رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

عبدالرحيم علي يكتب حرية الرأي والتعبير في الإسلام (١٠)

الخميس 06/فبراير/2020 - 07:40 م
البوابة نيوز
طباعة

الله سبحانه وتعالى أنزل مع الأديان كتبًا سماوية، ولم ينزل معها سيفًا وملائكة تأمر الناس باتباع كل الدين

الرسول مكث بضعة عشر يوما فى تبوك يمد بصره وراء الصحراء حيث يقع الرومان فلما رآهم قابعين مستكينين عاد إلى المدينة.. ولو كان هدفه الاعتداء لهاجمهم فى ديارهم كما يفعل بعض مسلمى اليوم، لكنه لم يكن مأمورا بذلك على الإطلاق

نصارى نجران عادوا إلى بلدهم ومعهم كتاب أمان وقد علَّمَنا النبى من خلال هذا الموقف أن الحوار لا يعنى الوصول إلى اتفاق والاختلاف فى الرأى – مع الرسول نفسه – لا يجب أن يتبعه إلحاق الأذى بالمعارضين أو المخالفين

سلطة الله تعالى لم يعطها فى الدنيا لبعض الناس ليعاقبوا باسمه من اختلف معهم فى الرأى أو من كفر بالله

الغزوات الإسلامية لم تكن ضد حرية التعبير ولكن عقابًا للخيانة الوطنية

الإسلام لا يغلق باب التفكر الحر فى وجه الإنسان بل يفتحه على مصراعيه.. والمجتهد فى الدين الإسلامى لا إثم عليه فيما اجتهد فيه

 

أثار السجال بين الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر، وبين الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، جدلًا واسعًا بعد أن فُهِمَ من طريقة رد الإمام أن قضية التجديد لا تخص أحدًا إلا الأزاهرة، وبدا أمام الجمهور أن فضيلته يغلق باب الاجتهاد على المفكرين والمثقفين من غير خريجى الأزهر، فى وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل صاحب فكر، وكل من يؤمن بضرورة إعمال العقل.

وقد فتح هذا السجال الباب لحوار مخلص وصادق وأمين يبتغى خير هذه الأمة ورصد كل ما يحقق إعلاء شأن العقل ويمنح للفكر حريته وللإنسان كرامته.. وقد بدأنا هذه السلسلة، منذ عدد الثلاثاء، تحت عنوان «حرية الرأى والتعبير».. ونواصل ما بدأناه على مدى عدة أيام مقبلة، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

عبدالرحيم علي يكتب

 بسم الله الرحمن الرحيم

{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}

صدق الله العظيم

تناولنا فى الحلقات السابقة حرية الرأى والتعبير فى الإسلام، وبدأنا بتفنيد ذلك الأمر وفق ما جاء فى القرآن الكريم، مستدلين بآيات نزلت خصيصا واضحة لتؤكد أنه «لا إكراه فى الدين»، وأن الله سبحانه وتعالى لم يستنكف من النزول إلى الحوار بمستوى البشر ليقيم الحجة عليه، فلقد أعطانا الله تعالى حرية الإرادة فى الدنيا ليختبرنا، وأنزل الدين الذى أمرنا باتباعه، وأنزل مع ذلك الدين كتبًا سماوية، ولم ينزل معها سيفًا وملائكة تأمر الناس باتباع ذلك الدين، ولم يجعل الجحيم فى هذه الدنيا، بحيث إن من يكفر ويعصى يؤتى به ليلقى فى الجحيم أمام أعين البقية من البشر، ولو فعل ذلك ما كان هناك اختبار أو امتحان، والله تعالى لم يعط سلطته فى الدنيا لبعض الناس ليعاقبوا باسمه من اختلف معهم فى الرأى، أو من كفر بالله. والذين يدعون لأنفسهم هذا الحق المزعوم، إنما يفسدون القضية من جذورها، ويتقمصون دور الإله، حيث لا إله إلا الله، ويتحكمون فيما رغب التحكم فيه رب العزة حين ترك العقل الإنسانى حرًا بلا قيد، يفكر بلا حدود ويؤمن إذا شاء ويكفر إذا أراد، ويعلن ذلك بجوارحه كيف أراد، هذه الفئة من البشر، علاوة على أنها تزيف دين الله وتغتصب سلطاته التى ادخرها لذاته يوم الدين، فإنها أيضًا تعطى الحجة لمن ينكر حساب الآخرة وعذاب النار، وحجتهم أنه إذا كان هناك إرغام على الإيمان، وإذا كان هناك إكراه فى الدين، فلا مجال حينئذ لأن يكون هناك حساب وعقاب يوم الدين. بل إنهم يعطون دين الله تعالى وجهًا قبيحًا متشددًا دمويًا متحجرًا متأخرًا، ويسهمون فى إبعاد أغلبية الناس عنه، وهذا الوجه القبيح لا علاقة له بدين الله تعالى، بل هو وجههم هم، وهو دينهم هم، الذى يناقض دين الله تعالى جملة وتفصيلا.

تأكيدا على ما سبق، سقنا الأدلة أن الإسلام لا يغلق باب التفكر الحر فى وجه الإنسان، بل يفتحه أمامه على مصراعيه، والمجتهد فى الدين الإسلامى لا إثم عليه فيما اجتهد فيه، ولو أخطأ طريق الصواب، بل من اجتهد عنده وأصاب فله أجران، ومن اجتهد عنده وأخطأ فله أجر واحد، فالمصيب يأخذ أجرين على اجتهاده وصوابه، والمخطئ يأخذ أجرًا واحدًا فقط على اجتهاده، ولا يثاب على خطئه، بل يعذر فيه فقط.

وانتقلنا بالشرح والتوضيح من استعراض حرية الرأى والتعبير فى القرآن، إلى السيرة النبوية وكيف أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» حافظ على هذا الأمر الربانى وعمل على ترسيخه وتنفيذه، وظهر ذلك جليا بعد هجرة الرسول – عليه الصلاة والسلام – من مكة إلى المدينة، حيث واجه عدة أنماط من الأعداء، تناولناها فى عدة حلقات بالشرح والتوضيح وهى النمط الأول المتمثل فى «قريش» الذين حاربوا الرسول وأظهروا العداوة له، ثم النمط الثانى وهم يهود المدينة، والذين وادعهم النبى شريطة ألا يحاربوه ولا يؤلبوا عليه عدوه، وأن ينصروه عند مداهمته، ثم تعرضنا بالتفصيل للنمط الثالث من الأعداء وهو الأخطر وينطبق نموذجه على أعداء الوطن الآن وهم «المنافقون» الذين انتظروا ما تئول إليه الأمور، فإن انتصر الرسول تبعوه، وإن انتصرت قريش كانوا معها.

ورغم ما بدر منهم من استهزاء بآيات الله وبالرسول وبالمؤمنين، وتحريضهم على عدم القتال وتخلفهم عنه وكذبهم، إلا أن الله شرع لهم الحرية وحافظ عليها.

كانت قاعدة حرية الرأى والتعبير حاضرة فى كل تصرفات النبى «صلى الله عليه وسلم» ليس فقط مع الثلاثة أنماط السابق ذكرها، ولكنا نراها مع مجرمى الحرب بعد فتح مكة هؤلاء الـ١٥ عشر الذين أمر الرسول بقتلهم ثم عفا عن ١١ منهم، وإذا كان جمهور أهل مكة قد دخلوا بعد الفتح فى الإسلام فإنهم دخلوا فيه طوعا لا كرها، ويؤيد هذا أن بعضا منهم بقى على الشرك ولم يسلم، وكانوا يبلغون بضعة وثمانين، فلم يكرههم النبى- صلى الله عليه وسلم- على الإسلام، ولم يظهر لهم شيئا من العداوة، ولم يعتد عليهم فى أنفسهم وأموالهم، بل أبقاهم على ما كانوا عليه قبل الفتح، ولما سار من مكة إلى غزوة حنين أرادوا أن يسيروا معه، فأخذهم معه إليها، وأعطاهم من غنائمها مثلما أعطى المسلمين، بل ضاعف لبعضهم العطاء تأليفا لقلوبهم، فدخلوا فى الإسلام طائعين بعد أن رأوا منه هذا الكرم، وبعد أن رأوا من مكارمه ما لا تصح إلا لنبى.

آخر مثالين نتعرض لهما فى تناولنا للسيرة النبوية وحرية الرأى والتعبير مع الأقرب مودة، كما قال الله تعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون﴾

المائدة (٨٢)

مثالان حول النصارى:

أولا: قصة نصارى نجران

يكشف القرآن الكريم، عن الحرية التى حظى بها المسيحيون، ليس فى ممارسة شعائرهم الدينية فحسب، لكن أيضا فى مناقشة الرسول- صلى الله عليه وسلم- والحوار معه عن الفارق بين الدينين، يقول تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾

آل عمران (٦١)

وقصة هذه الآية أن أهل نجران، جاءوا بوفد مكون من أربعة عشر رجلًا فى بعض الروايات، بينما وصلت روايات أخرى بالوفد إلى ستين رجلًا، وكان أمير الوفد الذى يرجعون إلى رأيه رجلًا يُدْعى العاقب، وكان هناك رجلٌ آخر يتولى قيادة الرحلة، وتجهيز متطلباتها، وكانوا يلقبونه بـ«السيد»، وكان هناك رجل ثالث مسئول عن الأمور الدينية، وهو أسقف وحَبْر الرحلة، وكان اسمه «أبا الحارث»، فهؤلاء الثلاثة هم أهم ثلاثة فى الوفد، وهم الذين يتولون التفاوض.

وقد جاء الوفد فى هيئة منظمة، وفى صورة منمقة بشدة لدرجة المبالغة، حيث لبسوا الثياب الحريرية، وتحلوا بالخواتم الذهبية، وأَجّل الحديث معهم إلى اليوم التالى، حيث جاءوا يلبسون ثياب الرهبان، ومن ثَمَّ بدأ الكلام معهم.

لم يكن من همِّ الوفد ولا من نيته أن يُسلم أو يفكر فى الإسلام، وإنما أتى ليناظر الرسول من ناحية، وأتى ليبهره، ويبهر المسلمين من ناحية أخرى، ولذلك كان الحوار معهم على صورة تختلف كثيرًا عن الحوار مع الوفود الأخرى.

لقد عرض رسول الله عليهم الإسلام، ولكنهم رفضوا واستقبلهم الرسول فى حفاوة، وطال الجدال – بالتى هى أحسن – دون اتفاق، وعندما عرض عليهم المباهلة، أى اللجوء إلى الله والدعاء ليصب لعنته على الظالمين، أبوا موافقته، وعادوا إلى بلدهم ومعهم كتاب أمان احتفظوا به لسنوات طويلة.

ولقد علمنا النبى- صلى الله عليه وسلم- من خلال هذا الموقف أن الحوار لا يعني الوصول إلى اتفاق، والاختلاف فى الرأى – مع الرسول نفسه – لا يجب أن يتبعه إلحاق الأذى بالمعارضين أو المخالفين.

ثانيًا: غزوة تبوك

لقد وصل إلى علم الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن نصارى الروم يعدون العدة لمهاجمة المدينة؛ فأعد الرسول جيشا سمى بجيش «العسرة» لمواجهة جيش الروم.

وسار إليهم ليقابلهم فى نقطة بعيدة عن المدينة (كعادة الحروب القديمة)، ولكنه عندما بلغ «تبوك» وهى منطقة على حدود بلاد الروم فلم يجد ما يشير إلى كيد أو تجهيز لحرب من قبل نصارى الروم.

فمكث هنالك بضعة عشر يوما، يمد بصره وراء الصحراء حيث يقع الرومان، يرقب منهم أى حركة، فلما رأى القوم قابعين مستكينين، قرر أن يقفل عائدا إلى المدينة. ولو كان هدفه الاعتداء لهاجمهم فى ديارهم كما يفعل بعض مسلمى اليوم، لكنه لم يكن مأمورا بذلك على الإطلاق.

أظهرت الحلقات السابقة أن قضية حرية الرأى والتعبير، حقوق إنسانية ثابتة ومصانة، ومؤكد عليها من خلال القرآن الكريم وسنة الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم-.. التى اتبعها خلال ما قام به فى الدولة الوحيدة التى أقام دعائمها فى المدينة وحكمها بنفسه طيلة عشر سنوات، وقد تجلى لنا أن هذه الحرية هى حق لكل إنسان (مسلما كان أم غير مسلم)، طالما أنه لم يعتد على أحد وآثر أن يعيش فى سلم وأمن وسلام، وبقى لنا أن نستعرض تمسك الخلفاء الراشدين ممن جاءوا بعد النبى بهذه القاعدة، وبذلك التشريع الربانى، فهم رضوان الله عليهم، فى طليعة من جسدوا، بسلوكياتهم وممارساتهم، جوهر الفكر الإسلامى النقى فى كافة المجالات، ومن المنطقى أنهم أولوا لحرية الرأى والتعبير مكانة سامية تتمثل بجلاء ووضوح فى كثير من مواقفهم العملية المضيئة.

نتابع ذلك بالتفصيل فى الحلقة القادمة

 

المراجع

 

١- د. عبد المتعال الصعيدى: السياسة الإسلامية فى عصر النبوة

٢- د. أحمد صبحى منصور: حول العلاقة مع الآخر

٣- محمد الغزالى: فقه السيرة

٤- د. عبد المتعال الصعيدى: القضايا الكبرى فى الإسلام

"
هل توافق على منع مطربي المهرجانات من الغناء؟

هل توافق على منع مطربي المهرجانات من الغناء؟