رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

«المسيح» في سير الأدباء والشعراء.. أيقونة الإنسانية.. العقاد قدم صورة تحليلية عن حياته.. صلاح فضل: العندليب غنى ليسوع من أشعار الأبنودي

السبت 01/فبراير/2020 - 07:39 م
البوابة نيوز
ريم مختار
طباعة
عاش السيد المسيح ٣٣ عاما، ورغم قصر حياته إلا أنه أثار العالم بأجمعه بشخصيته من علماء وشعراء وأدباء ومثقفين.. أحبه الملوك والعظماء ذو الشأن الكبير، توافقوا واتفقوا جميعا أمام شخصية السيد المسيح العظيمة. وفى هذه الأيام تزامنا مع معرض الكتاب في دورته الـ٥١ ترصد «البوابة» ما كتبه ودونه الأدباء الشعراء عن حياته.

«المسيح» في سير الأدباء

*عباس محمود العقاد قدم صورة تحليلية عن حياة المسيح من خلال استعراض التاريخ 

ترك الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، إرثا وفيرا ممتلئا بأدبيات عظيمة لا تعوض، ذا قيمة أدبية لا يضاهيه أحد وامتلأت الأزقة في البلدان الغربية والمكتبات في مناحى الحياة بإبداعاته الفكرية بشتى أنواع الثقافة، فكان مغردا في سماء الكتابة، وهو ما نراه، إذ مدنا بنفيس الكلام والفكر عن حياة «السيد المسيح عليه السلام»، وناقش تاريخ ميلاده وكيف هو في التاريخ والحالة السياسية والاجتماعية في عصر الميلاد الذى عاصره، وأيضا الدينية والفكرية.
وراح يفسر ويشرح ويكتب عن الأناجيل ومدى إخلاص التلاميذ له، كما تساءل ماذا لو عاد المسيح؟، وعندما اختلف الكثير على السيد المسيح كتب ليثبت أنه لا خلاف عليه، فبداية كتابته شرح وفسر «العقاد»، صورة السيد المسيح بشكل أدبي، فجاءت شخصيته في البداية، حيث قال «فصيح اللسان»، سريع الخاطر، يجمع بين قوة العارضة وسرعة الاستشهاد بالحجج الكتابية التى يستند إليها في حديث الساعة كلما فوجئ باعتراض أو مكابرة، مفسرا فيما بعد قول المسيح بأن الوداعة عنوان السماء فلا يدخلها غير الوعاء، وتمثلت الوداعة في كثير من أقواله وأفعاله ومنها الرحمة بالخطائين والعاثرين، مستدركا بأن هذا الرسول الوديع الحكيم كان يعرف الغضب، حيث تضع الوداعة والرحمة وكانت شيمته في رسالته شيمة الرسل جميعا حين تعلو عندهم أواصر الروح على أواصر اللحم والدم، وتتقدم حقوق الهداية على حقوق الآباء والأمهات.
موضحا أنه كان مُرهبا في إنذاره وتوبيخه، رقيقا وجذابا في إرشاده وتعليمه، يداه وذراعاه غاية في اللطف والجمال تتوق إلى رؤيتهم، فارع الطول ونحيف، جاد في حديثه، ومتزن، هادئ وبسيط في لغته وسلوكه، جميل بين البشر، حيث إن السيد المسيح كان ذوقه الجمالى باديا في شعوره مثلما هو باد في تعبيره وتفكيره والتفاته الدائم إلى الأزهار والكروم والحدائق التى يكثر من التشبيه بها في أمثاله، عنوان، لما طبع عليه من ذوق الجمال والإعجاب بمحاسن الطبيعة، كان دائما العقاد يصف السيد المسيح أنه يأمر مريديه أن يقدموا على المخاطر في سبيل الحق والهداية، ولكنه كان يقيم لهم حدود المخاطرة، حيث يجب الإقدام على الموت وجوبا وكان ينصح مريديه: كونوا بسطاء كالحمائم وحكماء كالحيات، كما تناول الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية.
كان «العقاد» يلعب دورا بارزا ليس فقط في التفسير أو الشرح لحياة السيد المسيح، بل تصدى لقضية مهمة تتمثل في الشك في وجود المسيح، فقد ظهرت في القرن الثامن عشر الميلادى، مدرسة الشك المطلق في مقررات العلم القديم ووقائع التاريخ المتواتر وطغت نزعة الشك هذه على كثير من كتاب القرن التاسع عشر، وظهر الذين رجحوا أن السيد المسيح شخصية من شخصيات الخيال، ومن هنا تبدو ميزة العقاد في البحث والاستقصاء والتصويب، فيورد جميع ما رد به المؤرخون وعلماء اللاهوت على أولئك المتشككين مدعوما بالحجج الساطعة التى تنفى كل شك، مما جعله يبدو عليه الاندهاش والاستغراب وتعجبه لأمر المنكرين لوجود المسيحيين وانتشارهم في مختلف بقاع الأرض بعد جيل واحد من عصر الميلاد، وهل يعقل أن يكثر كثرة هائلة، وفى مدة قصيرة، الأتباع والمؤمنون برجل موهوم لا مكان له إلا في مسارح الخيال فإن أصدق الدلالات عند العقاد على ثبوت شخصية المسيح هى أن دعوته جاءت في الزمان والمكان اللذين كانا أوج ما يكونان فيه إلى من يعيد الحق إلى نصابه، ويرد الضالين عن التمادى في الانحدار.
وتمكن «العقاد» من تقديم صورة تحليلية تشريحية تصويبية عن حياة المسيح من خلال استعراض التاريخ وكشوف العصر الحديث، والتى كان أبرزها كشوف القمران والاستشهاد بأسانيد وحجج القرآن الكريم والكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.

 الدكتور صلاح فضل
الدكتور صلاح فضل

* صلاح فضل: العندليب غنى للمسيح من أشعار الأبنودي

قال الدكتور صلاح فضل، المفكر والناقد الأدبي: «يا كلمتى لفى ولفى الدنيا طولها وعرضها...وفتحى عيون البشر للى حصل على أرضها... على أرضها طبع المسيح قدمه... على أرضها نزف المسيح ألمه... في القدس في طريق الآلام.. وفى الخليل رنت تراتيل الكنائس...في الخلا صبح الوجود إنجيل... تفضل تضيع فيك الحقوق لأمتى يا طريق الآلام...و ينطفئ النور في الضمير وتنطفئ نجوم السلام» تلك الأبيات التى تكرر غناها العندليب الراحل عبدالحليم حافظ في قاعة ألبرت هول في مدينة لندن أمام أكثر من 8 آلاف متفرج بعد حرب 1967 وتبرع بأجره لصالح المجهود الحربي، وكتب كلماتها الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، ولحنها بليغ حمدى ووزع موسيقاها على إسماعيل، فأغنية المسيح من الأغانى النادرة والمميزة والتى خاطبت وجدان المسلمين والمسيحيين وتحدثت عن قيم التضحية والفداء، التى قام بها السيد المسيح، والقدس والخليل والبقاع المقدسة التى شدا بها العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ ليعبر بصوته عن قيم التضحية في سبيل الحق.
وأضاف «فضل» واللافت أن مؤلف الأغنية مسلم، وهو الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي، كما أن ملحنها مسلم وهو بليغ حمدى، وأيضا موزع الموسيقى على إسماعيل، موضحا أن الأبنودى حينذاك قال إن عيسى استمر يدعو الناس إلى الله ويضع لهم ما يمكن تسميته بدستور الروح، صعد إلى الجبل، ووقف حوله أتباعه، وأدار عيسى بصره فيمن آمن به كانوا مجموعة من الفقراء والتعساء والحزانى ومساكين الروح، فأنشأ يقول: طوبى للمساكين بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى للحزانى فإنهم يتعزون، طوبى للودعاء، فإنهم سيرثون الأرض. طوبى للجياع والعطاش إلى البر، فإنهم سيشبعون، طوبى للرحماء، فإنهم سيرحمون، طوبى لأنقياء القلب، فإنهم سيعاينون الله، طوبى للمضطهدين من أجل الحق، فإن لهم ملكوت السماوات،
وهذا لم يمنع المسيح من هدم ما كان سائدا في مجتمعه من شرك وخطيئة وكذب ونفاق ورياء وانعدام للحرية، فقال المسيح: أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح، فأى شيء يرده ملحا من جديد.
وقال الدكتور صلاح فضل، إن الملح هو الذى يمنح الأشياء طعمها المميز ومذاقها الخاص، وبغير الملح يبدو الطعام فاقدا لشيء يصعب تحديده وعالج الكاتب حياة المسيح بأسلوب درامى مميز من الميلاد وحتى الصعود، في الفصل الذى خصصه لحياة المسيح من كتابه أنبياء الله، فمضى عيسى في دعوته حتى أدرك الشر أن عرشه مهدد بالزوال فناوأه اليهود وآذوه وكانوا يتهمونه بالسحر وخرق الشريعة، فلما أعيتهم الحيلة، أخذوا يكيدون له، وعندما عجز اليهود عن حرب عيسى بدأ التفكير في قتله، وفى هذا الصدد وصف بهجت الخيانة متجسدة في يهوذا الإسخربويطى، والكفر متجسدا في رؤساء الكهنة والذين جلسوا على مائدة واحدة يتساومون على رأس المسيح.


«المسيح» في سير الأدباء
* جابر عصفور: الأكثر حضورًا في الأدب الإنساني

قال الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة الأسبق، إن الحياة الثقافية عبر العالم الكثير شهدت العديد من الروايات والأعمال السينمائية حول قصة السيد المسيح، وفى مصر كانت التجربة الأولى عربيًا في هذا الصدد عام 1938، حيث قدمت الشركة العربية للسينما فيلم حياة وآلام السيد المسيح من إخراج محمد عبدالجواد، فالسيد المسيح ليس نبيا فحسب فهو شخصية له حس إنساني، يميزه عبر العالم كله، فهو مش نبى فقط هو قيمة إنسانية تهم جميع الأطياف سواء أكانوا يهوديين أو أقباطا أو مسلمين، فهو من علم التسامح للبشر والإنسانية أيضا والتعامل مع الآخر بشكل إنساني، مما يؤكد الروح الإنسانية الجميلة التى حملها في قلبه، فهو إنسانى من الدرجة الأولي، ويكمن ذلك في أنه كان وراء أن يصبح المسيح الأكثر حضورا في الأدب الإنسانى أكثر من موسي، لأن اليهود الأكثر عنفا، ففى فيلم حياة وآلام السيد المسيح كل من اشتركوا فيه مسلمون، فقام بتأدية الأدوار الرئيسية في الفيلم: السيد المسيح أحمد علام، مريم العذراء، عزيزة حلمى، مريم المجدلية،الفنانة سميحة أيوب، فرونيكة، عفاف شاكر، السامرية، الفنانة فوزية إبراهيم، قيافة توقيق الدقن، الفريسى، سعد أردش، بالاشتراك مع إستيفان روستى في دور المولود الأعمى، وعبدالسلام محمد في دور المفلوج، الذى صنع معه المسيح المعجزة، رغم أن مشهده لم يتعد الدقيقة الواحدة، كل هؤلاء اشتركوا لكى يقدموا عملا عن السيد المسيح لأنهم رأوا إنسانيته قبل أى شيء، والذى قام بكتابه الحوار للفيلم الأب أنطون عبيد، بمراجعة من عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، وتم الطبع والتحميض بمعامل واستوديوهات الأهرام، وقد نال العرض الأول استحسان الكنيسة والأقباط، وحضره نخبة من كبار مثقفى وفنانى مصر، منهم: عباس محمود العقاد، والمُفكر خالد محمد خالد، وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، والفنانون أنور وجدى ونجيب الريحانى ويوسف وهبى وعلى الكسار، السيد المسيح حاضرا ولم يغب والكثير تناول حياته لأنه رمز للإنسانية.


«المسيح» في سير الأدباء
* شاكر عبدالحميد: أكثر شخصية دينية تحولت إلى رمز لدى الشعراء

قال الدكتور شاكر عبدالحميد، وزير الثقافة الأسبق، جاءت فكرة المسيح المخلص والذى ارتبط مجيؤه بالخلاص من الخطية والمنقذ من إضاءات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ثم التكريس لها على مستوى الأدبيات المتتابعة تاريخيا، بدءا من الميلاد الذى أصبح يتوازى مع ميلاد روح الإنسان المتأمل، ثم تلى ذلك مرحلة الرمز، والتى قد اتسعت وتجاوزت السور الدينى لتخوض في التركيبة الجينية للإنسان؛ بل تشكل نظرته الحالية والمستقبلية للحياة على أساس إن كان المسيح المعجزة في حياته وموته قد عانى بهذه الطريقة فكيف السبيل بمن لم ترتق روحه في الملكوت، ويرجع ذلك لأن السيد المسيح كان يتعامل مع المخطئين والخارجين عن الرحمة والمبتعدين عن الإنسانية، كان ينصت لهم تجده دوما يساعدهم في حل مشكلاتهم واقترابهم منه حتى لا يشعروا بأنهم منبوذون ومن هنا سمى بالمخلص.
وأضاف بطبيعة الحال، إن الشخصيات الدينية تعد حقلا خصبا للتحول إلى رموز، خاصة السيد المسيح الذى تحول إلى رمز الإنسانية، وذلك كونها اختزالا لتجربة عامة ورصدا لواقع نفسى في عصر ما، لكن دائما ما يتصدر المشهد الرمزى لهذه الشخصيات الدينية صورة المعاناة والألم ودلالاتهما، فكانت الآلام مصاحبة للسيد المسيح دوما، ومثلا فيحتل النبى أيوب الصورة الرمزية النموذجية عند العامة وفى الأدب الشعبي، بينما السيد المسيح يكاد يكون أكثر شخصية دينية تحولت إلى رمز لدى المثقفين والأدباء، وذلك من خلال التكريس لمعجزتى الميلاد والقيام، اللذين تحولا إلى أعياد نحتفل بها.
وأوضح «عبدالحميد» أن شخصية السيد المسيح تخللت الديوان الشعرى للعرب على طول تاريخه الفني، ومع مجيء المدرسة الجديدة في الشعر العربى مدرسة شعر التفعيلة أصبح للرمز دور في تشكيل الصورة الشعرية، واعتلت الحلبة رموزًا شعرية معبرة عن آلام الإنسان المعاصر، ويكاد يجمع رواد الشعر الحديث على رمزية السيد المسيح في تشكيل الشعر، فنجد بدر شاكر السياب «المسيح بعد الصلب»، صلاح عبدالصبور «عيد الميلاد»، وبعد ذلك محمود درويش «أغنية صلب المسيح».
وقد ظل للمسيح الرمز هذا الدور البنائى للصورة الشعرية في أجيال السبعينيات والثمانينيات، وفى القصيدة الحديثة المسماة بقصيدة النثر؛ حيث أصبحت رمزية السيد المسيح درعا واقيا من تهمة الفناء البشرى في هذا العالم الكبير، وكل هذا يفرض سؤالا: لماذا سيطر رمز المسيح في شعر رواد الحركة الجديدة؟، لأن شخصية السيد المسيح عليه السلام، نالت نصيبا كبيرا عند الشاعر، فقد كنى عنه بأكثر من كنية، فهو «ابن الإنسان» وتارة «ابن الرب» ولقبه بأكثر من لقب مثل «العريس» و«المعلم»، وما زالت تعاليمه بيننا إلى الآن ومحتفظا برموزه التى صنعها من نفسه ومن رعايته.
"
هل توافق على منع مطربي المهرجانات من الغناء؟

هل توافق على منع مطربي المهرجانات من الغناء؟