رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

المخرج مهدي برصاوي في حواره لـ«البوابة»: السينما التونسية تجاوزت مرحلة المطالبة بالديمقراطية

الأربعاء 27/نوفمبر/2019 - 03:51 ص
المخرج مهدى برصاوي
المخرج مهدى برصاوي
هيثم مفيد
طباعة
يُعد الفيلم التونسى «بيك نعيش» للمخرج مهدى برصاوي، الذى افتتح مسابقة أفاق السينما العربية ضمن فعاليات الدورة ٤١ لمهرجان القاهرة السينمائى الدولي، واحدا من أهم الأعمال السينمائية العربية التى تم طرحها خلال العام الجاري، نظرا لطبيعة القضايا والأسئلة المطروحة والتى تتماس في جوهرها مع الخاص والعام وما شهدته تونس من تغييرات عقب ثورة ٢٠١١.
الفيلم يرصد تحول رحلة فارس ومريم للجنوب التونسى إلى كارثة، عندما يتعرض ابنهما الوحيد عزيز لطلق نارى عشوائي، إصابته التى تستلزم زراعة كبد تقلب حياة الأسرة رأسًا على عقب، وتكشف عن سر قديم طال إخفاؤه يكاد يهدد علاقة الزوجين للأبد. الفيلم من بطولة نجلاء عبدالله وسامى بوعجيلة، الفائز بجائزة أفضل ممثل بمسابقة آفاق بمهرجان فنيسيا السينمائى الدولى هذا العام. «البوابة» التقت المخرج مهدى برصاوى وتحدثت معه عن أهم القضايا والمواضيع التى يطرحها الفيلم.
■ من أبرز الأسئلة التى يطرحها الفيلم من هو الأب؟ هل هو الأب البيولوجى أم هو الذى يتولى بالرعاية والحب والاهتمام؟ كيف استلهمت قصة الفيلم؟ وهل تأثرت بمسرحية «دائرة الطباشير القوقازية» لبرتولد بريخت؟
- في الحقيقة لم أستلهم فكرة الفيلم من مسرحية «دائرة الطباشير القوقازية»، بل جاءت من تجربة شخصية لأننى ترعرعت وسط عائلة مركبة وكان لى إخوة غير أشقاء لطالما اعتبرهم المجتمع أنصاف إخوة وليس بالمعنى المتعارف عليه. في صغرى لم أكن أعى معانى هذه الأشياء، لذا جال داخلى العديد من الأسئلة عن معنى الأخوة؟ والأساس الذى تقوم عليه العائلة؟ وكيف تدار مؤسسة الزواج في تونس خاصة في عام ٢٠١١، حيث دارت أحداث الفيلم، من هنا جاءت الفكرة الفيلم مدعومة بالأسئلة التى تولدت لدى منذ الصغر وأخذت تكبر معى شيئا فشيئا.
■ لماذا فضلت الإبقاء على البعدين السياسى والاجتماعي وما شهدته تونس خلال تلك الفترة خارج إطار الفيلم الرئيسي؟
- ليس من مسئوليتى رصد الوضع السياسى المتأزم في تونس، خلال تلك الفترة، التى أعقبت ثورة ٢٠١١، فأنا لست رجلا سياسيا أو مؤرخا، هذا بالإضافة إلى عدم امتلاكى الأدوات الفنية والتقنية اللازمة للحديث عن هذه المواضيع. لم أرغب في سرد القصة بشكل مباشر ومن جانب واحد، هذه قصة عائلة تحيطها العديد من المشكلات والأزمات وفضلت أن يظهر تردى الوضع الاجتماعي والسياسى والأمني في الخلفية فقط. رأيت من الأفضل أن أرصد كيف تطورت هذه العائلة، خاصة عقب الثورة، حيث شهدت البلاد العديد من التغيرات السيسيولوجية والسياسية التى بدأت تسير بالتوازى مع التطورات والتغييرات التى شهدها الزوجان.
■ الكثير من القضايا قمت بطرحها خلال أحداث الفيلم، فساد المنظومة الطبية والاتجار بالأعضاء، بالإضافة إلى المأساة الشخصية لأبطال الفيلم.. كيف تمكنت من جعل كل هذه الخطوط مترابطة وتصب في الإطار العام للفيلم أثناء العمل على السيناريو؟
- هذه كانت أصعب مرحلة أثناء تحضير الفيلم، فقد استغرقت كتابة السيناريو ٤ سنوات، فيما تمت عملية التصوير خلال ٣٦ يوما فقط، تمثلت معضلة السيناريو في كيفية الخروج من نطاق قصة بسيطة إلى إطار آخر أرحب يمتد ويتطور على مدى الفيلم، لقد تابعنا خلال الأزمة التى تمر بها هذه العائلة كيف تتفجر مشكلات وقضايا أخرى تتعلق بالمجتمع والوضع الصحى ثم انتقلنا إلى الوضع السياسى في تونس ومنه إلى الوضع الخارجى المتعلق بليبيا كمركز للاتجار بالبشر.
كان من الصعب جدا إيجاد توازن بين كل فصول الفيلم، في الحقيقة أنا لم اختر كل هذه المواضيع بل هى من اختارتني، الفيلم يحتوى على طبقات ومستويات عديدة استطعنا إخراجها شيئا فشيئا من إطار الخاص إلى العام.
■ برأيك من أين تنبع الأزمة الشخصية لبطل الفيلم؟ هل تتولد من الرغبة في الانتصار لقيم الإنسانية على حساب رابط الدم؟ أم معرفة مدى تغلغل الإرث الثقافى العربى داخله في ظل العيش والانتماء لثقافات غربية؟
- أنا مقتنع بأن بطلى الفيلم (الزوج والزوجة) مكملان لبعضهما البعض، فمكان المرأة في المجتمع التونسى قوى جدا، أحيانا يكون في الظاهر قوى لكنه في الواقع ضعيف، لذا حاولت دعم موقفها في الفيلم. بالطبع شخصية فارس ذات خلفية أوروبية أو كما أحب أن أقول متطورة، فضلت أن أجعله يراجع نفسه وتاريخه وعقليته في نفس الوقت، من هنا ورد إلى ذهنى سؤال يتعلق بمعنى الأبوة؟ هل هى علاقة بالدم أو اسم على بطاقة الهوية أم هى مجموعة من التضحيات التى يقدمها لصالح أبنائه؟ من السهل جدا أن يكون لديك أولاد ولكن من الصعب إدراك أن لديك أولاد، ليست هناك خلفية ما تتحكم في تصرفات فارس، ولكن بالنسبة له وللفيلم أن انتصار فكرة الحب هو انتصار للحياة في حد ذاتها. 
■ في أحد مشاهد الفيلم ظهرت مريم وهى شبه عارية أمام زوجها الذى يقوم بتبديل ملابسها الممزقة عقب الحادث الإرهابي.. حدثنا عن هذا المشهد وأهميته؟
- هذه من أفضل اللقطات التى أحببتها في الفيلم، لأنها تحمل العديد من المعاني، أولًا المعنى المباشر وهو أن شخصية مريم، والجمهور يعرفون الحقيقة، بينما شخصية فارس لا تزال تجهل الأمر. في المجمل المشهد عبارة عن عملية كشف حاولت اللعب خلالها على فكرة المباشر وغير المباشر.
■ إلى أى مدى لعبت الصورة من تصميم الديكور والمناظر الطبيعية دورا في التأكيد على الأفكار المراد إيصالها من وراء الفيلم؟
- أحب أن أتوجه بالتحية لمصممة الديكور، لأنها برعت في تصميم مبنى المستشفى بكل أقسامه بشكل منظم واحترافى جعل كل شيء يبدو في مكانه الصحيح. من نظرة تصويرية فضلت البعد عن الصورة النمطية والتقليدية للجنوب التونسي، الذى يعد من أروع وأجمل الأماكن السياحية الموجودة على الإطلاق، من الممكن أن نرى الجنوب كمكان ساحر وقد نراه على أنه محيط سيئ. ما كان يعنينى بشدة ليس المناظر الجيدة التى ترغب في رؤيتها بل الغوص في أعماق المكان، وكيف تحول هذا الإطار إلى كابوس مزعج. 
الصحراء التى تم تصويرها خلال الفيلم لم تكن صحراء رملية فقط، بل أيضا صحراء عاطفية لشخصية فارس الذى خسر إنسانيته، حين قرر أن يدفع المال مقابل إنقاذ حياة ابنه على حساب آخر بريء.
■ تطورت السينما التونسية بشكل ملحوظ عقب ثورة ٢٠١١ وأصبح اسمها يتردد كثيرا في المحافل السينمائية العريقة.. برأيك كيف حدث هذا التحول؟ وما رؤيتك لمستقبل السينما المحلية؟
- متفائل جدا بمستقبل السينما التونسية، فقبل ثورة ٢٠١١ كانت السينما نضالية ويغلب عليها طابع المباشرة، والسبب في ذلك يعود إلى أن صناع السينما وقتها كانوا يعيشون تحت دكتاتورية بن على، أما عقب الإطاحة به فالوضع تغير بشكل كبير، فأصبحت السينما تحكى وترصد الوضع التونسى، وأصبحت أكثر اهتماما بواقع المجتمع وقصصه الشخصية، لذا عاد الجمهور للسينما بكثافة لاكتشاف مواضيع قريبة للواقع التونسى لم يكن يعلم عنها شيئا في السابق. كان علينا كصناع سينما تخطى مرحلة المطالبة بالديموقراطية إلى الحديث عن مشكلات الإنسان.
بالفعل حققت السينما التونسية نجاحات ضخمة في مهرجانات سينمائية عالمية ككان وبرلين وفنيسيا، كان آخرها فوز سامى بوعجيلة بجائزة أفضل ممثل بمسابقة آفاق بمهرجان فنيسيا السينمائي، الذى أسعدنى وأشعرنى بالفخر، وقد تلقينا تحية لأكثر من ١٠ دقائق عقب العرض الخاص، لم أكن أتوقع هذه الحفاوة البالغة من الجمهور ولجنة التحكيم. بالطبع سيتم ترشيح الفيلم للقائمة الطويلة لجوائز الأوسكار العام المقبل، وكل التمنيات بالتوفيق لفيلم «ولدي» المرشح للقائمة الطويلة هذا العام.
"
هل نجحت حكومة "مدبولي" في تلبية احتياجات المصريين؟

هل نجحت حكومة "مدبولي" في تلبية احتياجات المصريين؟