رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

مصطفى بيومي يكتب: 150 شخصية روائية مصرية "10" صالح مرسي.. "مراد رمضان مدبولي"

الجمعة 22/نوفمبر/2019 - 11:02 م
البوابة نيوز
طباعة
على مر الزمان والأجيال، سطر التاريخ بحروفٍ من نور أسماء روائيين ومبدعين، أضاءوا حياتنا وعمرنا وقيمنا.. الكاتب المبدع مصطفى بيومى بدأ مشروعًا طموحًا للكتابة عن هؤلاء العظماء، وأنجز منه ثلاثين فصلًا.. يتضمن كل فصل تحليلًا لشخصية روائية واحدة من إبداع كتيبة الروائيين المصريين، من طه حسين ومحمد حسين هيكل وعبدالقادر المازنى إلى جيل الشباب الموهوب المتوهج، مرورا بعشرات الكتاب الجديرين بالاهتمام والدراسة.

مصطفى بيومي يكتب:
عبر هذه القراءات، يقترب مصطفى بيومى من الحياة المصرية فى مناحيها المختلفة، انطلاقًا من تساؤله المشروع: «وهل مثل الرواية فى قدرتها على تقديم الشهادة الشاملة التى يمكن من خلالها التطلع إلى المستقبل الأفضل الذى ننشده؟». 
«البوابة نيوز» تحتفى بكاتبنا الكبير وتنشر صباح يومى الثلاثاء والسبت من كل أسبوع، فصلا من الدراسة القيمة، لتكون شاهدًا على عصور زاخرة فى عمق الأدب المصرى وقوته الناعمة.


صالح مرسي.. "مراد رمضان مدبولي"
فى السادس عشر من فبراير عام ١٩٧٧، تجتمع أسرة الموظف المتقاعد رمضان مدبولى، بكامل هيئتها لأول مرة منذ عشر سنوات. 
الأم بهية هانم، حسين كبير مهندسى مصنع المسبوكات الخفيفة وزوجه سميرة شهدي، الطبيبة سعاد مع زوجها الطبيب أسامة، محسنة الباحثة بالمركز القومى للبحوث. الابن الأصغر مراد الطالب بالسنة الثالثة فى كلية الآداب، قسم الفلسفة، هو صاحب القضية التى يجتمع من أجلها الشمل، أما الابن الأكبر محسن فإن حضوره المباغت مفاجأة غير متوقعة، ذلك أنه يهاجر إلى إيطاليا ومنها إلى كندا قبل عشر سنوات، وتنقطع أخباره تماما كأنه الميت الذى لن يعود، وإذا بساعى البريد يدق باب الشقة لتسليم تلغراف مكتوب بالإنجليزية، ترجمته «أصل يوم ١٦»، والتوقيع «محسن».
لم يكن محسن قبل سفره إلا نموذجًا منفرًا للفشل والانحلال والانفلات، يدخن ويشرب الخمر ويصادق إخوان السوء ويبتز أمه للحصول على النقود ولا يفلح فى التعليم، لكن العائد بعد غيبة طويلة يبدو شخصا آخر لا صلة له بالماضي، وينم مظهره الأنيق اللامع عن النجاح والتحقق. ثراؤه لا يخفى، والمشروع السياحى الذى يعتزم تنفيذه فى مصر علامة دالة على مكانته الجديدة المرموقة. على الرغم من أهمية محسن والدور الكبير الذى يقوم به فى صناعة الأحداث بعد العودة، فإن أصغر الإخوة مراد هو الشخصية المحورية الفاعلة المؤثرة ذات الحضور الطاغى والخصوصية الجديرة بالاهتمام، وهو من يقدم المفاتيح الرئيسية لفهم واستيعاب التحولات الجذرية فى مسيرة الأسرة والوطن معًا.
تجتمع أسرة رمضان مدبولى لمناقشة الكارثة التى يوشك مراد على التورط فيها؛ التوقف عن استكمال الدراسة الجامعية ليعمل ميكانيكى سيارات. يختلف المجتمعون حول دوافع قراره الصادم: أزمة عاطفية تطيح باتزانه وتوازنه النفسي؟ تطلع إلى المال بعد هيمنة القيم المادية على المجتمع؟ أم أن الأمر كله ليس إلا تعبيرًا عن الاستهتار واللامبالاة؟
يقدم مراد رؤية مختلفة لقراره، ويقترن ميلاد الفكرة عنده بزيارة لورشة صديقه فهمي؛ لأنه من المولعين بقيادة السيارات والاطلاع على خباياها، تُتاح له الفرصة لممارسة هوايته بشكل عملي، ويحقق نجاحا يؤكد موهبته: «جت عربية الصنايعية ما عرفوش يصلحوها، قمت أنا وصلحتها، الرجل دفع ٣ جنيه، فهمى ادانى منهم جنيه، وقال لى إن ده حقي.. حسبت الحسبة فى دماغي.. إذا كنت أنا كسبت فى عشر دقايق جنيه كامل، يبقى لو وقفت فى الورشة طول النهار حاكسب كام؟! بأقول للواد فهمى الحكاية دي، قال لى امسك الورشة وخد خمسين فى الميه.. أصل أبوه غنى وهو عنده شغل كتير.. لو حسبناها بالقلم الرصاص والورق، حانلاقى إن مكسبى فى اليوم مش حايقل عن خمسة جنيه، ده لو ما اشتغلناش، يعنى فى الشهر ١٥٠ جنيها، بابا اتحال على المعاش بعد ٤٢ سنة خدمة، وماهيته ميت جنيه إلا تلاته صاغ وأربعة مليم».
مراد لا يحب دراسة الفلسفة ولم يخترها، ومكتب التنسيق يجبره على ما لا يحب، وعشقه لميكانيكا السيارات أصيل سابق للموقف الذى يزرع فكرة الاحتراف فى أعماقه وينميها. أى خطأ يستدعى إدانة الأسرة وشعورها بالفضيحة والعار؟ العمل الذى يفكر الشاب فى امتهانه شريف محترم مفيد، دون نظر إلى الأحكام الاجتماعية التقليدية سابقة التجهيز، وفضلا عن ذلك؛ فإن العوائد المالية مجزية، وتتيح لمراد أن يبدأ حياته العملية متفوقا على أبيه عند نهاية خدمته الحكومية. ما الذى يشين ويسيء فى سلوك كهذا؟ المعارضون الرافضون من أفراد الأسرة يعرفون أنه على حق: «كان منطق مراد مستفزا، وكان أكثر ما استفز الجميع فيه أنه منطقي».
لا تتكئ المعارضة على حيثيات ذات شأن، ومن ذلك ما تقوله سميرة زوجة أخيه حسين: «أقول إيه لبابا.. أقول له إن أخو جوزى اشتغل ميكانيكي؟».
ولا تختلف السخرية اللاذعة الخالية من المضمون عند شقيقته سعاد: «تفتكر فيه واحدة بنت ناس حا ترضى تتجوزك؟.. روح اتجوز شغالة بقى علشان تكمل!».
الإدانة التهكمية غير مبررة، وليست إلا ترجمة ركيكة للتشبع بمفاهيم اجتماعية تنتمى إلى زمن قديم يتجاوزه الواقع. الشهادة الجامعية حلية لم تعد تعنى شيئا، والشاب المتمرد يعتزم استكمال دراسته ليكون من أصحاب المؤهلات التى تحظى بالاحترام الشكلي. كل ما يُقال لا يصمد للمناقشة الموضوعية الجادة، والمثير للدهشة هو الموقف الذى يتخذه محسن العائد لتوه من كندا، فهو يغرى أخاه بعقد عمل فى الخارج، ويعترف فى مفارقة لافتة إلى أنه يبدأ رحلة نجاحه من الصفر:
«- بدأت من الصفر يا مراد.. اشتغلت جرسون ومرمطون وخدام!
هتف مراد مبهورًا:
- يعنى تشتغل خدام فى بلاد بره يا آبيه، وتبقى مش عيب.. ولو اشتغلت هنا ميكانيكى تبقى عيب!».
رد منطقى حاسم لا يمكن تفنيده أو الطعن فى مصداقيته، فلا شك أن مهنة الميكانيكى أرقى وأولى بالاحترام من الأعمال المتواضعة التى يبدأ بها محسن رحلة كفاحه. المشكلة الحقيقية تكمن فى منظومة القيم الاجتماعية السائدة، وما تكتسبه من نفوذ يقفز بها إلى ما يشبه القداسة. فى مناخ كهذا، لا متسع للمنطق وإعمال العقل.
لا تقتصر المعارضة الشرسة التى يواجهها مراد على أفراد أسرته، ذلك أن حبيبته ثريا ترفض قراره بإصرار وعناد لا يلين، ولا تتخيل أن تكون يومًا زوجة ميكانيكي:
- أنت اتجننت!
- ليه يا ثريا؟
- أنت عاوز تشتغل ميكانيكي؟
- وليه لا؟
- وعاوزنى أتجوز ميكانيكي؟
توقف مراد عن الحديث، وابتسم وقال فى صوت هادئ:
- يعنى أنا لو كنت ميكانيكى ما كنتيش حبيتينى يا ثريا؟
- أنت حا تعمل لى زى الأفلام العربي؟».
تنتمى ثريا إلى معسكر الأغلبية الساحقة التى ترى أن الواقع ومعطياته الموروثة يختلف جذريًا عن الأحلام والشعارات، والدلالة المهمة هنا تتمثل فى حقيقة ينبغى الالتفات إليها والانتباه إلى ما تنم عنه، وهى أن التقييم الاجتماعى للعمل لا يقترن بالعائد المادى وحده. قد تفوق أرباح الميكانيكى ما يكسبه الطبيب والمهندس والموظف، لكن مكانة أصحاب المهن الأقل دخلا تتفوق على ممتهنى الأعمال الشريفة مثل إصلاح السيارات.
ليس صحيحًا أن ثريا تتخلى عن مراد لأنه يحترف المهنة التى لا تروقها، فهى تُخطب وتتهيأ للزواج قبل قرارها هذا، وخداعها يصيبه بصدمة مروعة تقف به على حافة الموت من فرط السكر. ما يوجعه، كما يقول لشقيقته محسنة: «إنها كذبت عليّ.. خدعتني».
يتماسك مراد ويتعافى مفيقًا من الأزمة التى لا يُستهان بها، ويبرهن عمله الجاد فى الورشة على براعته الإدارية التى لا تقل عن مهارته المهنية. مخلص أمين يرفض المغالاة فى أتعاب الإصلاح، ويأبى استغلال جهل الزبائن للتلاعب بهم. بفضل أسلوبه المختلف عن السائد فى الورش الأخرى، تتصاعد الأرباح ويشتد الزحام فيزدهر العمل، لكن منهجه هذا المسرف فى المثالية والالتزام يفضى إلى الاختلاف مع كبير العمال الأسطى إمام، فضلا عن الصدام والعداء مع أصحاب الورش المنافسة الذين يتراجع الإقبال عليهم ويتدهور حجم نشاطهم. لا يطول الوقت للتقارب مع إمام وحلول الصفاء بينهما، ويبقى التوتر مع أبناء المهنة خطرًا ينذر بعواقب وخيمة.
من خلال عمله فى الورشة، تولد قصة الحب الثانية فى حياة مراد مع الصحفية سهام عمر. إصلاح سيارتها بداية التعارف، واطلاعها على أصوله الاجتماعية ودراسته الجامعية تدفعها إلى الشروع فى كتابة موضوع صحفى عن الظاهرة غير التقليدية التى يمثلها. لا يستطيع صالح مرسى أن ينجو من خلل لافت عند ظهور سهام على مسرح الأحداث، فهى مشهورة كما يقول عنها العمال، لكنها «تكبره بثلاثة أشهر»! كيف لها أن تتخرج فى الجامعة وتعمل فى الصحافة وتحقق الشهرة فى عمرها هذا؟ يتيمة الأب تعيش مع أمها فى بيت متواضع، فمن أين لها القدرة على شراء سيارة تمثل فى المرحلة التاريخية علامة التفوق الطبقي؟
بعيدًا عن الخلل الفنى فى تشكيل شخصية سهام، تتطور قصة حبها مع مراد، ثم تتعثر وتصل إلى محطة الفراق. العلة كامنة فى العمل الذى لا ترحب به تقاليد المجتمع والثقافة التقليدية السائدة. تعرف كل شيء منذ البدء، ولا تقوى على الاستمرار: «أنا آسفة قوى يا مراد.. بس احنا لازم نواجه الواقع».
على الرغم من تحرر سهام وقوتها وانتصارها للرؤى التى تعلى من شأن تجاوز التقاليد البالية، فإنها تجد صعوبة فى إنكار الواقع وما يفرضه. فى الوقت نفسه، تتصاعد كراهية أصحاب الورش المهددة أرزاقهم لمراد، وصولا إلى الاعتداء الوحشى عليه ونقله إلى المستشفى بين الحياة والموت. ينجو ويتجاوز الخطر، والمكسب الأهم فى المحنة القاسية هو عودة سهام التى تلازمه فى أزمته، وترتفع راية الحب من جديد.
مصطفى بيومي يكتب:
- أنا طلبت إيدك من عمى رمضان.. ووافق!
عاد مراد إلى الضحك قائلًا:
- من غير ما تاخدى رأى العريس؟».
عبر شخصية مراد رمضان، يقدم صالح مرسى شهادة مهمة عن جانب من التحولات الاجتماعية التى يمر بها المجتمع المصرى قرب نهاية سبعينيات القرن العشرين؛ حيث اقتراب بعض الأساطير والخرافات الاجتماعية من الانهيار والتلاشي، وبداية ذبول وسقوط دولة الموظفين التى لم تعد تمثل النموذج والمثل الأعلى عند قطاع من الشباب المسلح بمفاهيم مغايرة، لكن الجوانب السلبية هى الأكثر انتشارا بعيدًا عن الحالة الاستثنائية التى يمثلها مراد.
عندما يهاجر محسن إلى إيطاليا قبل عشر سنوات، لم تكن كلمة الهجرة شائعة معروفة، وكان التمسك بالبقاء فى الوطن سمة سائدة لا تتمرد عليها إلا أقلية محدودة. مع عودة الابن الغائب، يبدو التحول لافتًا صادمًا. مراد وحده من يرفض تكرار تجربة أخيه، ويتشبث بالبقاء فى مصر قائلا: «أصل أنا بأحب البلد دي».
فى المقابل، تندفع الأغلبية إلى مراودة حلم السفر والهجرة، متخلصين بلا ندم أو تردد من فكرة الانتماء التى لم تعد تمثل قيمة ذات شأن. عدد غير قليل من هؤلاء لا يكابدون الفقر ولا يمكن تصنيفهم فى دائرة المحرومين، لكن الطموح النهم لاقتناء الكماليات والسلع الترفيه يحيلهم إلى فقراء يهرولون لاهثين وراء الثراء الفاحش غير المحدود.
يتحفظ المهندس حسين على حماس زوجه المفرط للهجرة، ويتساءل:
«- ونسيب مصر يا سميرة؟».
فترد على الفور كأن الإجابة تسكنها:
- واحنا كنا أخدنا منها إيه؟».
المنطق الذى يحكمها، مثل الكثيرين غيرها، واضح غليظ لا ذرة فيه من الانتماء والمشاعر العاطفية الآخذة فى الانقراض: «وليه ما نهاجرش زى بقية الخلق ما بتهاجر.. عمرك سمعت على واحد عليه القيمة وبيفهم هاجر ورجع تاني؟!».
ما تقوله سميرة ليس استثنائيًا، ولا ينبع من الفقر التقليدى الذى لا تعرفه. الطبيبة سعاد بدورها تصر على السفر إلى الكويت ولا تبالى بالطلاق فى سبيل المال الذى تتطلع إليه، وحسين نفسه يهاجر إلى كندا بعد فترة من القلق والتوتر والتردد، بل إن محسنة التى تتشبث بالبقاء تتخلى عن ثوابتها الفكرية وتسافر فى بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
لا أحد يبقى إلا مضطرًا مرغمًا، ويهاجر هؤلاء الباقون فى الداخل، مثل الأب رمضان الذى يهاجر عبر إدمان مشاهدة المسلسلات التليفزيونية والمواظبة على حل الكلمات المتقاطعة. وحده مراد من يحقق المعادلة العسيرة التى لا يصل إليها غيره، ووحده من يحقق التوازن المنشود متمسكًا بالبقاء والعمل فى الساحة التى يحبها ويجد فيها المعنى المشبع.
يغادر المستشفى ويعود إلى الورشة مسلحًا بالإرادة والقوة، ويستعيد قصة الحب مع سهام ويتزوجان فى بساطة لا تبالى بالتقاليد والطقوس الشكلية. لا تخفى فرحة الأب والأم بزواج الابن الوحيد الباقي، لكن الحزن يطل من عيونهما. يهمس مراد فى أذن أبيه:
«- ما لك يا بابا؟
- حايكون مالى يعني.. إخواتك كلهم هاجروا.
هتف مراد:
- ولا يهمك.. بكره أجيب لك دستة عيال تملا عليك البيت.
وضحكت الأم من أعماقها.. وقال الأب مكابرًا:
- طب وبعدين؟
قال مراد:
- ويكبروا ويتعلموا.. ويبقوا مهندسين ودكاترة.
فى مرارة قال الأب:
- ويهاجروا!».
ما الذى يبقى للوطن عندما يتعلم أبناؤه ويهاجرون إلا المرارة؟ إنه الوباء الذى يزلزل البناء ويهدد المستقبل الذى يبدو ضبابيًا غائمًا. مراد، الفرد والفكرة والانتماء الأصيل، فى مواجهة طوفان المهاجرين والحالمين بالهجرة، الغارقين فى ذواتهم والمسكونين بتطلعات استهلاكية لم تكن من قبل ذات أهمية وشأن، وتلك هى المأساة التى لا تتوقف توابعها الكارثية.
ads
"
ما هو أفضل فيلم في موسم نصف العام؟

ما هو أفضل فيلم في موسم نصف العام؟