رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
ads
ads
عمرو عبدالراضي
عمرو عبدالراضي

الطالب الأفريقي بمنتدى شباب العالم والمُتنمِّرون في السجن

الأربعاء 20/نوفمبر/2019 - 07:38 م
طباعة
أسعدتني كثيرًا الخطوة التي اتخذتها إدارة منتدى شباب العالم بتوجيه الدعوة للطالب السوداني صاحب واقعة التنمُّر الشهيرة، للمشاركة في منتدى شباب العالم، المقرر إقامته بمدينة شرم الشيخ منتصف الشهر المقبل، وسعدت أكثر بالرسالة التي وجَّهها والد الطالب جون للرئيس السيسي تعليقًا على الدعوة، وتحديدًا حينما قال بلهجة عامية: "إن الرئيس السيسي دايمًا بيقف جنبنا في أي حاجة ممكن تضرنا". 
وبالفعل جاء التحرك سريعًا ومُرْضيًا للجميع هذه المرة، وذلك لأن دعوة الشاب الأفريقي جاءت بعد يوم واحدٍ من نجاح قوات الأمن في القبض على مرتكبي واقعة التنمر ضده، والتحقيق معهم بناءً علي الفيديو المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي.
وإن كان هذا هو الجانب الإيجابي في القصة إلا أنه بكل أسف يعالج عَرَضًا وليس مرضًا، هناك العديد من وقائع التنمُّر التي تحدث يوميًّا في الشوارع والمدارس وأماكن العمل وحتى البيوت، دون أن يعلم عنها أحد شيئًا، أو تُوثِّقها مقاطع فيديو أو صور ، فالتنمُّر كما يُعرِّفه بعض علماء النفس والاجتماع هو نوع من أنواع العدوانية النفسية، تكون ناتجة في بعض الحالات عن التعرض للعنف في الطفولة ينتج عنه غضب داخلي بحيث لا يجد منفذًا إلا في التنمر على الآخرين ، وان كان هذا التعريف دقيقًا أو أقرب إلى الدقة فإنه يشير بأصابع الاتهام إلى البيئة المحيطة بالفرد الذي يمارس هذا السلوك سواء كان طفلًا أو مراهقًا أو ناضجًا.
وأحد أهم أركان هذه البيئة بكل تأكيد هي الأسرة المصرية التي نشأ فيها هذا الفرد، باعتبارها النواة الأولى التي يتلقى من خلالها الطفل تعليمه وخبراته الحياتية قبل الذهاب إلى المدرسة ومشاهدة أفلام السينما والقنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائط التي تؤثر في تكوينه وشخصيته.
والحق أقول: إن العديد من الأُسر المصرية لسبب أو لآخر أصبحت تعاني من التقصير والإهمال في حق أبنائها خلال السنوات الأخيرة، ربما يُرجِع البعض ذلك للظروف المعيشية الصعبة والجري وراء لُقمة العيش، وأعباء الحياة التي زادت تبعاتها على الجميع، إلى الحد الذي جعل الآباء والأمهات يتغافلون عن مراقبة تصرفات أبنائهم، ويتحدث آخرون عن حالات العنف الأسري والتطاحن بين الزوجين التي يشاهدها الأبناء مرارا وتكرارا ، وتخلق منهم أشخاصا غير أسوياء. 
كل ذلك وإن كان صحيحًا إلا أنه ليس السبب الرئيسي وراء حالة الانحطاط السلوكي التي أصابت قطاعات واسعة من المجتمع، فهناك عوامل أخرى لا يمكن تغافلها سبَّبت حالة العنف المجتمعي السائدة منذ فترة طويلة في حياتنا اليومية، وانطبعت في الصورة الذهنية لدينا جميعًا، فسائق الميكروباص يجب أن يكون بلطجيًّا عابثًا في وجه زبائنه وزملائه السائقين، يتحدث بفمه مُخرجًا بعض الأصوات من أنفه، والمدرس لم يعد مُعلِّمًا للأجيال كما كان يُطلَق عليه في الماضي، بل أصبح مُعلِّمًا لمن يدفع أكثر في الدروس الخصوصية، نفس الحال بالنسبة للموظف الحكومي الذي أصبح شعاره الأوحد "ادفع علشان تعدي".. الأمثلة كثيرة ولا يُستثنى منها أحد، لكن هناك أسباب أخرى أكثر خطورة ودمارًا مما سبق، وهي ما يُعرف بالثقافة الجماهيرية، وهي مجمل التأثير والتوجيه الفكري والإعلامي الذي تمارسه وسائل الإعلام من صحافة وتلفزيون وإذاعة وسينما على الرأي العام، وهو بكل أسف تأثير شابَهُ الكثير من القصور والإهمال والمنفعة والتخاذل، فالبعض بكل أسف تعلم التنمُّر من مشاهدة بعض الأفلام والمسلسلات والمواظبة على متابعتها؛ مما تسبب في تلاشي مشاعرهم نحو الآخرين، فلا يُعقل في مجتمع سويّ يحترم أفراده أن يشاهد مراهقوه واطفاله مشهدًا لممثل شاب حقق شهرة زائفة في مسلسل شهير يجبر فيه شخصا على ارتداء قميص نوم وتصويره أمام الجميع في مشهد وقح شاهده ملايين الأطفال في مصر.
هناك عامل رئيسي آخر عبَّر عنه المفكر الكبير الدكتور ميلاد حنا في كتابه (قبول الآخر)، وهو عدم انتشار ثقافة الاختلاف وتقبُّل الآخر واحترام خصوصيته، فهذه الفضيلة غابت عن مجتمعنا بفعل فاعلٍ منذ سبعينيات القرن الماضي، بعدما نجحت بعض القوى الظلامية في نشر الأفكار الرجعية المتخلفة التي تكره الآخر بل وتُكفِّره وتبيح قتله واستعباده. 
إذن الأسباب كثيرة وراء انتشار ظاهرة "التنمُّر" في مصر كما عددها المتخصصون، لكن أول خطوة لعلاج هذه المشكلة تتلخص في الاعتراف بوجودها واتساع نطاقها بشكل يهدد سلامة المجتمع، ثم تأتي مرحلة التشخيص للوقوف على حجم هذه الظاهرة في مدارسنا، وتحديد المستويات الدراسية التي تنتشر فيها أكثر من غيرها، ومعرفة الأسباب التي تؤدي إلى انتشارها، عندئذٍ يمكننا أن نعمل على إيجاد حلول لها على أن تتوافر الإرادة اللازمة لفعل ذلك.
"
هل نجحت حكومة "مدبولي" في تلبية احتياجات المصريين؟

هل نجحت حكومة "مدبولي" في تلبية احتياجات المصريين؟