رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
د. السعيد عبد الهادى
د. السعيد عبد الهادى

الطب البديل وغياب الرقابة

الخميس 22/أغسطس/2019 - 08:27 م
طباعة
أصبح الطب البديل أو التكميلى سوقًا رائجة فى كل دول العالم، وفى دراسة حديثة فى الولايات المتحدة الأمريكية، منشورة فى دورية الأمراض الباطنة، رقم ١٧١ لسنة ٢٠١٩ (١٩٠-١٩٨)، تبين أن حوالى ٣٠٪، من البالغين يلجأون إلى العلاجات البديلة، ويصرفون أكثر من ٣٠ مليار دولار، على التداوى بالأعشاب والمكملات الغذائية التى لاتخصع لأى قواعد طبية أو بحث علمي، بالمقارنة بالطب التقليدى المبنى على البحث والدليل والتجربة. 
وأصبح للطب البديل مافيا دولية، وسوقًا رائجة تشمل قنوات تليفزيونية وأكثر من ٤٠ مليون موقع على الشبكة الدولية للمعلومات، تبيع الوهم والكذب والدجل والأمل فى العلاج لملايين المرضى الذين يأسوا من الطب التقليدي، أو فضلوا العودة إلى الطبيعة، وانساقوا وراء الأمل المفقود.
فما هى حكاية الطب البديل؟، وكيف تطورت طرق الطب البديل لتصبح سوقا رائجة؟. أسئلة نحاول الإجابة عنها فى هذا المقال.
وفى تاريخ تطور الممارسات الطبية، سواء فى الحضارة المصرية القديمة أو فى الصين أو الهند، كانت دائمًا هناك طرق علمية تم اكتشافها بالتجربة والملاحظة، أو حتى بالصدفة البحتة، ولكن تم ايجاد تفسير علمى لها، وكانت هناك طرق بديلة دون أى أساس علمي، وفى الغالب كانت موروثات اجتماعية أو طقوس دينية. وتميز الطب عند قدماء المصريين باتباع الأسلوب العلمى التجريبى أكثر من الصين والهند، والذى اعتمد على الأعشاب والتدريبات النفسية والعصبية ومراكز الطاقة فى الجسم والطقوس الروحية وفوق الطبيعية. 
ونظرًا لانتشار الطب البديل بعيدًا عن أعين الأطباء، ودون أى أساس علمي، أو رقابة من المؤسسات العلمية، فقد أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية المركز القومى للطب البديل والتكميلي
(National Center for Complementary and 
Integrative Health) منذ سنة ١٩٩١، وذلك فى محاولة لدراسة الطرق البديلة بأسلوب علمي، ومحاولة الاستفادة منها وإدخالها فى طرق العلاج وفى مناهج كليات الطب، أو التوعية بأضرارها وحماية الإنسان منها إذا كانت ضارة. وانتقلت الفكرة إلى أوروبا، وأصبح هناك اهتمام بالطب البديل، وأن يظل تحت المراقبة والمحاسبة، لكى لايترك الإنسان فريسة لمافيا الاتجار فى طرق النصب باسم الطب البديل.
وتتنوع طرق الطب البديل من بلد إلى آخر، وبصفة عامة تنتشر فى البلدان الآسيوية والأفريقية، التى لاتوفر العلاج أو التأمين الصحى لمواطنيها، مما يجعل المرضى يلجأون إلى الطرق البديلة الأقل تكلفة، والأكثر انتشارًا فى المجتمعات الأقل تطورًا.
ومن أشهر الطرق البديلة العلاج بالأعشاب، والطب الصينى مثل الإبر الصينية، والطب الهندى القديم مثل الأيورفيدا، وكليهما يعتمد على طرق فوق طبيعية، والتدريبات النفسية والعصبية مثل اليوجا والتأمل، الارتجاع البيولوجى إلى الطبيعة، والتنويم المغناطيسي، والعلاجات الغذائية باستخدام الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة، وكذلك الطرق البدائية لعلاج الانزلاق الغضروفى واعوجاج العمود الفقري، وغيرها من الطرق البديلة لعلاج معظم الأمراض من الألم المزمن إلى السرطان المتقدم.
وقد استغل النصابون والدجالون غياب المراقبة وأضافوا بعدًا دينيًا لطقوس الطب البديل، تحت اسم الطب النبوى فى المجتمعات المسلمة، والعودة إلى الطبيعة ومقاومة الأمراض بدون أدوية فى المجتمعات الغربية.
والعلاج بالأعشاب معروف منذ زمن قدماء المصريين، وأتذكر وأنا طفل فى ستينيات القرن الماضي، عندما كانت جدتى رحمها الله، تغلى لى أوراق النعناع الأخضر لعلاج المغص والإسهال، وأوراق الجوافة لعلاج الكحة، وكذلك كانت تعد ليً فنحان قهوة لعلاج الصداع، وقد تبين أثناء دراستى للطب فيما بعد، أن النعناع الأخضر يحتوى على البلادونا التى نعالج بها المغص، وأن الكافيين الموجود فى القهوة يعالج الصداع. وهناك أعداد هائلة من الأدوية تم استخلاصها من النباتات، أو تم تنقيتها فى المعامل وفصل المادة الفعالة كما هو متبع فى مجال الصيدلة.
وحاليا، تجتاح مصر والعالم موجة تطالب بالعودة للطبيعة سواء فى الغذاء أو الدواء. وجدير بالذكر هنا أن موجة العلاج بالأعشاب قد بلغت ذروتها فى مصر منذ قرابة عشر سنوات تقريبًا، مع إنشاء قنوات فضائية وبرامج تليفزيونية ومشاهير الشخصيات (وهم غير أطباء)، التى تدعو إلى التداوى بالأعشاب، مما استدعى نقابة الأطباء إلى التدخل لوقف هذا الدجل والشعوذة. وانتشرت محلات العطارة فى كل مدن وقرى مصر، وأصبحت تبيع الخلطة السحرية المعدة من الأعشاب لعلاج كل الأمراض بدلا من الصيدليات. والخطورة الحقيقية أن بعض هذه الأعشاب سام ويسبب فشلا فى الكبد أو الكلى إذا تم تناولها لفترات طويلة.
وفى مصر وبعض البلاد العربية، استغل الدجالون الذين أطلقوا على أنفسهم اسم «الأطباء الروحيين»، وبعض المشايخ ضعاف النفوس، طرقا للعلاج بالقرآن، والحجامة، والحبة الزرقاء، وبول الإبل، وغيرها من الخزعبلات المنتشرة فى الريف المصري.
أما عن استخدام المكملات الغذائية مثل الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة (مثل زيت كبد الحوت والاوميجا ٣ وغيرها)، فمن النادر ألا تجد طبيبًا مصريًا لا يكتبها لمرضاه، ولا صيدلية مصرية، أو حتى محلات البقالة، لا تصرفها للمرضى والأصحاء على السواء. 
ومن المعروف أن هناك حالات مرضية، أو حتى فسيولوجية مثل الحمل والرضاعة، تستوجب وصف الفيتامينات والحديد والكالسيوم، إلا أن وصفها للأصحاء بغرض تحسين الصحة أو الوقاية من الأمراض، مثل الأزمات القلبية أو السكتات الدماغية، فقد ثبت عدم جدواها بل وثبت ضررها. 
وبالإضافة إلى أن تعاطى المكملات الغذائية والفيتامينات، دون سبب طبي، تمثل عبئًا إضافيًا على جيب المواطن (يقدر بحوالى ٣٠ مليار دولار فى أمريكا فقط)، إلا أن معظم الأفراد، الذين شملتهم دراسة على قرابة مليون شخص، قد أثبتت عدم وجود أى دليل علمى على أن تعاطى الفيتامينات ومضادات الأكسدة يقلل من معدلات حدوث الأزمات القلبية أو معدل حدوث الوفاة.
وهناك دراسات علمية لتفسير ظاهرة نجاح بعض طرق الطب البديل فى تحقيق نتائج إيجابية لبعض الأمراص، وانتشارها على نطاق واسع عالميا. وهناك عدة تفسيرات لذلك أهمها هو التأثير النفسى (الايحاء) للطرق البديلة (Placebo effects)، أو الشفاء الطبيعى من المرض نظرا لتقوية جهاز المناعة، أو طبيعة المرض الذى يمر بمراحل نشاط وخمول، أو مراحل السرطان المتقدم الذى يفشل فى علاجها الطب التقليدي، واستعداد المريض لتجريب أى طريقة بديلة، لأنه ليس لديه ما يخسره. وفى كل المجتمعات الغربية يوجد رقابة ومتابعة ومحاولة دمج للطب البديل مع الطب التقليدي. 
إلا أن الوضع فى الوطن العربى خطير، حيث لايوجد رقابة أو متابعة من وزارة الصحة أو الأجهزة الرقابية، والأخطر أن هناك مافيا حقيقية، تمتد على طول الوطن العربى وعرضه، تبيع المستحضرات البديلة من أعشاب وكيماويات وخلطات سحرية، وأجهزة جهنمية تعالج كل الأمراض المستعصية التى فشل فى علاجها الأطباء.
ويمكن لأى مشاهد لبعض القنوات الفضائية على النايل سات، أن يشاهد هذه المحطات وهى تبث دعايتها طوال ساعات الليل والنهار، وتقوم بعرض مقابلات مع مرضى فى الريف المصري، يصفون تجربتهم مع الطب البديل، وبأرقام تليفونات وأسماء يمكن بسهولة تتبعها من أى جهة رقابية، والتأكد من أنها تبيع الوهم للمرضى والأصحاء فى الوطن العربي.

الكلمات المفتاحية

"
هل تتوقع إجراء انتخابات مجلسي النواب والشيوخ المقبلة في وقت واحد؟

هل تتوقع إجراء انتخابات مجلسي النواب والشيوخ المقبلة في وقت واحد؟