رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
اغلاق | Close

وصايا أصحاب «نوبل».. خوزيه ساراماجو «3»

الأحد 13/أكتوبر/2019 - 09:24 ص
البوابة نيوز
سامح قاسم
طباعة
منذ بدء منحها للمرة الأولى في عام 1901 بلغ عدد الفائزين بجوائز نوبل للآداب 113 كاتبا وكاتبة، ومنذ إعلانها وهى تحمل الكثير من التناقضات، بدأت من مؤسسها ألفريد نوبل الذى اقترن اسمه وثروته بالمتفجرات والاختراعات المرتبطة بفن الحرب، ومرورا ببرتراند راسل ووينستون تشرشل، اللذين حصلا على الجائزة، الأول في عام 1950 والثانى في عام 1953، وإن كانت شهرتهما الأوسع تعود إلى مساهمتهما خارج نطاق الأدب.
فالأول فيلسوف كبير وله إسهاماته المتعددة والجديرة بالتقدير لكنها لا تنتمى إلى صنف الأدب محل اهتمام الجائزة، والثانى كما هو معروف رئيس وزراء بريطانيا في خمسينيات القرن الماضي، لكنه حصل على الجائزة عن خطاباته السياسية، وهى الأخرى تخرج عن نطاق الجائزة، وحدث أن منعت السلطات السوفيتية بوريس باسترناك من تسلم الجائزة في عام 1958.
كما رفض مارلون براندو جائزة الأوسكار عن دوره في فيلم (الأب الروحي) احتجاجا على تشويه الأمريكيين للهنود الحمر، رفض جان بول سارتر الجائزة التى كانت لجنة نوبل قد قررت منحه إياها احتجاجا على الحرب الأمريكية في فيتنام.
كما رفض تولستوى كل الترشيحات التى أتت بعد عام ١٩٠١ حينما تجاوزته اللجنة في الترشح لها في ذلك العام، وكذلك برنارد شو الذى اعتذر أيضا عن قبول الجائزة لأنها تأخرت عن موعدها.
لم يكن تولستوى وحده الذى تجاوزته اللجنة ولم ترشحه لنيلها، بل كان هناك أيضا إميل زولا، وهنرى جيمس، وفيرجينيا وولف، وهنرك إبسن، ودبليو إتش أودين، وجراهام جرين، وفلاديمير نابوكوف، وإيتالو كالفينو، وآرثر ميلر، وبول فاليري، وآنا أخماتوفا، وفيليب روث، وآخرون، ودائما ما كانت اللجنة تؤكد في كل مرة على أن للخيارات ما يبررها.
تناقض آخر تمثل في منح الجائزة لجونتر جراس في عام ١٩٩٩ حيث ألقى محاضرة-وهو الذى أمضى حياته المهنية ممثلا لضمير أمته- عند تسلمه الجائزة أثارت جدلا وجلبة عظيمة ونقاشا واسعا، حيث كشف فيها عن أنه أمضى خدمته العسكرية في الشهور القليلة قبل نهاية الحرب العالمية الثانية في قوات العاصفة (النازية).
وفى تقليد يتبع منذ أن تم الإعلان عن الجائزة يحدث أن يلقى الفائز كلمة أو خطابا يحمل نكهة كتاباته وفكره، وعمقا أخلاقيا يبرز نزاهة فكرية وإنسانية.
ومع اقتراب موعد إعلان جوائز نوبل، والذى يكون في أكتوبر من كل عام، ويتسلمها الفائزون بها في شهر ديسمبر ننشر خطابات عدد من الكتاب الذين حصلوا عليها، تلك الخطابات التى نقلها للعربية عبدالإله الملاح تحت عنوان (محاضرات نوبل).
وكما يقول عبد الإله الملاح مترجم الكتاب: ولئن كانت محاضرات نوبل للآداب مهرجانا من المخيلة الشعرية وفن اللغة فإن السياسي يلازم الانشغال بالجمالي خطوة بخطوة.
والكتاب على درجة كبيرة من الأهمية، نظرا لما يحتويه من خطابات لأبرز الشخصيات الأدبية العالمية وما لهذه الخطابات من قدرة غير عادية على توصيف معاناة العالم وعذابات البشرية التي تتمثل في الحروب العسكرية والاقتصادية وأحلام الدول الكبرى في الهيمنة والسطو على الثروات والثقافات وانتشار الفقر والمجاعات والضحايا.
إن هذه الخطابات لم تأت أبدا لتكون مجرد كلمة في طقس احتفالي يشهده العالم بمناسبة حصول كاتب من هنا أو هناك على أرفع جائزة أدبية على وجه الأرض، ولكن هي مختصر مفيد لكل ما ينشده الكتاب والأدباء في رواياتهم وقصصهم وأشعارهم وهى بمثابة ناقوس أو صرخة أو نداء بضرورة النظر إلى هذه العذابات والعمل على تخليص البشر منها لينعم الإنسان بحياة في عالم خال من المآسي.
وفى الحلقة الأولى نشرنا خطاب الكاتب الكبير الراحل نجيب محفوظ، الذى كتبه بمناسبة حصوله على الجائزة، وكذلك الكاتبة نادين جورديمير، وننشر اليوم خطاب الكاتب الإسباني خوزيه ساراماجو الذي نال الجائزة عام 1998 ووصفته الأكاديمية بالكاتب ذي الشخصيات التي تغذيها المخيلة والمحبة والسخرية التي تسمح لنا مرة أخرى بالإمساك بواقع مراوغ.
وإلى مقتطفات من نص خطابه:
"لم يكن ذلك الرجل الأكثر حكمة بين من عرفتهم في حياتي قادرا على القراءة أو الكتابة بل كان ينهض في الساعة الرابعة صباحا حين تكون بشائر صباح جديد ما تزال تتلكأ فوق الأراضي الفرنسية، من فراشه المحشو بالقش ويتجه إلى الحقول، يسوق إلى المراعي ستة خنازي كان خصبها مصدر الرزق له ولزوجته.
وكان جداي من ناحية أمي يعيشان على الكفاف ويشكوان الفاقة، إذ لم يكن لديهما من مورد سوى بيع الخنازير الصغيرة، بعد أن يتم فطامها، للجيران في قريتنا (أزينجا) في مقاطعة ريباتيو، وكانا يدعيان جيرونيمو ميرينهوو جوزيفا كيسينا وكانا أميين كلاهما. وفي ليالي الشتاء كان البرد القارص لدرجة تجمد الماء في القدور داخل المنزل، كانا يتوجهان للحظيرة ليخرجا أضعف الخنازير ويحضراها لفراشهما. وهكذا كان دفء الأشخاص تحت الأغطية الرثة يساعد على إنقاذ الحيوانات من التجمد ويقيها من موت محقق.
ومع أنهما كانا لطيفين إلا أن الشفقة لم تكن ما دفعهما للقيام بذلك. فما يهمهما حقا بعيدا عن العاطفة والتكلف المحافظة على مصدر رزقهما وهذا أمر طبيعي لدى كل الأفراد الذين من أجل الحفاظ على حياتهم لا يفكرون بأكثر مما يحتاجون إليه.
ولطالما ساعدت جدي في تربية الخنازير، وقمت مرات ومرات بحفر أرض بستان الخضار المجاور للمنزل، وقطعت الحطب لإيقاد النار، وأدرت الدولاب الحديدي الذي يشغل مضخة الماء، وكثيرا ما أحضرت الماء من النبع المحلي وحملته على كتفي وفي مرات كثيرة كنت أتنقل بالسر متفاديا الرجال الذين يحرسون حقول الذرة.
وكنت أذهب مع جدتي عند الفجر حاملين معنا الحبال والأكياس لالتقاط سقط الحصاد والتبن السائب الذي يمكن أن يفيد كعلف للماشية. وفي ليالي الصيف الحار كان جدي يقول لي أحيانا بعد العشاء: خوزيه سنذهب كلانا اليوم لننام تحت شجرة التين. ومع أنه كان لدينا شجرتان أخريان سوى هذه الشجرة لكن لأنها الأكبر والأقدم والأعرق كانت بالنسبة لكل من في المنزل هي المقصودة عندما تذكر شجرة التين. وبالمطابقة كثيرا أو قليلا اكتسبت معرفة واسعة بكلمات تعلمتها بعد ذلك بعدة سنوات وتعلمت معناها.
وسط سكون الليل وبين أغصان الأشجار العالية ظهرت لي النجوم ثم اختفت ببطء خلف ورقة، وفيما كنت أحول نظري باتجاه آخر رأيت مشهدا كأنه نهر ينبع بصمت من سماء مقعرة، إنها ألوان درب التبانة بكل وضوح، أو الطريق إلى سنتياغو كما لا زلنا ندعوها في القرية.
وكانت الليالي تضج بالأفراد من حولنا والكل ساهرون فيما يقوم جدي برواية القصص واحدة بعد أخرى أساطير وأشباح ورعب وأحداث فريدة وموت قديم ومشاجرات بالعصي والحجارة وكلمات أسلافنا وإشاعات لا تنتهي عن ذكريات تجعلني أبقي يقظا وتهدهدني في الوقت ذاته لكي أغفو.
ولم أدر يوما إن كان جدي يصمت حين يراني قد غفوت أنه كان يكمل حديثه لكي لا يترك الأسئلة التي كنت أسألها دوما بنصف إجابة: "وماذا يحصل بعد ذلك؟" وربما أعاد القصة لنفسه لكي لا ينساها أو ليضيف تفاصيل أخرى عليها. وفي ذلك العمر وكما يفعل معظمنا في بعض الأحيان ما من حاجة للقول إني كنت أعد جدي سيد المعرفة في العالم وحين كنت أستيقظ صباحا على صوت زقزقة الطيور ولا أجده هناك يكون قد أخذ حيواناته للرعي وتركني نائما، أنهض وأطوي الفراش الرث وأركض حافيا ومع التبن الذي لا يزال عالقا في شعري كنت أنتقل من القسم المحروث من الأرض إلى القسم الآخر قرب المنزل حيث زريبة الخنازير. فيما جدتي التي تستيقظ قبل جدي تكون قد وضعت أمامي زبدية من القهوة وقطعا من الخبز وتسألني ما إذا كنت قد نمت جيدا. وحين أقص عليها الأحلام السيئة التي رأيتها بسبب من روايات جدي تؤكد لي دوما: "لا تغال بالموضوع، ما من شيء موثوق بالأحلام".
وعلى الرغم من أنني كنت أعتقد أن جدتي هي الأخرى امرأة حكيمة لكن ليس بمقدورها مضاهاة جدي ذلك الرجل الذي فيما يستلقي مع خوزيه حفيده تحت شجرة التين بإمكانه تحريك العالم بكلمات قليلة منه.
وما هي الا سنوات قليلة بعد ذلك حتى غادر جدي هذا العالم وكنت حينها رجلا ناضجا وتوصلت أخيرا بعد هذه السنين إلى معرفة أن جدتي كانت مؤمنة بالأحلام دوما. إذ لا يمكن أن يكون هناك سبب آخر يبرر أنه في إحدى الأمسيات كانت تجلس عند باب كوخها الذي أصبحت تعيش فيه لوحدها الآن وتحدق بأكبر النجوم وأصغرها ثم تقول: "إن العالم جميل جدا ومن المؤسف أني سأموت يوما ما". لم تقل إنها خائفة من الموت بل من المؤسف أن تموت وكأن حياتها الصعبة وعملها المتعب كانت في تلك اللحظات التي تكاد تكون الأخيرة تتلقى نعمة الخالق للوداع الأخير ويعزيها تكشف الجمال من حولها. كانت تجلس أمام منزل لا يشبه غيره من المنازل التي أستطيع تخيلها في أرجاء العالم كافة، لأن هذا المنزل يعيش فيه أناس يستطيعون النوم مع خنازيرهم وكأنهم أولادهم، أناس يأسفون للموت لأن العالم جميل فحسب، وهذا جدي مربي الخنازير وراوي القصص حينما شعر بدنو أجله وأن الموت سيأتي ويختطفه، ذهب إلى الفناء الخلفي وحيا الأشجار مودعا إياها وعانقها شجرة شجرة وبكى لأنه كان يعرف أنه لن يراها ثانية.
صنعت حياتي بطرق جديدة ومختلفة كنت دون أن ألاحظ أتبع مسار الشخصيات التي سأبتكرها لاحقا، الآخرين، الأدب الحقيقي، الذي سيبنون ويحضرون لي المواد والأدوات التي أخيرا سواء للأحسن أم للأسوأ. بشكل كاف أم غير كاف في الربح والخسارة. بكل ما هو نادر لكن كذلك بكل ما هو وفير، سوف تجعل مني الشخص الذي أنا عليه اليوم، وأدركه بنفسي: المبتكر لهذه الشخصيات لكنني في الوقت ذاته من ابتكارهم ويمكن القول بمعنى ما إنني قد نجحت في أن أغرس في الرجل الذي هو أنا الشخصيات التي كنت أبتكرها. وأعتقد أنني دونهم ما كنت الشخص الذي أنا عليه الآن ولربما لولاهم لم تكن حياتي لتنجح بأن أكون أكثر من مجرد كاتب واعد.. واعد كغيري من الكتاب الذين ظلوا مجرد وعد، كان يمكن أن يكون له وجود لكنه في النهاية لم يجد السبيل لتحقيق ذلك.
إنني أرى الآن بوضوح من كانوا المعلمين في حياتي أولئك علموني بصبر أن أكسب رزقي بالعمل الصعب، عشرات الشخصيات من مسرحياتي ورواياتي، وهم الآن يمرون أمام عيني هؤلاء الرجال والنساء من الحبر على الورق الذين كنت أعتقد أنني كراو أحركهم كما أرغب تبعا لمشيئتي، وأنهم خاضعون لإرادتي بوصفي المؤلف مثل اللعبة المتحركة التي لم يكن لأفعالها تأثير على يتجاوز الحبال التي كنت أحركها بها.
بين ألم الكتابة ومتعة ممارسة الكتابة كان هذا الرجل المريض الذي عاد فقيرا من الهند التي أبحر إليها الكثيرون ليصبحوا أغنياء كان هذا الجندي الأعمى يبصر بعين واحدة المجروح بروحه الذي لم تغوه الثروة ولم تهفو إليه قلوب النساء في القصر الملكي ثانية هو من وضعته على المسرح في مسرحية دعوتها ماذا أفعل بهذا الكتاب؟ نهايتها تكرر سؤالا آخر، السؤال الوحيد المهم الذي لن نعرف له إجابة شافية قط: " ماذا أفعل بهذا الكتاب؟" كان تواضعا أبيا أن يحمل تحت ذراعيه تحفة أدبية ويتلقى الرفض الظالم من العالم كان تواضعا أبيا ومستعصيا على العلاج أيضا الرغبة بمعرفة ما هي النتائج المستقبلية للكتب التي نكتبها اليوم ونتساءل على الفور هل ستحظى بفرصة للعيش طويلا ( وكم ستدوم؟) أسباب إعادة التأكيد المعطاة لنا أو التي قدمناها لأنفسنا. إذا لا خداع أكبر من أن يسمح المرء للآخرين أن يخدعوه.
(العمى) فكر المتدرب "إننا عميان" وجلس وكتب رواية العمى لتذكير أولئك الذين يقرئونها بأننا نفسد العقل عندما نذل الحياة وأن الكرامة الإنسانية تهان كل يوم بالأقوياء في عالمنا الذي حل فيه الكذب العالمي محل الحقائق الجمعية، وتوقف الإنسان عن احترام نفسه عندما فقد احترامه لزملائه من المخلوقات الخرى. وعندئذ بدأ المتدرب بمحاولة لتطهير الوحوش التي ولدت بعمى العقل. ثم بدأ بكتابة القصة الأسهل من بين كل القصص: أحد الأشخاص يبحث عن آخر لأنه أدرك بأن الحياة ليس لديها كل شيء أكثر أهمية لتطلبه من الإنسان وكان عنوان الكتاب كل الأسماء تقليديا، كل أسمائنا كانت هناك أسماء الأحياء وأسماء الموتى.
وختاما فإن الصوت الذي قرأ هذا الصفحات يتمنى أن يكون صدى للأصوات الموحدة لشخصياتي إنني لا أملك إذا جاز التعبير صوتا يفوق الأصوات التي لديهم سامحوني إذا كان ما يبدو لكم قليلا هو كل شيء بالنسبة لي.
"
من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟

من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟