رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
اغلاق | Close

سامح قاسم يكتب.. وصايا أصحاب "نوبل".. كاميلو خوسيه ثيلا 5

الثلاثاء 29/أكتوبر/2019 - 08:22 م
البوابة نيوز
طباعة

لا أعلم على نحو صحيح عند أى لحظة يعبر المرء العتبة إلى الشيخوخة

اللغة الإسبانية هبة من الإله.. والإنسان الذى ينشد العزلة يكون على جانب كبير من القدسية والطبيعة البهيمية

الفكرة على أى حال تقوم على عوالم السخف جنبًا إلى جنب مع إمبراطورية المنطق

الحقيقة والفكرة والحرية والحكاية مترابطة بعلاقة مركبة

 

منذ بدء منحها للمرة الأولى في عام 1901، بلغ عدد الفائزين بجوائز نوبل للآداب 113 كاتبًا وكاتبة، ومنذ إعلانها وهى تحمل الكثير من التناقضات، بدأت من مؤسسها ألفريد نوبل، الذى ارتبط اسمه وثروته بالمتفجرات والاختراعات المرتبطة بفن الحرب. ومرورا ببرتراند راسل ووينستون تشرشل اللذين حصلا على الجائزة، الأول في عام 1950 والثانى في عام 1953، وإن كانت شهرتهما الأوسع تعود إلى مساهمتهما خارج نطاق الأدب.

فالأول فيلسوف كبير وله إسهاماته المتعددة والجديرة بالتقدير، لكنها لا تنتمى إلى صنف الأدب محل اهتمام الجائزة، والثانى كما هو معروف رئيس وزراء بريطانيا في خمسينيات القرن الماضي، لكنه حصل على الجائزة على خطاباته السياسية، وهى الأخرى تخرج عن نطاق الجائزة. وحدث أن منعت السلطات السوفيتية بوريس باسترناك من تسلم الجائزة في عام 1958.

كما رفض تولستوى كل الترشيحات التى أتت بعد عام ١٩٠١، حينما تجاوزته اللجنة في الترشح لها في ذلك العام، وكذلك برناردشو الذى اعتذر أيضا عن قبول الجائزة لأنها تأخرت عن موعدها.

لم يكن تولستوى وحده الذى تجاوزته اللجنة ولم ترشحه لنيلها، بل كان هناك أيضا إميل زولا، وهنرى جيمس، وفيرجينيا وولف، وهنرك إبسن، ودبليو إتش أودين، وجراهام جرين، وفلاديمير نابوكوف، وإيتالو كالفينو، وآرثر ميلر، وبول فاليري، وآنا أخماتوفا، وفيليب روث، وآخرون، ودائما ما كانت اللجنة تؤكد في كل مرة أن للخيارات ما يبررها.

تناقض آخر تمثل في منح الجائزة لجونتر جراس في عام ١٩٩٩؛ حيث ألقى محاضرة - وهو الذى أمضى حياته المهنية ممثلا لضمير أمته- عند تسلمه الجائزة أثارت جدلا وجلبة عظيمة ونقاشا واسعا؛ حيث كشف فيها عن أنه أمضى خدمته العسكرية في الشهور القليلة قبل نهاية الحرب العالمية الثانية في قوات العاصفة (النازية).

وفى تقليد يتبع منذ أن تم الإعلان عن الجائزة يحدث أن يلقى الفائز كلمة أو خطابا يحمل نكهة كتاباته وفكره، وعمقا أخلاقيا يبرز نزاهة فكرية وإنسانية.

ومع اقتراب موعد إعلان جوائز نوبل، والذى يكون في أكتوبر من كل عام، ويتسلمها الفائزون بها في شهر ديسمبر ننشر خطابات عدد من الكتاب الذين حصلوا عليها، تلك الخطابات التى نقلها للعربية عبدالإله الملاح تحت عنوان، وكما يقول عبد الإله الملاح مترجم الكتاب: ولئن كانت محاضرات نوبل للآداب مهرجانا من المخيلة الشعرية وفن اللغة؛ فإن السياسى يلازم الانشغال بالجمالى خطوة بخطوة.

والكتاب على درجة كبيرة من الأهمية، نظرا لما يحتويه من خطابات لأبرز الشخصيات الأدبية العالمية، وما لهذه الخطابات من قدرة غير عادية على توصيف معاناة العالم وعذابات البشرية التى تتمثل في الحروب العسكرية والاقتصادية وأحلام الدول الكبرى في الهيمنة والسطو على الثروات والثقافات وانتشار الفقر والمجاعات والضحايا.

إن هذه الخطابات لم تأت أبدا لتكون مجرد كلمة في طقس احتفالى يشهده العالم بمناسبة حصول كاتب من هنا أو هناك على أرفع جائزة أدبية على وجه الأرض، ولكن هى مختصر مفيد لكل ما ينشده الكتاب والأدباء في رواياتهم وقصصهم وأشعارهم، وهى بمثابة ناقوس أو صرخة أو نداء بضرورة النظر إلى هذه العذابات، والعمل على تخليص البشر منها لينعم الإنسان بحياة في عالم خال من المآسي.

وفى الحلقة الأولى نشرنا خطاب الكاتب الكبير الراحل نجيب محفوظ، الذى كتبه بمناسبة حصوله على الجائزة، وفى الحلقة الثانية كان خطاب الكاتبة نادين جورديمير، وفى الحلقة الثالثة نشرنا خطاب الكاتب الإسبانى خوزيه ساراماجو، والحلقة الرابعة كانت لخطاب الشاعرة البولونية ويسلاو سزيمبروسكا.

واليوم ننشر خطاب الكاتب الإسبانى كاميلو خوسيه ثيلا المولود في عام ١٩١٦ في شمال غرب إسبانيا. ومن أعماله: السيد المسيح مقابل أريزونا، خلية النحل، عائلة باسكوال، دورات التى تعد ببطله الغامض أخلاقيا ذا أهمية كبيرة في تطور الرواية الإسبانية في الأعوام ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وصفت الأكاديمية مانحة نوبل أسلوب ثيلا في الكتابة بأنه «نثر غنى ومركز، يشكل بحنوه المقيد رؤية تتحدى ضعف الإنسان».

 وإلى الخطاب

كان لدى صديقى القديم ومرشدى بيو باروجا، الذى لم يتسلم جائزة نوبل -لأن الضوء المتألق للنجاح لا يسقط على الصالحين دوما- ساعة مثبتة على الحائط. وحول وجه الساعة تلك كانت هناك كلمات تنويرية، قول مأثور يجعل فرائص المرء ترتعد مع دوران عقارب الساعة، كانت العبارة تقول: «كل ساعة تجرح، وأما الساعة الأخيرة فتقتل». وفى حالتى كانت أجراس عديدة تقرع في قلبى وروحى بفعل عقارب الساعة تلك- التى لا ترجع إلى الوراء أبدا- واليوم، وقد خلفت إحدى قدمى في درب الحياة الطويلة ورائى والأخرى يحدوها الأمل بالمستقبل، وهأنذا أتوجه بكلامى إليكم عن الكلمة المنطوقة ولأتأمل في الحرية والأدب بروح النية الحسنة ويحدونى الأمل بأن يكون في ذلك ما يفيد. إننى لا أعلم على نحو صحيح عند أى لحظة يعبر المرء العتبة إلى الشيخوخة، ولكن لكى لا أجازف سوف ألجأ إلى كلامى دون فرانسيسكو دى كيفيدو، الذى قال: «كلنا نتمنى بلوغ شيخوخة ملائمة، لكن أيا منا ليس على استعداد للاعتراف بأنه بلغ تلك المرحلة».

على أى حال، لا يستطيع المرء أن يتجاهل ما هو جلى، وإننى أعلم أيضا بأن الوقت يزحف بعناد إلى الأمام، لذلك سوف أقول ما يجب على قوله هنا، والآن دون اللجوء إلى أى من الإلهام أو الارتجال، بما أننى أبغض كلا منهما.

وإننى إذ أجدنى هنا اليوم، أخاطبكم من هذه المنصة التى ينطوى الوصول إليها على مشقة شديدة، فأبدأ بالتساؤل عما إذا كان بريق الكلمات - كلماتى في هذه الحالة- قد بهركم فصرفكم عن أن تلحظوا مزيتى الحقيقة التى أعتقد بأنها متواضعة مقارنة بالتكريم الرفيع الذى أحطتمونى به. ليست الكتابة بالإسبانية بالأمر العسير، فاللغة الإسبانية هبة من الإله، وهو ما نعده نحن الإسبان أمرًا بدهيًا. لذلك فإننى أرتاح للاعتقاد بأنكم أردتم الإعراب عن تقديركم لهذه اللغة المجيدة، وليس للكاتب المتواضع الذى يستخدمها في كل ما يمكنها التعبير عنه، بهجة البشرية وحكمتها بما أن الأدب شكل فنى من الكل وللكل، بالرغم من أنه مكتوب بلا مبالاة، ولا يحفل إلا بالهمهمة الصامتة والمغفلة لمكان وزمان مفترضين.

إننى أكتب من العزلة وأتكلم من العزلة. لقد قال كل من ماتيو آليمان وفرانسيس بيكون في مقالته عن العزلة (كلاهما كان يكتب في الفترة ذاتها): إن الإنسان الذى ينشد العزلة يكون على جانب كبير من القدسية والطبيعة البهيمية سواء بسواء. على أى حال؛ فإننى لم أنشد العزلة، لقد وجدتها. ومن عزلتى أفكر، وأعمل وأحيا- وإننى أعتقد بأننى أكتب وأتكلم بهدوء وتسليم لا حدود له تقريبا. وفى عزلتى أتذكر باستمرار المبدأ الذى عرضه بيكاسو - وهو صديق قديم ومرشد آخر-: إنه ما من عمل فنى خالد يمكن أن ينجز دون عزلة عظيمة. وبينما أكابد الحياة معطيا الانطباع بأنى مولع بالقتال، بإمكانى أن أتكلم عن العزلة دون إحراج وبدرجة معينة من القبول الممتن، وإن كان مؤلما.

إنها لأعظم جائزة حين تعلم أن بالاستطاعة المرء التحدث وإصدار أصوات ملفوظة بوضوح ونطق كلمات تصف الأشياء والأحداث والعواطف.

حينما قام الفلاسفة بتعريف الإنسان استخدموا تقليديا الوسيلة المعيارية للنوع المغلق والاختلاف المحدد، بمعنى آخر إشارة إلى منزلتنا الحيوانية وأصل الاختلافات. ومن عمل أرسطو الموسوم السياسة، وصولا إلى الكوجيتو الديكارتى كانت تلك الإشارة وسيلة ضرورية لتمييز الإنسان عن الحيوان. إلا أنه مع ذلك قد يعترض فلاسفة أخلاقيون كثر على ما سوف أقول، إننى أؤكد بالدليل أنه ليس من الصعوبة بمكان إيجاد دليل كاف يعرف اللغة على أنها المصدر النهائى للطبيعة البشرية التى في كل الأحوال، تميزنا عن الحيوانات الأخرى كافة.

نحن مختلفون عن الحيوانات الأخرى، على الرغم من أنه منذ زمن داروين نعلم بأننا نشأنا وتطورنا عنها، وإذًا فإن تطور اللغة حقيقة أساسية لا نستطيع تجاهلها.

يشمل أصل النوع البشرى عملية تطور استغرق فيها تطور الأعضاء التى تنتج الأصوات وتميزها والدماغ الذى يفهم تلك الأصوات مدة زمنية طويلة، تضمنت ولادة الجنس البشرى وما من ظواهر لاحقة، يمكن مقارنتها من حيث الأهمية بالمرة الأولى التى منحت فيها الأشياء الأساسية اسما على أى حال، ولأسباب جلية لن أسهب هنا في العرض لتطور اللغة بمعناها البدائى والأساسي....

من الواضح أن الكتاب ما عدا بعض الاستثناءات، غالبا ما يتبعون في بيئتهم الخاصة الاستعمال الناقص فيدخلون تعابير مزعجة ويجيزون استخدامها، وأسوأ من ذلك أن هذه التعابير منفصلة تماما عن الروح الجوهرية للغة....

دعونا نحشد عبقرياتنا من أجل الزود عن اللغة، اللغات كلها ودعونا ألا ننسى أبدا بأن الخلط بين الإجراء وحكم القانون شانه شأن ملاحظة الحرف بدلا من روح القانون يفضى إلى الظلم دوما الذى هو مصدر الاضطراب وعاقبته على حد سواء.

ويرتبط الفكر باللغة جوهريا. علاوة على ذلك؛ فإن الحرية على الأرجح مرتبطة أيضا بأنماط لغوية ومفاهيمية معينة، وهما يوفران معا الإطار الواسع للمجهود الإنسانى برمته، لأولئك الذين ينشدون استكشاف الحدود الإنسانية وتوسيعها، وكذلك للذين يسعون إلى تقويض منزلة الإنسان ذلك أن الفكر والحرية موجودان في عقول الأبطال والأشرار على حد سواء.

بيد أن هذا التعتيم يخفى الحاجة إلى دقة أكبر إذا ما قيض لنا بلوغ فهم المعنى الحقيقى لماهية التفكير، وأن نكون أحرارا وطالما أننا قادرون على تعيين ما يستجد في عقولنا من الظواهر؛ فإن التفكير بالنسبة للإنسان يعنى تفكيره بأن يكون حرا. لقد كان هناك كثير من النقاش عن مدى كون هذه الحرية أو التحرر شيئا ملموسا أو ما إذا كان مجرد ظاهرة مبتذلة أخرى أنتجها العقل البشري. لكن ذلك النقاش غير ذى جدوى على الأرجح وقد أشار فيلسوف إسبانى حكيم إلى أن الوهم والصورة الحقيقية للحرية هما الشيء ذاته، وما لم يكن الإنسان حرا، وإذا ما كان مقيدا بسلاسل يحاول كل من علم النفس والأحياء والاجتماع والتاريخ تحديدها وبوصفه إنسانا فإنه يحمل أيضا في داخله الفكرة التى قد تكون وهما لكنها كونية قطعا القائلة بأنه حر، وإذا ما أردنا أن نكون أحرارا فلسوف ننظم عالمنا على هذا النحو ذاته تقريبا فيما لو كنا أحرارا.

إن التصميم المعمارى الذى حاولنا أن نشيد عليه بنجاح أو بطريقة أخرى ذلك الإطار المركب لمجتمعاتنا يحتوى على المبدأ الأساسى للحرية الإنسانية وفى ضوء ذلك المبدأ نقوم ونعلى من الشأن، ونشوه السمعة، ونؤنب، ونعاني، فهالة الحرية هى الروح المقدسة المحفوظة في دساتيرنا الأخلاقية ومبادئنا السياسية وأنظمتنا القانونية.

إننا نعلم بأننا نفكر ونفكر لأننا أحرار والرابطة بين الفكر والحرية أشبه ما تكون بالسمكة التى تعض ذيلها أو بالأحرى تلك التى تريد الإمساك بذيلها لأن كونك حرا هو النتيجة المباشرة، والشرط الأساسى للفكر على حد سواء فعن طريق الفكر يمكن أن يفصل الإنسان نفسه عن قوانين الطبيعة قدر ما يشاء وبإمكانه أن يقبل بتلك القوانين، وأن يخضع لها فشأنه على سبيل المثال شأن الكيميائى الذى ذهب إلى أبعد من حدود نظرية مادة الفلوجستون، ليبنى نجاحه وسمعته على أساس ذلك القبول والخضوع ففى الفكر على أى حال تقوم عوالم السخف جنبا إلى جنب مع إمبراطورية المنطق لأن الإنسان لا يفكر بلغة الحقيقى، والممكن وحسب وبإمكان العقل أن يبعثر مكائده إلى ألف قطعة، وأن يرتبها من جديد في صورة مختلفة كليا.

وهكذا بمقدور المرء أن يكون لديه من التفسيرات العقلانية للعالم المستندة على المبادئ التجريبية قدر ما يشاء المفكر، وذلك على أساس الوعد بالحرية في المقام الأول والتفكير الحر بهذا المعنى الضيق هو ذلك النقيض للعالم التجريبى، ويجد تعبيرا له في الحكاية، وإذا فان القدرة على ابتكارات الحكايات يبدو أنها العنصر الثالث في المنزلة الإنسانية، وأما العنصران الآخران فهما الفكر والحرية، ويمكن لهذه القدرة أن تقلب الأشياء فتجعل تلك التى لم تكن غير حقيقية قبل أن تصبح موضوع الحكاية تغدو حقائق.

يبدأ الإنسان عبر عملية التفكير باكتشاف الحقيقة المخفية في العالم وبمقدوره أن يسعى إلى ابتكار عالم مختلف خاص به، ووفق الشروط التى يرغب بها عبر وسيلة الحكاية. ومن ثم فإن الحقيقة والفكرة والحرية والحكاية مترابطة فيما بينها بعلاقة مركبة وأحيانا مشبوهة وهى أشبه ما تكون بممر مظلم له عدة منعطفات جانبية تسير في الاتجاه الخاطئ عبارة عن متاهة لا يخرج منها بيد أن عنصر المخاطرة كان على الدوام أفضل مبرر لبدء مغامرة ما.

"
من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟

من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟