزورين، والأدباء الذين فرختهم مداجن الأيديولوجيا، إلى الفاسدين وخبراء امتهان كرامة البشر".
الكتاب لا يعد ألبوما من حياة الكاتب فحسب بل يمثل في ذات الوقت جزءا من تاريخ بلده سوريا وصورة عن وضعه الثقافي والصحفي والسياسي في أكثر من مرحلة.
تحت عنوان "معركة الثقافة المزيفة والشعراء المزورين فضيحة في الشعر الحديث: كيف تصبح شاعرا بساعتين ودون معلم!!" جاء المقال الأول بالكتاب والذي نشر في جريدة "تشرين" السورية في عام 1986.
نقرأ: قصاصات الصحف تتحول إلى قصيدة يشار إليها بالبنان!! كيف تصبح شاعرا بساعتين ودون معلم؟! القصيدة الحديثة لا تكلف أكثر من عشر ليرات وتباع للصحف بأضعاف هذا المبلغ.
وأخيرا اكتشف أن "إمكانية صنع شاعر لا تحتاج لأكثر من 6 ليرات أو عشر على الأغلب، وساعة من الوقت كافية لصنع قصيدة مروعة من الشعر الحديث، تكتب عنها المدائح في الصحف، وقد يحالفك الحظ وتصبح بعدها شاعرا مهما بل وقيما على الشعر، وتنشر مئات المجموعات الشعرية وتتجلى، وتغتسل بالنساء و...و...و..."
يقول حكم البابا في كتابه: لا تعجب سيدي القارئ، امنحني فرصة للتحدث إليك حتى النهاية، فإذا كنت شاعرا حديثا أو على الأقل من مؤيدي الشعر الحديث، لا تغضب فأنا كما تعلم، وإذا كنت لا تعلم فها أنا أقول لك صراحة إنني من رافعي راية الشعر الحديث وهدف موضوعي هذا كشف الحِيل والأحابيل التي يقوم بها البعض لجعلك فريسة سائغة لأنياب شعرهم الحديث، ولكن قبل أن أبدأ موضوعي يجب أن أنوه حتما إلى أن هجومي هذا على الحداثة في الشعر، ليس دفاعا ولا يمكن اعتباره بأية حال نوعا من التحيز للقدامة في الشعر، أو القصيدة الكلاسيكية التي أكرهها كراهة مطلقة، فالشعر الحديث يملك نماذج في منتهى الرقي كأشعار محمد الماغوط مثلا، التي يمكن أن تكون نموذجا كاملا للشعر الحقيقي، ولذلك أعتذر سلفا عن التعميم الذي تمليه عبارة "الشعر الحديث" والتي سأستخدمها كثيرا في مقالي.
حسنا فلنبدأ القصة: حدث ذات مساء أن كنت مستاء ضجرا، فرحت أتسلى بقص العناوين البارزة في المجلات ثم فرشتها أمامي على السرير، وبدأت ألصقها بقرب بعضها البعض، بحيث ألصق كلمة ثم أخرى لا تكون نشازا دون أن أتطلع إلى المعاني، وكتبتها أفقيا وعموديا بطريقة السلم، فتشكلت لدي قصيدة، أعتبرها قصيدة تجاوزا، سميتها "أمراء الحرب" وأهديتها إلى إلياس أبو شبكة نظرا لعدم وجود اسم لكاتب غيره، ثم زارني أحد الشباب المهووسين بالسوريالية، والذي سيكون من أبرز شعراء العقد الثاني من الثمانينيات وشاهد ما فعلت فأقنعني بأهمية القصيدة الرائعة، ولم تكن قصيدتي هذه قفزة في فراغ أو اختراعا يخصني وحدي، فقد شاهدت مئات النماذج في الشعر السوري المعاصر، والتي لا بد أن يكون مرجعها البيانات الدادائية التي أحب أن أذكر بها هنا:
"لكتابة قصيدة دادائية خذ صحيفة ومقصات
اختر من الصحيفة مقالا بطول القصيدة التي تنوي كتابتها
قصقص في المقال
ثم اقتطع بعد ذلك بعناية كلا من الكلمات التي يتألف منها المقال وضعها
في كيس
أخرج من ثم كل قصاصة واحدة بعد الأخرى بالترتيب الذي تركت به في الكيس
انسخ بنزاهة
سوف تشبه القصيدة
وها أنتذا كاتب أصيل ذو حساسية ساحرة، ولو لم يفهمها العامة".
هكذا فعل حكم البابا واقتطع من عناوين ومقالات الصحف بعض الكلمات ليشكل بها ما وصفه بـ"قصيدة" نختار منها:
"موعد في الضفة الأخرى
للمؤامرة
نار تحت رما الـ...
تصنعين الابتسامة على الأرض
أو بدون الأرض
سنة الآمال
الخائبة
أنقذتني من الخطأ البشري
إلى نزوات الطبيعة
عاصفة
في عام
في أسوأ تاريخ
تهدد المنطقة
إذن للشاعر أن يفتح النار
على خريطة العرب".
وحملت ما اصطلحت على تسميته آنفا بالقصيدة، رائحا غاديا أقرؤها لأصدقائي المعجبين دوما بما أفعله، وفجأة ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، فقلت لنفسي: جاءت إليك بقدميها يا عزيزي- وأعني نفسي- لماذا لا تقوم باستطلاع حول قصيدتك العجيبة وتنقلها من يد شاعر قيد الاعتراف إلى يد ناقد ماهر؟
يتابع حَكَم البابا قائلا: عرضت القصيدة على بعض الشعراء فحاول البعض أن يكون مهذبا قليلا فقبلني مهنئا على مستوى الشعر.. وابتسمت ببلاهة في وجوههم وطلبت منهم رأيهم مكتوبا حتى لا يتراجعوا عنه بعد نشر القصيدة.. فماذا كانت آراء شعراء ونقاد بارزين في قصيدة نقلها صاحبها من قصاصات وعناوين الصحف؟
الشاعر الدكتور نزار بريك هنيدي: أبدى إعجابه بطريقتي في قراءة القصيدة، وقال إن القصيدة جميلة وناضجة، ولكن يلاحظ فيها عدد من الأصوات، مما يدل على أن الشاعر في بداية طريقه، ولم يتخلص من تأثيرات الآخرين.
الشاعر عدنان قرجولي: أعجب بالقصيدة ودام نقاشنا حولها ما يقارب 3 ساعات، وعلق في النهاية "إنني أرفض التعليق على هذه القصيدة رغم قوتها الفنية".
الصحفي عبدالرحمن حمادي: قرأ القصيدة مرتين لأنه – كما قال هو شخصيا - سيعطي رأيا موثقا، وكتب: "دفقات شعرية يملك صاحبها أشياء كثيرة ليقولها في انفعال صادق، ولغة تقترب كثيرا من إمكانية نقل أحاسيس صاحبها للقارئ، ولكن في الشكل ثمة ملاحظات أولها لماذا هذا التجزيء في الدفقة الشعرية، إنها تجربة تستحق المتابعة على أية حال".
الشاعر خيري عبد ربه: قرأ القصيدة بعجلة وقال إنه يستطيع أن يكتب عنها 4 صفحات ولكنه اكتفى بما يلي "لست مع عقلنة القصيدة، أو زجها في الرؤية المقننة، لكنني بالمقابل لست مع انعتاقها من منطقها الخاص.. أقصد المنطق الذي يمكن أن يشكل الملامح المعقولة للشعر، وفي القصيدة ثمة قفزات معلقة في هواء التجربة.. ولا بأس أن نضيف: التجريب الشعري.. لكنها بالمقابل قفزات تطرح تساؤلاتها الحارة.. الواعية، والمجنونة في ذات الوقت، وفي المحصلة، وإن لم نقف أمام تجربة متكاملة بالمعنى الدقيق، لكننا أمام معادلة مفادها وباختصار.. الشعر رؤية، وقصيدة "أمراء الحرب" حاولت بحياء مس جوانب هذه الرؤية، وكان لديها ما تقوله....".
الشاعر حيدر علي: كتب حول القصيدة "حين يستطيع الشعر أن يمارس سخريته بتدفق وتداع.. فإن ذات الشاعر تكون قد عاشت المرارة التي من أرضيتها ينطلق الشعر.. ومن هذا المنطلق نرى أن مرارة السخرية في القصيدة استطاعت أن تستنهض شاعرا.. لا تنقصه التجربة ولديه رؤى سياسية أوصلته إلى اليأس من واقع تتحرك الأبطال فوقه بكل "أسطورية الغموض" وصناعات المجد.. ولكن يبقى السؤال المهم يطرح ذاته: هل يحتاج الشعر إلى شكل يوازي مضمونه؟ إذا صح ذلك، فإن شاعر هذه القصيدة أغفل نصفه الشعري، واكتفى بسرد بيانه السياسي المتأزم، بلغة التقرير.. والفرق كبير جدا بين أن تلقى خطابك وتمشي... وبين أن تجيد صناعته ليحفظ".
الشاعر شوقي بغدادي: أبدى استياءه من عجلتي وكتب: "أولا: هذا ليس شعرا.. لا تسألوني لماذا؟ إذ من الممكن أن نتناقش عن ماهية الشعر وقد يصبح الكلام شعرا... ثانيا: المحاولة تطمح إلى القبض على كل القضايا العربية في يد واحدة وهذا مستحيل... يجب أن يكون هناك موضوع ما محدد.. لقطة... زاوية... إن الشاعر الذي يحاول أن يحيط بكل شيء دفعة واحدة في محاولة قصيرة كهذه، ليس أكثر من شخص ينفث غضبه في لحظة عابرة، القصيدة يجب أن تركز على موضوع محدد، ومن خلاله يمكن الخروج إلى العالم، أما أن نحاول عناق العالم كله بذراعين عاجزتين فهذا عمل مجاني لا يعيش".
الشاعر خليل صويلح: كتب "وأنت تبحث عن أفقك الخاص، في تجربتك التي لم تكتمل أصلا تحاول هنا أن تكتب عن الآخرين، تبحث عن أفقهم وملامح ما يكتبون وما يمنحك حق كتابة هذه السطور أن هؤلاء الشباب من جيل يقترب منك كثيرا، ويفكر على نحو ما تفكر به أيضا، هنا قراءة عاجلة لهذا النص: "أمراء الحرب" حالة شعرية ذات توتر عالٍ، تبدأ بالحرب والجنون، من نافذة تطل على عام ينتهي بالخراب، ولغة تقترب من مانشيتات الصحافة في بحثها عن مفردات الحياة الساخنة، المرة، المتهكمة، ذلك أنها تحاور الجحيم، ضمن خط بياني متصاعد سواء في التوتر الشعري أو اللغوي. وهي الانفلاش مناخها، فقدت اللغة الشعرية الخاصة... لكنها تظل قصيدة مريرة عن زمن مر".
الشاعر ممدوح عدوان: قرأ القصيدة وقال إن رأيه لن يعجبني وكتب: "هذا نموذج لما ليس شعرا، حتى الشاعرية غائبة عنه، وحتى النكهة التي تتوفر أحيانا في الشعر المترجم غير متوفرة فيه. كلام فقط، وكلام يفتقد سخونة الحوار".
الناقد جمال باروت: كتب "كنت ولا زلت ضد "المقدمات" التي تتعالى على شعراء الحساسية الجديدة، وتنظر إليهم من فوق بعيون تتوهم أنها مفتوحة وهي مقفلة، إنني مع الحوار معهم، ومشاركتهم فعل حريتهم التي يجب أن تكون كاملة، وقد عززت قصيدة "أمراء الحرب" هذا الموقف لدي فخارج "الهتافات" أراها مساهمة في هذا الفعل، ومقتربة من حساسية جيلها... التي عليها أن تبتكر نطقها الشعري المنجز".
استطاع الكاتب والصحفي حَكَم البابا عبر هذه اللعبة/ القصيدة المزورة أن يخدع شعراء ونقاد بارزين وهو هنا يقول: بعد أن استعرضت أهم الآراء التي حصلت عليها بالطرق المشروعة وغير المشروعة أرى أن من واجبي أن أحدد الميزات التي يتسم بها الشاعر الحديث الآن، ويمكن اعتمادها كوصايا لا بد منها لكي تكون شاعرا حديثا جيدا ومهما:
1-أن تكون متمردا ومتطرفا.
2- أن تكتب أشياء توهم الجميع بأن وراءها ما وراءها.
3- ألا يبتعد قاموسك اللغوي عن لغة الصحافة اليومية.
4- أن تجعل بقصيدتك أسماء مختلفة كالقصيدة التشكيلية.
5- أن تكون ذا حضور في المجتمعات الأدبية.
وفي ختام مقاله الذي ضمه الكتاب يقول حَكَم البابا: أود لفت انتباه المواطنين الراغبين بالالتحاق بالشعر، إلى أن القصيدة الغزلية تحتاج إلى مجلات نسائية وفنية، بينما القصائد الشاملة فتحتاج إلى مجلة سياسية منوعة، وعلى كل حال كما يقولون الغزالة تغزل على عود، والشاعر الحديث المتمكن يستطيع الاستفادة من أي مجلة أو صحيفة.
اختتم الكاتب مقالته التي فتحت عليه نيران المُستهدفين حيث طالته ونالت منه مقالاتهم اللاذعة قائلا: وبعد يا سيدي ما الذي يمكن أن أقوله، ومن سأصدق؟ ومن سأكذب؟ وهل أنا عدو للشعر الحديث؟ وإذا كنت كذلك فلماذا أصر على كتابته حتى الآن بعد كل ما سمعت ورأيت؟ ومن يؤكد لي أن القصيدة لو عرضت عليّ كما عرضت على أصدقائي الشعراء لما تورطت بمدحها؟ وهل أنا الآن غير مقتنع بها بعد كل ما سمعته من إطراء ومديح لها؟ حقا لا أدري ولكن يا عزيزي القارئ لماذا نضيع أنفسنا ووقتنا من أجل قصيدة؟ هل يستحق الشعر كل هذا الجهد؟!


"
هل توافق على إجراءات بعض الدول بفرض حظر التجوال لمواجهة فيروس كورونا؟

هل توافق على إجراءات بعض الدول بفرض حظر التجوال لمواجهة فيروس كورونا؟