رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

معارك ما بعد هزيمة «داعش» (4)

الخميس 12/سبتمبر/2019 - 07:54 م
البوابة نيوز
بقلم- منير أديب
طباعة
ديناميكية التحول الثقافى ودور الفنون في مواجهة الإرهاب 
غياب الأدب يؤدى لانتشار التطرف والتعصب 
اختفاء المواجهة الفكرية تسبب في القصور في معالجة ظاهرة الإرهاب
لا أحد يمكن تَجاهل خطر الإرهاب المستمر في ظل التنامى السريع للظاهرة حتى بعد تحرير مدينتى الرقة والموصل في مارس من العام الحالى 2019، وهو ما يَطرح تحديًا مهمًا حول دور الفنون في مواجهة هذه الظاهرة التى باتت تُؤرق العالم، وعدم قدرتنا على هذه المواجهة أو على الأقل فشلنا في الوصول إلى شكل نستطيع من خلاله تفكيك مقولات التطرف التى تنتشر بين النّاس في المجتمعات المختلفة بسرعة شديدة تُنذر بحجم الخطر المتدفق، فتتعدى حواجز اللغة والثقافة والحدود معًا. 
الثقافة هى أسلوب حياة في المجتمع، تظهر في طريقة التفكير والسلوك الجماعى والفردى ونظرة الأفراد لأنفسهم وللآخرين، وكيفية التعامل مع الممتلكات العامة والخاصة، والاستمتاع بالحياة، وطريقة الطهى والأزياء، وغير ذلك، ولم يعرف التاريخ الإنسانى مجتمعًا تقدم دون أن يمتلك ثقافة متقدمة، وتظهر ثقافة المجتمع عند التجول في الميادين والشوارع لنرى كيف يفكر أفراد هذا المجتمع؟ وكيف يتعامل بعضهم مع بعض؟ والأهم كيف ينظمون شئون حياتهم المشتركة على نحو يساعد على تطوير نوعية الحياة في المجتمع بأسره.
نَجحت التنظيمات المتطرفة في استقطاب مقاتلين أجانب لصفوفها من مجتمعات لم يكن التطرف أو التعصب المذهبى أو الطائفى أحد أدوات التعبير فيها ولا جزء من ثقافتها، ولم تكن تُعانى هذه المجتمعات من فقر حتى يَبحث منتسبيوها عن مجتمعات بديلة تُوفر لهم حياة أفضل، أو أنهم يبحثون عن حياة أخرى غير الدنيا بسبب ما يجدونه فيها من فقر أو تضييق.
انتفاء هذه الأسباب على الأقل في المجتمعات الأوروبية مع تنامى الظاهرة في هذه المجتمعات، يَضعنا في دائرة البحث عن الأسباب أولًا التى أدت إلى تطرف أبناء هذه المجتمعات، وأسباب غزو هذه الأفكار لمجتمعات يميزها الحوار وتُعلى من قيمة الاختلاف والتنوع على سبيل المثال، والبحث عن طريقة مواجهة ومهاجمة غزو الأفكار المتطرفة، ودور الفن من كل نماذج التطرف التى أحاطت هذه المجتمعات رغم ما يميزها من صفات يؤدى عدم وجودها إلى التطرف.
المدخل الإنثروبولوجى الثقافى لمواجهة الإرهاب تصور منطقي، محسومة نتائجه، ولكنه غائب عن القائمين على معادلة مواجهة التطرف، خاصة في مجتمعاتنا العربية، نُدرك أن التطرف يَعزف على وتر شذوذ التفكير ضمن آلة واحدة عقمت عن فهم مدركات الحياة، ويستغل مفهوم التفسير غير المنطقى للنصوص الدينية في غياب الثقافة التى تُرشد العقل وتُعطيه مساحات أكبر من التفكير دون الانزلاق إلى آفة الانغلاق التى تؤدى حتمًا إلى التطرف بصوره المختلفة.
معارك ما بعد هزيمة
غياب رؤى المواجهة ودور الفن الغائب
من أسباب انتشار الإرهاب والتطرف عدم وجود رؤى متكاملة لمواجهته، أو مواجهته بالطريقة الأمنية والعسكرية فقط دون الارتقاء لأشكال أخرى من المواجهة الفكرية، وعدم اللجوء إلى الثقافة كمفهوم ضرورى في المواجهة، فلا يمكن مواجهة الفكر إلا بفكر مثله، ولا يمكن تحقيق انتصار حقيقى على الإرهاب إلا بتفكيك مقولات المتطرفين، ولا يمكن ذلك إلا بفهم الخريطة الذهنية للتطرف، فالآداب والفنون لهما دور كبير في مواجهة الإرهاب وغيابهما سبب رئيسى في انتشاره، فالفنون هى المسئولة عن تهذيب السلوك وهى من ترتقى بالأخلاق، فكثير من المتطرفين انجرفوا لطريق العنف دون أن يجدوا من يُقوّم هذا السلوك، فغابت الثقافة مرتين، فانتشار الإرهاب كان بسبب عدم وجود ثقافة تعصم النّاس والمجتمع من شبح الإرهاب، والمرة الثانية حيث ارتبط غيابه بالقصور في معالجة الظاهرة.
من المهم تعزيز دور المجتمعات في محاربة التطرف من خلال الثقافة والفنون واحترام التنوع، خاصة وأن أغلب بؤر التطرف تنشأ عن التعصب الطائفى والمذهبي، فقد يكون اختلاف الدين أحد أسباب التطرف، وقد يكون المذهب والطائفة، وهنا يأتى دور الثقافة المفقود في زرع قيمة احترام التنوع وترسيخ هذه القيمة المفتقدة، فالمدقق يُدرك أن وجودها يأخذ المجتمعات التى تفعل ذلك إلى الإمام، فالحضارات رهينة ثقافة قائمة على التنوع، ولا يمكن للمجتمعات أن ترتقى إلا إذا تنوعت أفكار أبنائها، وحثت على ذلك التنوع، فضلًا عن احترام هذه القيمة التى لا تخلو منها المجتمعات واعتبارها ظاهرة إيجابية وليست سلبية.
الفنون متعددة تبدأ بالكتابة من خلال القصة والرواية والمسرح وانتهاءً بالموسيقى التى تعتبر جزءًا مهمًا مسئولًا عن تهذيب المشاعر بخاصة إذا كانت جانحة، الثقافة هى المنوط بها نشر قيم التسامح والرأى والرأى الآخر، وتربطها والإرهاب علاقة تَضاد، بمعنى إذا غابت هذه القيم بدت الظاهرة جلية، وإذا اختفى الإرهاب في مجتمع ما فحتمًا السيادة لهذه القيم.
لدينا مشكلة في مجتمعاتنا العربية مسئولة عن التطرف وتتمثل في غياب خطاب ثقافى جاد، فالثقافة ليست ضد مضامين مواجهة التطرف، فما عادت المجتمعات العربية قادرة على إنتاج خطاب ثقافى جاد وقادر على المواجهة ويتلاءم مع عقلية أبناء هذا الخطاب، فوقعنا في فخ الحديث عن تجديد الخطاب الثقافى دون أن ننجح في إنجاز ذلك، ووقعنا أسرى لخطابات التطرف والكراهية التى ملأت حياة المجتمعات، فأنتجت الإرهاب والتطرف أشكالًا وألوانًا.
خطاب التطرف والكراهية لم يكن أسير التنظيمات المتطرفة فقط والتى تستخدمه في كل مناسبة، وإنما أصبح سمة أو سمت عام للسياسيين الذين يُصدرون هذه اللغة والتى حتمًا تُؤثر سلبًا على المجتمعات، وعند البحث داخل المجتمعات تتفاجأ بأن طبقات كاملة تميل للتطرف غير أنه لم تتوافر لها الظروف التى تجعل هؤلاء النّاس ينضمون للتنظيمات الدينية المتطرفة.
التطرف طريق لممارسة العنف، يبدأ بشكله اللفظى وقد ينتهى إلى الممارسة الفعلية للقتل بصور القتل المختلفة سواء مجرد التصفية الجسدية أو نحر الرءوس أو صور القتل الأخرى مثل الحرق في النار وغيرها، وقد يمارس المتطرف أشكالا أخرى من التطرف في السياسة والحياة الاجتماعية، وكل هذه الصور تؤدى في النهاية للتطرف الدينى إذا أخذت مسحة دينية، وهنا يغيب العامل الثقافى عن الساحة مما سمح لهذه الثقافة بالانتشار أولًا، كما تغيب الثقافة عن مواجهة هذا الخطاب المتطرف.
الفن والثقافة هما الركيزتان الأساسيتان لمواجهة خطاب التطرف أو حتى الإرهاب؛ فإذا كان خطاب المتطرفين يعتمد على الكراهية، فإن الفن والثقافة يعتمدان على لغة الحب والحياة والجمال، كركائز أساسية لهما، وهذه اللغة تناقض أفكار الإرهاب القائمة على القتل والتدمير وإشاعة الخوف والقلق والرعب والإرهاب بدعوى أن هذا من الدين.
المجتمعات التى تخلو من الإبداع مجتمعات يمكن وصفها بأنها ظلاميه حتى ولو لم تصل إليها التنظيمات المتطرفة، لأنها أصبحت بيئة حاضنة للمتطرفين، يمكن لهم أن يخترقوها ويقيموا فيها مجتمعًا لهم، فأبناؤها مؤهلون لذلك، ويستطيعون أن يصلوا بأفكارهم إلى كل النّاس دون وجود صمامات أمان ضد هذه الأفكار المتطرفة، وسوف تجد الثقافة السائدة لدى أبناء المجتمعات أنهم يحتكرون الحقيقة وحدهما دون غيرها، ولن يسمحوا بالتنوع أو الاختلاف لسبب بسيط وهو أنهم يرفضون أن تكون هناك مساحات من الإبداع تسمح لهم بالوقوف أمام التطرف وصورة المختلفة.
تجاهل دور الفنون في الوقوف أمام التطرف هو شكل آخر من التطرف، وقد يكون ذلك عدم فهم لواقع المتطرفين الحقيقي، والصعب عدم إيمان المجتمعات بدور هذه الفنون في التغيير، التغيير مقصود به المجتمعات التى يقع أبناؤها ضحية التطرف، وكذلك المتطرفون أنفسهم، فخضوع هؤلاء المتطرفين لبرامج تغيير من نسق تفكيرهم ومشاعرهم الجانحة تأتى الفنون في مقدمتها، فإذا لم تكن الفنون والمثقفون حائط صد لمواجهة التطرف فسوف تتوحش الظاهرة بشكل أكبر.
لا بد أن يقدم الفنانون والمثقفون رؤى واقعية لمواجهة التطرف انطلاقًا من دور الفن في مواجهة الإرهاب وتعزيزًا لدوره في محاربة صور التطرف المختلفة، وإرساء وتوعية الدور العملى للفن في التوعية بهدف محاربة كل أشكال العنف المختلفة، وإدراك أهمية الموسيقى في توجيه السلوك، إذا كان التطرف مرتبطا بسلوك صاحبه، أما إذا كان مرتبطا بالنفس فلا بد أن يكون للفن دور آخر من خلال الثقافة البصرية في الفنون التشكيلية التى يُشاهدها الإنسان بنظره.
الفنون المسرحية لها دور هى الأخرى في معالجة قضايا التطرف والإرهاب بخاصة الشباب، وهنا تأتى أهمية السمع والبصر في المواجهة، وأن يكون الفن مُشاهد من خلال المسرح حتى يتفاعل الشباب مع العمل، وبالتالى يكون التأثير والتغيير في ذات الوقت، وأهمية أن تقدم أعمالًا فنية كالدراما والسينما لمواجهة التطرف، فالأشكال الفنية المذكورة أهم بكثير في المواجهة من مجرد التوجيه المباشر.
نطرح على أنفسنا تساؤلا ملحا، لماذا أصبحت بلادنا العربية أرضًا خصبة للتطرف؟، التطرف هو ميل جارف في أحد الاتجاهين، وهو ما يدعونا لعودة هذه الدفة لوضعها الطبيعي، وهذا لا يكون إلا من خلال الفكر والثقافة، فهما القادرين على المواجهة دون غيرهما، بالفكر تستطيع أن تقضى وتغير الأفكار، والفن أحد أهم أشكال المواجهة الفكرية الأخرى القادرة على التغيير، بدونها يستمر التطرف، بل ويخترق مجتمعنا وغيره من المجتمعات الأخرى حتى يظل آفة - كما هو الآن - تهدد الإنسان.
هوية الإنسان الثقافية تعصمه من التطرف، وإذا أردنا أن نقضى على الإرهاب لا بد أن يكون من خلال الثقافة والفنون، فلا يمكن تحقيق النهضة إلا بالثقافة، فبغيابها تغيب الحياة وبدونها يُصبح الإنسان حياته مهددة ومعرضة للخطر.
التطرف ليس مجرد الأفعال السياسية العنيفة التى يقوم بها المراهقون والناضجون في الشوارع، ولكنه أيضًا العنف المتغلغل في المجتمع ذاته، ويشمل العنف ضد المرأة، وانتهاك الطفولة، بالإضافة إلى عنف الجريمة، والعنف السياسي، وعنف الدولة، وعنف الإرهاب.
الثقافة والفنون هما المعيار الواقعى لتقييم تحضر المجتمعات، فلا يوجد مجتمع بلا ثقافة ولا يمكن تخيل الثقافة بلا مجتمع؛ فالمجتمعات التى تضع الثقافة في هامش اهتماماتها مجتمعات ميتة لا حياة فيها، هذه المجتمعات تتجه ناحية العنف وتُعلى من شأنه، قد تُعطيه شكلًا دينيًا، ولكن عند التدقيق في العنف، نكتشف أنه واقعى مجتمعى يُعبر عن غياب الثقافة أو قد يكون بمثابة ثقافة المجتمع.
معارك ما بعد هزيمة
علاقة الفنون والسينما على وجه الخصوص بالإرهاب موضع شك ومسألة ملحة لدورهما الذى لا يمكن تجاهله في محاربة الإرهاب، خصوصًا وأن الفنون السينمائية من المفترض أنها تنقل الواقع أو تُعبر عنه، وبما أن الإرهاب ظاهرة حاضرة في حياتنا، فدور السينما وكل الفنون لا بد أن تكون موجودة وبقدر يفكك هذه الظاهرة، فالفن قادر على التغيير والمواجهة ولا يمكن استثناء هذا الدور أو تغافله.
رسالة الفن التى لا يمكن تغافلها أنه يقوم على التوعية للجماهير، فما يُقدم من خلاله أصدق لهذه الجماهير من غيره، خاصة وأن رسالته غير مباشرة ولكنها محببة لقلوب المشاهدين والمستمعين والقرّاء معًا.
وكما يقول الأديب الإسباني، خورخى لويس بورخيس: إن وظيفة الفن التحررية تكمن في قدرة هذا الفن الفريدة على الحلم ضد العالم، وتشييد عوالم تكون مختلفة تمامًا.
وهنا لا بد أن ندرك أن الأعمال السينمائية التى قامت بنقل الواقع وتصويره عن جماعات العنف والتطرف لم يكن كافيًا بالحد الذى نقول عنه: إن السينما على سبيل المثال قامت بدورها، وهنا تبدو الأزمة الحقيقية، ويبدو دور الفنون المتهاوى وغير المعبر عن الواقع وغير المشارك في معالجاته، ولعل ذلك يُفسر سبب انتشار الإرهاب أو عدم قدرتنا على الأقل في مواجهتة، خاصة وأننا تناسينا دورا مهما للفنون في المواجهة.
الأعمال الفنية تَطرح نقاشًا واسعًا ومفصلًا حول الظاهرة، كما تقوم بالتوعية للجماهير التى تحتاج أن تعرف أكثر عنها، فما لا يمكن التصدى له مباشرة يمكن مواجهته برسالة حتى ولو كانت بشكل غير مباشر، في إطار فنى محبب يكون له تأثير على النفس البشرية.
الواقع المبتذل الذى يعيشه المجتمع يحتاج لمن يترجمه ويعلق عليه، ينقله بحرفية شديدة وفى نفس الوقت يقدم رؤيته للواقع في إطار المواجهة، والفن الرسالة الوحيدة القادرة على ترجمة هذه المعاني، فضلًا عن نقل الواقع، وقد يحتاج الواقع للفن في النقل، نقل بتصرف يخدم الحقيقة، فتعقيد المشهد يحتاج لمن ينقله بقليل من التصرف شريطة أن يكون قادرًا على التأثير في المتلقي، وهنا يبدو دور الفن المفقود أو الذى نبحث عنه.
التحول الثقافى في مواجهة الإرهاب
الأعمال الفنية أو السينمائية مازالت شحيحة للغاية وغير مؤثرة، بينما عمدت الكثير من الأعمال إلى المبالغة في الطرح تارة وغياب الرؤية تارة أخرى، ومرات لا نجد الفن حاضرًا، وهنا يمكن أن نقول: إننا افتقدنا سلاحًا مهمًا في مواجهة الإرهاب والإرهابيين، فبدا الإرهاب غائبًا عن ساحة المواجهة الحقيقية، فأصبحنا فقط أسرى صور القتل التى نقلها لنا المتطرفون عبر وسائل إعلامهم وفنونهم التى يقدمونها لنا، القائمة تؤكد على الكراهية والقتل، ولعل ذلك يجيب عن سؤال مهم عن أسباب تأثيرهم في قطاعات الشباب؟ إذا أردنا أن نعرف السبب فمن خلال الفنون.
الفنون هى القادرة على التأثير في الإنسان من خلال الإبداع، والفن محطاته الرئيسية تتوقف عند الإبداع، وهنا يمكن أن توصل رسالتك عبر هذه المحطات الغائبة عن المواجهة والمفتقدة في عوالمنا العربية، والمجتمعات الغربية كانت منتبهة لذلك، فقدمت أعمالًا فنية واجهت فيه ظواهر التطرف والإرهاب، فكانت صادقة ومؤثرة في نفس الوقت، ويُضاف لذلك أن الفن كان حاضرًا في المواجهة ومؤثرًا في ذلك.
الفن قادر على المواجهة ولكن في محلها، ولابد أن تكون هذه المواجهة بمفهومها الشامل ضمن هذه المنظومة سواء كان هذا الفن سينما أو مسرح، من خلال الموسيقى والغناء والرسم والنحت، أو أى صورة من صور الفن المختلفة، لا بد أن تكون هناك رؤية للمواجهة من خلال الفن، وأن تُفعل هذه الرؤية بعد دراستها، وألا يكون التعامل معها بشكل عشوائى وغير مرتب.
نحن نحتاج بشكل أكبر مما كان إلى توظيف الفن في مواجهة التطرف حتى يمكن أن ننتصر على الإرهاب، وهذا يجعلنا أن نتخلى عن الصورة النمطية المعروفة عن التطرف، فلا يمكن أن نكون مؤثرين بغير تقديم الجديد، صورة صالحة للجمهور عن الإرهاب، شرط التأثير أن نكون مقنعين، الفن في حد ذاته غير مقنع إلا إذا كان صادقًا، والصدق دائمًا يرتبط بالصورة الحقيقية، فلا بد ألا يمنعنا موقفنا من الإرهاب أن نبالغ في نقل الصورة، فهناك فرق بين النقد وبين النقل بصورة مباشرة وقد تكون سطحية، وهنا يضعف التأثير وقد يتلاشى بشكل كبير.
المفارقة أنه رغم توغل الإرهاب والمعاناة منه، لم تنتج السينما المصرية إلا عددًا قليلًا من الأفلام لا يتجاوز الـ٢٠ فيلمًا، في حين أننا نحتاج للكثير من الأعمال التى يجب أن يراعى صنّاعها التغييرات التى طرأت على الفكر الإرهابى وملامحه، حيث بدأنا نسمع عن مواطنين أوروبيين في صفوف «داعش» وغيره من الجماعات المتطرفة، بمعنى أن إنتاج أعمال جديدة عن الإرهاب يتطلب تحاشى الصورة النمطية للإرهابى «صاحب الذقن الشعثاء المستفزة وعلامة الصلاة المبالغ فيها على جبهته» أو الذى يردد كلامًا بطريقة منفرة في أغلب الوقت، وبعيدًا عن التركيز على الشكل فهناك أيضًا مناطق فكرية يجب التفتيش داخلها.
من أهم الأعمال المصرية التى تم إنتاجها في فترة التسعينيات لمواجهة موجة الإرهاب مسلسل «العائلة» ومسرحية «الخنزير» وأفلام «الإرهاب والكباب» و«الإرهابي» و«المصير» و«طيور الظلام» و«الناجون من النار»، و«دم الغزال» و«حين ميسرة» و«عمارة يعقوبيان»، وأخيرًا أفلام «جواب اعتقال» و«الخلية» و«مولانا».
دائمًا تقوم الجماعات المتطرفة بتوفير بيئة أو مجتمع بديل لأبتاعهم ومقاتليهم إذا كانت جماعة مسلحة، وهنا نشير إلى أهمية فهم بيئة الحماية التى توفرها الجماعة، ومن ثم يجب فهم هذه العملية التى يقع تحتها هؤلاء ومن ثم تعطيلها من خلال إطار ثقافى عقلانى ومزيج من الفنون القادرة على تفكيك الشبكة الاجتماعية المفروضة على المجندين الجدد أو حتى القدامى.
إن سماع الموسيقى الدائم يجعل النفس البشرية في حالة ارتخاء دائم فتقوى نوازع الهوى والإخلاد إلى الراحة وكراهية التكاليف والمشقات، وهذا خطر من الأصل على وجود الأمة وشعورها بواجبها، واستعدادها للتضحية له، وهذه أول عقوبة فطرية تترتب على هذا الانحراف.
الموسيقى ذروة اللهو. واللهو ذروة الحياة الدنيا، فاستغراق الإنسان في الموسيقى والأنغام وإقباله الدائم عليها، يجعله في موضع عملى ينصرف عن الآخرة، ومشاعر مخدرة وكل همه الدنيا.
تعتقد جماعات العنف والتطرف في تبرير التحريم، أن وقت المسلم أثمن وأغلى من أن ينفق في هذه التفاهات، لأن العمر هو الزمن وهو أغلى شيء في الحياة، وكل شيء له عوض إلا العمر، وقيل: «ما من يوم ينشق فجره إلا وينادى فيه ملك يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود منى فإنى لا أعود إلى يوم القيامة».
هناك ظواهر مقلقة تُعبر عن موقف جماعات العنف والتطرف من الفن، منها إقحام الدين في تقييم العمل الفنى بما في ذلك من فرض رقابة اجتماعية شرسة من فئة منغلقة متعصبة على ما يجوز للمجتمع أن يقرأه أو يسمعه أو يراه، وذلك لأنها لا ترى رأيّا غير رأيها، ولا تريد التعددية وثراءها في المجتمع، ونحن لسنا من أنصار مصادرة الأفكار؛ ليس فقط لأنّ ذلك ضد الحرية، وإنما يحقق شهرة وانتشارًا لأعمال لا تستحق ذلك.
المشهد الثقافى يحتاج لدعم قوى بهدف القضاء على كل أشكال العنف والتطرف التى اخترقت مجتمعاتنا، بل إن أصبح التطرف سمة مجتمعاتنا بعد ما أطلق عليه ربيع الثورات العربي، فأصبحت مجتمعاتنا بيئة خصبة للتطرف ومصدرًا للإرهاب.
المثقفون والفنانون حائط صد لمواجهة التطرف، ولذلك لا بد أن يكون لديهم الجرأة للتفكير والمواجهة، تفكير خارج الصندوق وعلى عكس القضايا الموجودة في المجتمع أو التى ينساق لها قطاع كبير من أبناء المجتمع، لا بد أن يكون التفكير النقدى أساس التغيير.
من المهم أن نواجه التطرف باعتباره ظاهرة ثقافية، وفهم الآليات الداعية والداعمة لهذه الظاهرة حتى نستطيع أن نقضى عليها، فلا يمكن لنا أن نقضى عليها ونحن لا نعلم عنها شيئًا ولا تمددها ولا تأثيرها في المجتمع، وهنا يكمن دور الفن والثقافة في مواجهة الإرهاب.
النقد المجتمعى أحد أهم الأدوات التى تقضى على التطرف، فإذا كان هناك فن حقيقي كان هناك نقد، وبالتالى ننجح كمجتمعات في مواجهة أى تطرف قد يطرأ على هذه المجتمعات سواء تطرف دينى أو له خلفية أخرى بخلاف الدين مثل العرق والمذهب والجنس.
لا بد من وضع إستراتيجية ثقافية عامة بهدف محاربة التطرف والعنف من خلال كل الفنون، وأن تكون هذه الإستراتيجية متفقا عليها وتُعبر عن رؤية عامة بزوايا مختلفة، هذه الإستراتيجية قادرة على تفكيك أفكار التطرف ونمو الوعى الحسى الحضاري، الذى يقبل الاختلاف ويرى أهميته في سياق البناء الحضارى الذى يؤدى إلى رقى الأمم، فالثقافة والفنون هما البوصلة التى تحدد اتجاهات أى مجتمع نحو الاستقرار، وهما المؤشر الحقيقى في اتجاه محاربة الإرهاب والتطرف وبدونهما تظل ظاهرة الإرهاب تطل برأسها دون أن تجد من يقطعها، فرهان الظاهرة مرتبط بشكل أساسى بمواجهتها وهذه المواجهة مرسومة في سياق الثقافة والفنون.
ينبغى تدشين مشروع ثقافى جديد يقوم على استعادة الشعور بالاتساق مع النفس ومنفحتًا على بيئة أوسع ومحيط الهوية التى تشكل العقل الجمعى للشخصية العربية، حتى تستطيع من خلاله مواجهة الإرهاب والتطرف، ولابد من مساحة من الحرية للنخب الثقافية التى تُعبر عن الهوية الخاصة للمجتمع، فكل تضييق على النخب يؤثر على الثقافة وتأثيرها على المجتمع.
لا بد أن يطور المثقفون الأساس المعرفى للقضايا الرئيسية التى تشكل وعى المجتمع بدءًا من مفهوم المجتمع والهوية ومرورًا بمفهوم الإسلام والخرافة وانتهاءً بالإبداع، على اعتبار أهمية هذه المفاهيم في تشكيل بنية المجتمع، ففهم هذه المفاهيم يضع أيدينا على مجتمع خال من التطرف أو على الأقل يملك أدواته للدفاع عن نفسه، وهو ما نحاول أن نطرحة في نقاش أوسع في المقال القادم.
التواصل الثقافى بين المجتمعات الأخرى مهمة ليست سهلة ولكنها في غاية الأهمية لبناء المجتمعات التى أصبح التطرف جزءًا من تركيبتها، فالتطرف نتيجة انغلاق وانعزال، علاجه يكمن في التحرر والتواصل مع الثقافات الأخرى.
ديناميكية التغيير الثقافى ضرورة للتحول من أجل دور أكبر للفنون في مواجهة الإرهاب، فالثقافة مرآة المجتمع وبابه نحو التنمية والتقدم الحضاري، فسياق التعبير الثقافى والفنى هما الأداتان الرئيسيتان لمواجهة العنف والتطرف.
"
من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟

من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟