رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

الأزهر يصدر تقريرا حول اليمين المتطرف في ألمانيا

الأحد 18/أغسطس/2019 - 12:16 م
البوابة نيوز
محمد الغريب
طباعة
أصدرت وحدة الرصد الألمانية بمرصد الأزهر، تقريرًا جديدًا بعنوان اليمين المتطرف في ألمانيا: خطورته وسبل مكافحته"، مشيرة إلى أن مشكلة التطرف هي واحدة من أكبر المشاكل التي تواجهها المجتمعات في عصرنا الحالي، وهي أحد المحاور الرئيسية التي يهتمّ بها مرصد الأزهر، فالتطرف لا يقتصر على مجتمع أو دين أو طائفة بعينها، بل هي مشكلة تعاني منها شتى الأطراف. وفي الوقت الذي نتحدث فيه عن تطرف بعض الأشخاص ممن ينتمون إلى الدين الإسلامي في المجتمعات العربية وهو منهم براء، فإننا نجد في الغرب صورًا أخرى من التطرف، أبرزها التطرف اليميني والتطرف اليساري، وتجد داخل هذه التيارات أطيافًا شتى. 
وفي ألمانيا، أحصت الأجهزة الأمنية في عام 2018 عدد المتطرفين بما يقرب من 132 ألف متطرف، ينتمون إلى مختلف التيارات، في حين بلغ هذا العدد في عام 2017 ما يقرب من 127 ألف متطرف، أي أن هناك زيادة قدرها 5000 شخص، وهي زيادة كبيرة جدًا في عام واحد فقط، وحسبما أوضحت أجهزة الأمن، فإن النسبة الأكبر من هذه الزيادة جاءت في جماعة "مواطني الرايخ" المتطرفة، ثم المتطرفين اليساريين، ولكن الإحصائيات لم تبيّن على وجه الدقة مقدار الزيادة في كل طائفة. 
فجماعة "مواطني الرايخ"، والذي ينتمي أغلب أفرادها إلى اليمين المتطرف، وهم يرفضون الاعتراف بالجمهورية الاتحادية كدولة، يبلغ عددهم حتى عام 2018 حوالي 19 ألف شخص، في حين بلغ عدد المتطرفين اليساريين حوالي 32 ألف شخص عام 2018، بزيادة قدرها ألفا شخص عن العام الذي قبله. 
أما اليمين المتطرف فقد بلغ عدد أفراده حوالي 24 ألف شخص بزيادة طفيفة عن عام 2017م. وعلى الرغم من أن الزيادة في اليمين المتطرف قليلة جدًا عن الأعوام السابقة، فإنه يُعدّ الأكثر خطورة بين جميع هذه التيارت، فقد صرَّحت الجهات الأمنية أن من بينهم حوالي 12700 شخص لديهم ميول للعنف، وهو عدد كبير جدًا. ولذا فقد شدّد وزير الداخلية الألماني "هورست زيهوفر" على تنامي خطر اليمين المتطرف في البلاد وذلك أثناء تقديمه التقرير الأمني السنوي الصادر عن هيئة الأمن الوطني الألمانية. 
لكن الأكثر خطرًا حسب "زيهوفر" هو التطور الحركي لهذه المجموعات والذي بات "مقلقا" بشكل كبير. فحسب الأرقام الرسمية فإن نحو 5500 شخص منخرطون بشكل كامل في منظومة "الحزب اليميني القومي" المتطرف، ونحو 6600 آخرين منخرطون ضمن مجموعات أخرى مثل حركة "مواطني الرايخ" المتطرفة.
وقد حذّر "زيهوفر" بشدة من تعزيز اليمين المتطرف وتواجده المتزايد على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل خاص، وعلى المواقع الإلكترونية بشكل عام، مُتحدثًا عن تطور "نوعي"، ومُقرًّا في الوقت ذاته بضرورة القيام بالمزيد من الجهد لمواجهة خطر اليمين المتطرف.وحسب تقرير "هيئة الأمن القومي" فقد ظهر في المشهد لدى اليمين المتطرف خلال الآونة الأخيرة مجموعات صغيرة، وبعض الذئاب المنفردة، وقد اتّسم عملهم بعدم التنظيم المحكم، وكانت طريقة التعامل بينهم وتبادل المعلومات تحدث بشكل أساسي عبر الإنترنت، وهذا يزيد من صعوبة مراقبتهم، خاصة وأن بعض هؤلاء النشطاء لم ينضموا إلى اليمين المتطرف إلا منذ فترة وجيزة قد لا تتجاوز بضعة أشهر، وقد كانت الموضوعات الاجتماعية مثل 'اللجوء'، و'الهجرة'، و'الإسلام' بمثابة الوقود الرئيسي للأفكار الإرهابية اليمينية في الوقت الحالي. 
وقد صرّح السيد "كونستانتين فون نوز"، عضو لجنة الرقابة البرلمانية في البوندستاج - وهو أحد سياسي حزب الخضر- لصحيفة "فيلت آم سونتاج" أن الخلايا اليمينية المتطرفة تشكل في الوقت الراهن خطرًا على الديمقراطية لم تشهده ألمانيا منذ عام 1945، فقد امتدت أيديهم إلى حكومات الدول الأوروبية المجاورة، وبرلماناتها، حتى وصلوا إلى البوندستاج الألماني، ولم يسلم جهاز الأمن والقوات المسلحة الألمانية من تبنّي بعض أبنائه الفكر اليميني المتطرف.
وعلى الرغم من خطورة اليمين المتطرف كما تبيَّن، فإن وسائل الإعلام لا تتناول خطره وجرائمه بشكل مكثف كما تفعل مع المتطرفين ممن ينتسبون إلى الإسلام، وهو ما لاحظه الصحفي البارز "يورجن تودنهوفر"؛ حيث أشار إلى أن جرائم القتل التي قام بها اليمين المتطرف داخل ألمانيا منذ عام 1990 حتى الآن جاوزت الـ 200 حالة، في حين بلغ عدد حالات القتل التي قام بها المتطرفون المنتسبون للإسلام في نفس الفترة 14 حالة فقط، ومع هذا فإن تحذيرات الجهات الأمنية من هؤلاء، أكثر بكثير من التحذيرات ضد التطرف اليميني.
وهذا أيضًا ما لاحظته الكاتبة الصحفية "فيردا أتمان"، حين طرحت سؤالا في مجلة "دير شبيجل" واسعة الانتشار بتاريخ 11/7/2019، مفاده: لماذا لم يتغيّر شيء في تعامل الإعلام الألماني مع اليمين المتطرف منذ مقتل الصيدلانية المصرية "مروى الشربيني" في عام 2009 وحتى الآن؟ وعلى الرغم من أن مقتل مروى الشربيني كان نتيجة واضحة للعداء ضد المسلمين، فإن الصحافة والإعلام الألماني أظهره وكأنه نتيجة لنزاع في مكان لعب الأطفال، أو لأنها شهدت في المحكمة ضد قاتلها، على الرغم من أنه سبّها ووصفها بالمسلمة الإرهابية. تقول "فيردا أتمان" كان الأولى أن تكتب الصحف أنها قُتلت بسبب عداء اليمين المتطرف للمسلمين.
وهكذا يغضّ الإعلام الطرف عن قضايا العداء ضد المسلمين حتى الآن، فيضع عناوين صحفية لا تصف الأحداث بطريقة صحيحة، ويستخدم لغة تظهر أن الاعتداء على المسلمين ليس بسبب دينهم. وفي حالة "مروى الشربيني" تطرق الإعلام إلى موضوعات جانبية أخرى، وجعل منها أحداثًا رئيسة، مثل حديثه عن تجريم حمل السلاح في ساحات المحاكم، وعدم إبراز دين الضحية، وبيان أن القاتل ألماني من أصل روسي، وهي كلها أشياء تصرف النظر عن حقيقة العداء تجاه الإسلام. فلم يبيّن الإعلام أن "مروى الشربيني" قد استشعرت الخطر من هذا الشخص، وخافت من أن تُقتل بسبب دينها، فتوجّهت إلى المحكمة لتحميها من هذا الخطر، ولكن قتلها هذا المجرم بدم بارد في ساحة المحكمة التي لجأت إليها لتحميها منه، وعندما تدخل زوجها ليحميها ويمنع القاتل من الاستمرار في طعن زوجته، أطلق شرطي الرصاص عليه لظنه أنه هو المجرم، لا لشيء إلا لملامحة الشرقية، وذلك بسبب الصورة النمطية التي شكلها الإعلام الغربي عن المسلمين في عقول الشعب.
وهكذا واصل اليمين المتطرف ارتكاب جرائمه في تجاهلٍ إعلاميٍّ واضح، إلى أن قام أحد هؤلاء المتطرفين في بداية شهر يونيو 2019 بجريمة قتلٍ بَشِعة، قُتل فيها السياسي الألماني "فالتر لوبكا"، رئيس حكومة مركز ومدينة "كاسل"، بولاية "هيسن" الألمانية، برصاصةٍ في رأسه عندما كان يقف في شرفة منزله. ووفقًا لما أعلنه المتحدث باسم لجنة خاصة شكلتها الشرطة للتحقيق في الحادث، فإن القاتل رجل يبلغ من العمر 45 عامًا وهو ينتمي إلى اليمين المتطرف. كان "لوبكه" المنتمي لحزب المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" قد أسّس مركزًا لاستقبال اللاجئين عام 2015، وهو ما أثار غضب اليمين المتطرف داخل ألمانيا، ومن أقواله "إنّه من الجيّد أن يعيش الإنسان في ألمانيا، وأن يتعلّم من قيمها، فمن يمتثل لهذه القيم فمرحبًا به، ومن لا يمتثل عليه أن يغادر هذا البلد، وهذه هي الحرية التي يتمتّع بها كل ألمانيّ" وبعد هذه التصريحات وترحيبه باللاجئين تعرّض لتهديداتٍ بالقتل عدة مرات من اليمين المتطرف، وظل يعيش تحت حماية الشرطة منذ عام 2015م إلى أن قُتل، وبعد مقتله أبدى أعضاء يمينيون متطرفون فرحهم بمقتله، كما أطلقوا العديد من التعليقات الساخرة بعد مقتله على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد انتقد الرئيس الألماني وعدد كبير من الساسة الألمان ردود الفعل اليمينية المتطرفة على مقتل "لوبكه". 
وفي الفترة الأخيرة اتّخذت الحكومة الألمانية عدة إجراءات لمكافحة اليمين المتطرف بعد أن استفحل خطره، ومن بين تلك الإجراءات كان تصنيفها لـ "حركة الهوية" التي بدأت نشاطها داخل ألمانيا قبل عدة سنوات، وتقدر أعداد منتسبيها بحوالي 600 شخص، والتي تتميز بعدائها وتحريضها ضد الأجانب بشكل عام والمسلمين بشكل خاص، بأنها حركة ذات ميول يمينية متطرفة بشكل رسمي. وقد بدأت بعض الأحزاب بالفعل في التخلّص من العناصر اليمينية المتطرفة بين صفوفها. وقد أطلق الرئيس الألماني "فرانك فالتر شتاينماير" حملة بعنوان "لا للتسامح مع المتطرفين". وبالإضافة إلى هذا فقد نشرت صحيفة "فيلت" أنه تم تسريح بعض العناصر من الجيش الألماني بتهمة الانتماء إلى اليمين المتطرف.
هذا وقد صرح رئيس هيئة الأمن القومي الألماني بضرورة تكثيف المراقبة على اليمين المتطرف، خاصة وأنه ينتهج طرق جديدة في بثّ الأخبار الوهمية والإشاعات على صفحات الإنترنت. ولذا قامت ولايتا "بايرن" و"هامبورج" خلال شهر يولو 2019 بإنشاء وحدات رصد لليمين المتطرف على الإنترنت، لترصد وتتابع ما يقوم به أتباع هذه التيارات عبر الشبكة العنكبوتية بشكل عام، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص، ومتابعة المنشورات التي تتضمن مواد عنصرية أو تدعو إلى الكراهية. وكان من بين الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الألمانية لمكافحة التطرف على مواقع التواصل الاجتماعي فرض عقوبات مالية على هذه المواقع في حالة عدم إزالة أية منشوراتٍ تحضُّ على الكراهية. 
كما أقدمت السلطات الألمانية يوم الجمعة 12/7/2019 على إلغاء حفلٍ موسيقي بولاية "ساكسونيا" لمجموعة يمينية متطرفة. وقد أوضحت السلطات أن الحفل لم يكن مصرحًا به، كما أن بعض الحضور البالغ عددهم 45 شخصًا كان يحمل رموزًا عنصرية على ملابسهم مخالفة للدستور الألماني، وهو ما استدعى فتح تحقيقٍ جنائي بحق اثنيْن منهم. 
وفي وقت سابق قامت الشرطة الألمانية بعدة حملات في مختلف الولايات الألمانية استهدفت خلالها شبكةً من اليمين المتطرف بتهمة الاشتباه في تأسيس منظمة إجرامية، كما ذكرت تقارير إعلامية ألمانية أن عدد مذكرات الاعتقال الصادرة بحق يمينيين متطرفين حتى مارس الماضي تصل إلى قرابة الخمسمائة مذكرة، ويعود أكثر من 85% من هذه الأوامر بالاعتقال إلى جرائم جنائية عامة، في حين تشكل جرائم العنف ذات الخلفية السياسية 2.7%، أو بالأحرى 18 حالة، من أوامر الاعتقال غير المنفذة حتى الآن، والسبب في معظم هذه الحالات يرجع إلى التسبُّب في إحداث إصابات جسدية، أو مقاومة السلطات.
ويرى مرصد الأزهر ضرورة مكافحة اليمين المتطرف؛ حيث إن خطورته لا تقل بحال من الأحوال عن خطورة التيارات المتطرفة الأخرى، وهو أمر كان ينبغي فعله منذ أعوام مضت، فقد بلغ عدد ضحايا اليمين المتطرف في ألمانيا منذ عام 1990 وحتى الآن حوالي 200 قتيل، ناهيك عن عدد الاعتداءات العنصرية الجسدية واللفظية الأخرى. 
وقد حذّر مرصد الأزهر في الأعوام السابقة -لأكثر من مرة- من خطورة التطرف اليميني، آملا أن تسهم الإجراءات التي تتخذها حكومات الدول الأوروبية في الحدّ من خطورته، داعيا الإعلام إلى تسليط الضوء على تلك الجرائم، كما حدث في قضية مقتل السياسي "فالتر لوبكة"، والتي يرجو المرصد أن تكون نقطة تحوّل في طريقة تعاطي الإعلام لهذه القضايا، فالتطرف بمختلف أنواعه هو أمر مرفوض تمامًا، وتجب مكافحته بشتى الطرق لتجنب خطره على الأفراد والمجتمعات.
"
من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟

من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟