رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

الحوار الأخير للأمين العام لاتحاد الأدباء والكُتَّاب العرب لـ« البوابة نيوز».. «حبيب الصايغ»: الشعر سيد الإبداع والرواية أصبحت موضة.. لم أعش طفولتى.. وأحببت كونى شاعرًا وصحفيًًّا

الأربعاء 21/أغسطس/2019 - 05:33 م
حبيب الصايغ
حبيب الصايغ
سمية أحمد
طباعة

تنشر «البوابة نيوز» الحوار الأخير للشاعر الإماراتى الراحل حبيب الصايغ، الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب، الذى رحل عن عالمنا صباح أمس الثلاثاء، وتناول فى حواره خلال زيارته مؤخرًا للقاهرة الكثير من الجوانب الشخصية والإبداعية فى حياته، والأفكار والهموم التى كانت دومًا تشغل ذهنه حتى لحظاته الأخيرة. للوهلة الأولى قد تنتابك مشاعر مختلطة عندما تشاهد الشاعر الكبير حبيب الصايغ، لاسيما الهالة الكبيرة التى تحيطه والتفاف الكثيرين حوله من أدباء وكتاب وشعراء، فتفكر حينها بأن المنصب الذى يتولاه هو الذى يدفع هؤلاء لهذا التدافع!!.. لكن حقيقة الأمر على غير تلك المشاهد التى ستجدها فى المؤتمرات والمنتديات والاحتفاليات، فستجده إنسانًا بسيطًا هادئًا مليئا بهموم العالم العربي، لديه شجاعة كبيرة، مقدسًا للحرية والمرأة والموت، والذى يعتبرهم من تيماته الشعرية، بدأ مشواره الصحفى مبكرًا جدًا، ولم يعش طفولته، محبًا للتفرد، وتستشف من خلال حديثك معه أنه يجب أن تصمت وتدعه ليتحدث لأنك لن تمل من حديثه أبدًا، بل لن تريده أن ينتهى وتكمل معه حتى ساعات الصباح الأولى، وكان لـ «البوابة» حديث مطول مع الشاعر الكبير حبيب الصايغ خلال زيارته القصيرة مؤخرًا لمصر تحدث فيها عن البداية والنشأة والشعر وعالم الصحافة والأدب.

الحوار الأخير للأمين

فى البداية هل تحدثنا عن النشأة والمسيرة الصحفية؟

- بدأت مشوارى الأدبى والصحفى مبكرًا جدًا، وقضيت فيهما معظم عمري، فكتبت الشعر ونشرته منذ أن كان عمرى ١٢ عامًا، ودخلت عالم الصحافة وعمرى ١٣ عامًا، وتم تعيينى كمحرر فى جريدة الاتحاد بقرار من الشيخ زايد، فكان والدى صديقًا للشيخ زايد وكان يعمل معه، وعندما ذهبت لاستلام العمل وجدت المسئول عن الجريدة وقتها كان يريد تعيينى كمساعد محرر، وهذا ما رفضه وقتها راشد عبدالله النعيمى وكيل وزارة الإعلام والثقافة فى الإمارات فى تلك الفترة والتى تولى منصب وزير الخارجية لمدة طويلة وأصر على تعيينى كمحرر حسب القرار الذى اتخذه الشيخ زيد، وبالفعل عينت كمحرر، ولكن بدون دوام رسمي، وبعد الانتهاء من الجامعة تم تعيينى كمدير للإعلام الداخلى بوزارة الإعلام، ونائب رئيس تحرير جريدة الاتحاد، وبعدها تدرجت فى العمل الصحفي، وتقلدت مناصب عدة كمدير تحرير ورئيس تحرير، حتى وأنا رئيس تحرير لم أتخل عن العمل الميداني.

ففى الفترات التى كنت أعمل فيها أخبارا كنت حريصًا أن أعمل انفرادا دائمًا، فأنا أحب العمل الصحفي، وأعتقد أنها هذه ملكة أخرى غير ملكة الشعر والأدب، وليس بالضرورة أن يدخل أى شاعر أو أديب أن يدخل عالم الصحافة أو أن موهبته فى الشعر تصور له ذلك، فمهنة الصحافة تتطلب استعدادات ومتطلبات أخرى.

فلا يمكن أن ينجح أحد فى العمل الصحفى وهو لا يحب الأخبار، والتفرد، فكنت دائمًا فى عملى الصحفى أحب التفرد والانفراد، وأن الشخص غير الذكى لا يدخل عالم الصحافة، لأن الصحافة مهنة ذكاء بالدرجة الأولى، والذى يتفوق فيها من يستطيع أن يلتقط اللحظة الومضة «اللقطة»، فإذا كانت الصفحة الأولى فى أى جريدة صحراء أو بدون عشب، تًعد صفحة فاشلة، لذلك الصحفى الذكى هو الوحيد الذى يتصدر اسمه فى الصفحات الأولى لأى جريدة، ومن تجربتى الشخصية كنت فى المؤتمرات الصحفية الكبرى عندما يكون لى تساؤل هام وخطير كنت لا أسئله أمام الناس، ولكننى كنت أقوم بالاتصال بالمسئول بعدها فورًا حتى أحصل على السبق والتفرد، فكنت أحب العمل فى الأخبار والمحليات حتى بعدما توليت بعض المناصب القيادية بالصحافة كمدير تحرير أو رئيس تحرير، كنت عندما أشاهد أى صحفى أو حتى مصور تابع لإحدى الجرائد الأخرى فى المكان الذى أتواجد فيه كنت أصاب بـ «قشعرير» وغيره شديدة، فحب التفرد معيار فى تقدير نجاح الصحفي، وأن يستطيع كتابة ما لا يقدر عليه الآخر، وهذا التفرد ينطبق على الشعر أيضًا، ففى رأيى أن سر النجاح فى الشعر أو أى عمل أدبى أن يكون التفرد معياره.

الحوار الأخير للأمين

ماذا عن تجربتك الشعرية ودخولك العالم الأدبي؟

- أول عمل شعرى لى نشرته كان قصيدة طويلة بعنوان «هنا بار بنى عبس الدعوة عامة» فكانت القصيدة تُعيد سيرة عنترة بن شداد وتقرأها من جديد، وليس من منظور أنه بطل، ولكن من منظور آخر فكنت أراه لا ينشد حرية الآخرين، وإنما ينشد حريته الشخصية أما باقى العبيد فكان لا يعيرهم اهتمامًا ويبحث عن مجده الشخصي، فعملت على هذه القصيدة لمدة عامين وكنت فى سن مبكرة جدًا وبالتحديد فى أواخر فترة السبعينيات، وفى إحدى الليالى كنت أكتب فى القصيدة وجاء فى خاطرى الجملة الشعرية «تشاغلنى البيد فى ذروة الوحدة العاقلة» فوجدت أن هذه الجملة هى مطلع القصيدة وأن ما كتبته خلال العامين السابقين يجب أن ألقيه فى سلة القمامة، وهذا ما حدث بالفعل وبدأت من جديد فى كتابة قصيدة «هنا بار بنى عبس.. الدعوة عامة»، ويمكن أن نقول هنا إن كتابة الشعر ليس «لعبة» لذلك أحاول أن أكون جديدًا وأن أقول ما لم يقله أى أحد قبلي، ولا يمكن أن يقوله أحد غيري، ودائمًا ما أقوم بتحدى نفسى فى الكتابة، والخروج بكل ما هو جديد، وأن يكون شيئًا مثيرًا للدهشة دون أن يكون هذا متعمدًا لإثارة الدهشة، ولا أكون مفتعل الموضوع وأن تكون الدهشة تلقائيًا وأن يكون هناك تجريب دائم وشكل جديد ومضمون جديد، ولذلك أنا أكتب بالأشكال الشعرية الثلاثة القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وهذا مهم فأنا فى رأيى «أنه ليس هناك شكل شعرى يقوم بإلغاء شكل آخر» وهو ما أقوم بالتنظير له دائمًا، فأنا لست مع من يقوم بالسخرية من بعض الأشكال الشعرية، فهذا ليس بحقيقي، فالشاعر العربى الحقيقى والذى لديه مشروع شعرى هو الذى يكتب بكافة أشكال الشعر وهذا لا يجعل الآخرين ليسوا شعراء.

فأنا أكتب القصيدة العمودية مستفيدًا من أدوات الحداثة التى أمتلكها، وأكتب قصيده النثر وفق بنية، لأن الملاحظة الآن فى قصيدة النثر أن البعض لا يفرق بين قصيده النثر والنثر نفسه، فهناك خيط رفيع يفرق بين النوعين، فحين أغمض عينى وأستمع إلى إحدى قصائد النثر أستطيع أن أفرق إذا كان هذا شعرًا أو نصًا نثريًّا وهذا ما يجب أن يتلمسه الشاعر والمتلقى أيضًا.

لماذا لم تصدر لك أى مؤلفات منذ فترة طويلة؟

- أنا مُقل فى كتابة الشعر وأعتبر هذا ميزة لأننى بدأت فى كتابة الشعر منذ عام ١٩٦٨، منذ أكثر من خمسين عامًا أصدرت خلالها ثلاث عشرة مجموعة شعرية منها مختارات وهذه لا تحسب، وغيرى بدأ منذ ٢٠ عامًا ولديه مجموعات تتخطى المائة مجموعة شعرية، فأنا أخاف كثيرًا من نشر الكتب، فلدى كتاب أقوم بتأجيل نشره فى المعارض والتى تجد فيها كُتابا وشعراء لهم أكثر من إصدار، فلدى كتاب له أكثر من خمسة معارض كتب، أخاف من نشره لأننى أريد أن أجود فيه أكثر وأكثر.

فهناك فرق كبير بين كتابة المقال أو افتتاحية لإحدى الجرائد، والعمل الإبداعى والفنى والذى لا يأتى بقرار شخصى من المؤلف، فأنا عندما أقوم بكتابة قصيده حب يجب أن أحب فى الحقيقة ولا أفتعل الحب.

الحوار الأخير للأمين

ماذا عن المرأة فى حياتك وكيف تراها؟

- المرأة بالنسبة لى هى الكتابة وهى الحياة، وأنا لا أقول هذا حتى يقال عنى أننى مع المرأة أو مع حريتها، فهذه هى الحقيقة فأنا عندما أكتب تكون المرأة فى ذهنى حتى عندما أكتب للوطن، فعندما كنت صغيرًا، كان أول قارئ لى والدي، فكنت أرى نجاح كتاباتى أولًا فى عينيه، ولكن على أبد الدهر أرى نجاحى فى عيونى كل امرأة.

كما أن هناك تيمة مهمة جدًا فى شعرى وهى الموت فكتبت قصيدة نشرتها فى ٢٠١٢ بعنوان «أسمى الردى ولدى»، وكأن الموت مرادفا للحياة وكأنه مرادف للحب.

كيف ترى واقع الشعر العربى وهل فقد شعر التفعيلة بريقه؟

- هذه المقولة غير صحيحة فكل الأقاويل التى تتداول بشأن فعل التفعيلة مثل هبط ونزل وتراجع.. إلخ، كل هذا إرسال ماضوى، ففى الإمارات على سبيل المثال ستجد هناك من يقولون إن جيلنا بلغ ذروته فى جيل السبعينيات وبداية الثمانينيات، وأنا رأيى معاكس تمامًا لهذه المقولة، فأنا أرى أن الأجيال المتعاقبة هى الأفضل وأن جيل التسعينيات والألفية الثالثة والعقدين الأول والثانى أفضل إماراتيًا وبالتأكيد أفضل مصريًا وبالتأكيد أفضل عربيًّا.

ففى الإمارات فى فترة السبعينات لم يكن لدينا أى جامعات، أما الآن فهناك أكثر من مائة جامعة، فالقائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه الله – عندما بدأ فى تأسيس الدولة اعتمد على ٤٥ خريجًا جامعيًا وهم من تولوا القيادات وهم الدبلوماسيون ورؤساء الدوائر، أما الآن فلدينا مئات الآلاف من الخريجين، ووقتها لا يوجد تقدم ولا تقنيات ولا أبراج.. إلخ، لاسيمًا بعد ذهاب البعثات العلمية لمختلف الدولة الأوربية والأمريكية فى شتى المجالات كالعلوم والآداب والفلسفة واللغات.. وغيرها، فلا شك أن هذا كله لم يؤثر على حركة الثقافة، فمن يقول إن الأول كان الأفضل فهو لا ينظر للمسألة بشكل موضوعى وأكيد أن أى شاعر أو باحث والذى يستطيع عبر الإنترنت الحصول على أى معلومة فى لحظة سيكون أفضل منى وأنا أتلمس خطى الشعر فى السبعينيات ولا يوجد أى من تلك الوسائل التكنولوجية الحديثة.

فبالتأكيد لو كان المتنبى حاضرًا فى العصر الحالى - وهو الذى كان يخرج من الكوفة إلى حلب إلى مصر سيرًا على الأقدام - وركب طائرة وجعلته يتحرك بين هذه الدول، بل يتحدث مع سيف الدولة عبر الموبايل أو مع كافور وهو فى الكوفة فبالتأكيد أنه كان سيكتب قصيدة أفضل بكثير من قصيدته، فهناك ظروف وملابسات محيطة بالإنسان لاسيما البيئة وهى التى تؤثر عليه، وتجعله أفضل، لذلك لا يمكن القول إن الماضى أفضل من الناحية العلمية.

الحوار الأخير للأمين

هل حقًا هناك أزمة فى طباعة الدواوين الشعرية.. وما صحة مقولة «الشعر ليس له سوقا» كما يدعى بعض الناشرين؟

- أولا يجب أن نفرق هنا بين موضوعين أن الناشر لا يرضى بطباعة الدواوين الشعرية شيء، وأن الشعر ليس له سوق شيء آخر، فهناك بعض دور النشر لا تقوم بطباعة الأعمال الشعرية وهذا صحيح، أما موضوع الشعر ليس له سوق فهذا يعتمد على طريقة التسويق ومَنْ الشاعر؟ وأهميته؟ فأنا أعتقد أن هذه أيضًا أكذوبة أو إشاعة مغرضة.

ففى السنوات الأخيرة كانت الأجواء لصالح الرواية لدرجة أنهم كرهونا نحن الشعراء بالرواية والروائيين، وأقول هذا وأنا الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب، فالرواية أصبحت موضة وأصبح يكتبها أى شخص، وهذه مصيبة أو كارثة، وهناك من أساءوا لأنفسهم، كما أن هناك شعراء كثيرين عندما شهدوا موضة الرواية قالوا ندخل فيها، أما بالنسبة لى أفضل أن أكون شاعرا درجة أولى أفضل من أن أكون روائيا درجة ثانية أو ثالثة أو عاشرة، فأنا أحب أن أكون شاعرًا.

فلدى مجموعة جديدة سيتم إصدارها قريبًا تحت عنوان «العصفورة فى بلد الطيور»، وهى مجموعة مقالات فنية «نصوص»، من التى كنت أكتبها فى بعض الجرائد، وهى ليست مرتبطة بزمن معين، وبها قيمة فنية، فأنا ضد من يقوم بنشر أعمدته اليومية والتى تتناول موضوعات مثل حفرة فى شارع أو قرار لمسئول ويقوم بجمعها ووضعها فى كتاب، ولكن من يكون قيمة فنية لا بد أن يبقى، فهذه المجموعة تضم نحو ١٥٦ نصًا، كل نص فيها له قيمة فنية، فبعض هذه النصوص عند قراءتها يمكن أن يتم تصنيفها كقصص قصيرة، فأنا لا أوافق على أن يتم تصنيفى كاتبا للقصة القصيرة، ولا أوافق على تسميتها قصة قصيرة لأنى وأنا أقوم بكتابتها لم يكن فى ذهنى هذا التصنيف، وأنه ليست هناك قصة قصيرة تخرج بالصدفة حتى لو الآخر فكر فى أنها قصة قصيرة، فأنا لا يمكن أن أصنفها على أنها قصة قصيرة، فهناك ٤٠ نصًا ضمن هذه المجموعة يمكن تصنيفها على أنها قصة قصيرة، فأنا لو أخرجتها من المجموعة ووضعتها بكتاب منفرد وقمت بتصنيفها على أنها قصة قصيرة سأكون ظالما لنفسي، حتى لو قاص قام بتسميتها بـالقصة القصيرة، فحينما كنت أكتبها لم أكن بهذا الوعى على أنها قصة قصيرة وأنها كانت مجرد مقال فني. أما الكتاب الآخر الذى أعكف على الانتهاء منه وهو تحت عنوان «امرأة» فهذا أيضًا نص مفتوح وليس به أيّة عناوين أو فصول، ولكنه نص كبير عن المرأة، والمرأة الموجودة به ليست واحدة، وبه خليط من الجنون وليس به شعر، فكله مكتوب بطريقة النثر، لكنه نثر غير عادي، لذلك قمت بتسميته «نص».

كيف ترى الحركة النقدية المصاحبة للأعمال الأدبية؟ وهل هى حقًا تعانى بشكل كبير؟ وماذا عن النقاد فى الوقت الحالي؟

- يفترض أن هناك نقادا ولكنهم للأسف انشغلوا عن النقد الذى نريده، فهناك نقاد موجودون بالجامعات، وهناك نقاد كثيرون وباحثون ينتهى دورهم بمجرد حصولهم على درجة الدكتوراه، وهناك نقاد مشغولون عن الإبداعات الحاصلة، كما أنه لا يوجد أيضًا النقاد المبدعون، ومعظمهم يتناولون النقد كمجرد وظيفة، وأن القليل منهم للأسف من ينظر إلى النص النقدى كإبداع، كما أن هناك خلطا فى سوق النقد، وهناك مجاملات كثيرة للأسف أيضًا، فنحن فى حاجة ماسة إلى حركة نقدية حقيقية تقول لكل شخص ما هو الذى يكتبه؟ وما هو حجمه الحقيقي؟ حتى لا يخرج لنا أشخاص لا نعرف حجمهم، ولا القارئ يعرفهم بشكل جيد.

الحوار الأخير للأمين

هل ترى أن اللغة النقدية بعيدة عن اللغة المفهومة؟

- بالفعل هذا صحيح، يمكن أن نكون فى حاجة إلى وجود نظرية نقدية تناسبنا أكثر، وتكون نابعة من لغتنا ومعرفة حول كيفية تفكير كل عربى فى بلده، فنحن جميعًا عندنا لغة عربية واحدة بلا شك، ولكن لغتى أنا كإماراتى فى الكتابة تختلف عن اللغة المصرية.. وهكذا، فالبيئة لها تأثير كبير، كما أن هناك إشكالية حقيقة خاصة بالنقد، ولهذا تتبعها إشكالية أخرى وهى معرفة مَنْ مُهم؟ ومن هو أقل أهمية؟.. وهكذا، فنجد الآن هناك العديد من يطلقون على أنفسهم لقب الشاعر الكبير!، والمصيبة الكبرى أن أولويات الإعلام العربى مختلة، وأولويات الإعلام الثقافى فى السنوات الأخيرة أصبحت مختلة هى أيضًا، فأنا لم أفهم مطلقًا موضوع عدم نشر النصوص فى الصحف، وللأسف أن معظم الصحف العربية تتخلى عن نشر النصوص الإبداعية، وهذا ما يجعل نشر النصوص مقتصرًا على الدوريات الثقافية التى لا يقرأها أحد!، بل يتراكم عليها الغبار، وللأسف أن الصحافة الثقافية لم يعد لها أولوية فى الإعلام العربى فى الوقت الحالي، فكان وضعه أفضل فى أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، فالتجربة الإماراتية على سبيل المثال كانت الشخصيات الهامة هو المبدع والمؤلف والشاعر فى الصفحة الثقافية، أما الآن فالمسئول الذى يحضر الفاعلية الثقافية هو الشخصية الهامة، فلو افترضنا أن شاعرًا مهمًا قام بعمل أمسية شعرية ولم يحضرها شخصية مسئولة سيتم الحديث عنها على عمودين، أما إذا حضرها أحد المسئولين فستتصدر الصفحة الأولى، وهنا يكمن الخلل، فالمسئولون لهم منا كل التقدير ولكن لهم صفحاتهم، ويجب أن تكون الصفحات الثقافية للكتاب والمبدعين.

كيف ترى جائزة البوكر العالمية فى الرواية العربية؟

- أنا لدى ملاحظات كثيرة على جائزة البوكر على الرغم من أن الإمارات تقوم بتمويلها، ونحن فخورون بذلك وهذا جزء من دعم الإمارات للجوائز وهى اليوم قائدة فى الوطن العربى ثقافيًا، ولكن لى ملاحظات كثيرة عليها من الناحية الفنية، كثير من الذين فازوا بجائزة البوكر عندما أحاول قراءة رواياتهم عندما أصل للصفحة العاشرة أقوم بغلق الكتاب، ولا أستطيع إكمالها، فأنا لا أشكك فى نوايا لجان التحكيم بالعكس، ولكننى أعتقد أن الرواية العربية فى مأزق، وأن المشهد احتفالى بالرواية أكثر من أنه وعى بالراوية الحقيقية، فكثير من المرات أتوقع فوز أحد الكتاب، وأجد الجائزة أتت على غير التوقع، وللمرة الثانية لا أشكك فى لجان التحكيم فلهم منى الاحترام والتقدير ولكن بالنسبة لى لم تكن الروايات التى فازت مقنعة، وللأسف فى بعض الأحيان هناك من يتقنون الفوز بالجوائز، كما أن طريقة تشكيل لجان التحكيم تؤدى إلى فوز شخص وعدم فوز شخص آخر أحيانًا.

كما أنه فى بعض الأحيان تكون هناك معايير جغرافية فى حصد الجوائز، فلو فاز مصرى فى سنة، وفى العام التالى تقدم للجائزة مصرى لا يفوز، تجد هناك من يقول إن مصريا فاز فى العام الماضي، وهذا ليس له علاقة، وأن الأهم هو العمل.

هل يمكن القول إن هناك بعض الكُتاب يحترفون الكتابة لحصد الجوائز «الكتابة حسب الطلب»؟

- أعتقد أن هذا صحيح، فهناك كتاب شطار يحترفون الكتابة، فمن الممكن أن نقول إن هناك كُتابا حسب الطلب وشعراء حسب الطلب وهذا موجود فى كل عصر، لذلك فإن الكُتاب المتميزين قليلون فى كل هذا، فعلى سبيل المثال عدد الشعراء العرب الحقيقيين، كم عدد الأدباء؟ كم عدد الصحفيين؟ فمن الممكن أن يكون هناك مؤتمر به أكثر من ٥٠٠ صحفى لا تعرف منهم سوى ثلاث أو أربعة، وللأسف هذا موجود، فمثلا مواصفات الصحفى التى تحدثنا عنها فى البداية تنطبق على كام صحفى موجود الآن؟.

فهناك تقصير لدينا فى عملية مد الجسور ومعرفة الآخر، ففى السنوات الثلاث الأخيرة حضرت بمعرض القاهرة الدولى للكتاب، فى بعض الندوات، فأجد شاعرا مصريا عمره ٨٠ و٨٥ عامًا وللأسف لا أعلم عنه شيئا وشعره أكثر من رائع، فمن ألوم؟ ألوم نفسى وألوم الجهات المسئولة فى مصر وألوم الصحافة وألوم العالم كله لأننى لم أعرفه من قبل، بينما تجد هناك شعراء يشتغلون على أنفسهم إعلاميًّا وكأنهم مؤسسة وأشعارهم أى كلام، فالكل هنا مَعنِي، فأنا أتعب ويزعجنى الشاعر الذى لا يشتغل على نفسه إعلاميًّا، وأهتم بالوصول إلى القارئ أو أن القارئ يفرض عليَّ الطريقة التى أوصل بها إليه، لذلك الشاعر عليه أن يحاول الوصول ويجب أن تتغير الصورة النمطية التى يظهر بها الكاتب والشاعر فى الأعمال الدرامية.

"
هل تتوقع إجراء انتخابات مجلسي النواب والشيوخ المقبلة في وقت واحد؟

هل تتوقع إجراء انتخابات مجلسي النواب والشيوخ المقبلة في وقت واحد؟