رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
ads
ads

الثقافة والدفء والسحر والجمال.. هُنا تونس الخضراء

الإثنين 08/يوليه/2019 - 08:18 م
البوابة نيوز
رسالة تونس: إبراهيم عطا الله
طباعة

تختلط الأجناس فى شوارعها، المآذن فى جهة مُقابلة لأجراس الكنيسة وعلى بعد خطوات من المعبد. ضواحيها تُشبه قُرى الأساطير، يُعطرها عبق الماضي، وأزقتها تنقلك إلى عالم من الإبهار والأسرار. يُحدثك سائق التاكسى فيها عن مؤلفات أديب مصري، ويحكى لك عامل الفندق عن التحول فى أوروبا من عصور الظلام إلى النهضة والتنوير. يُصادفك فى الطريق حفل موسيقى مجانى تُزينه رقصات الجميلات، ويعترضك أحد أبنائها ليعرض عليك حضور حفل مسرحى هادف.. هُنا تونس.

صباح الأحد، فور الوصول لمطار قرطاج، استقبلنا محرز، سائق تاكسى فى أواخر العقد الرابع من العمر، بملامح بشوشة، وابتسامة لم تغب عن وجهه حتى مقر إقامتنا بوسط العاصمة تونس.

بعد وصلة ترحيب أطلقها محرز، قصد خلالها خلط بعض كلمات اللهجة التونسية بالعامية المصرية، تحدث عن أن يوم الأحد هو العطلة الرسمية فى الدولة، بجانب السبت، ما يفسح الطريق أمام سيارته دون توقف، فى سيولة مرورية تامة، حتى إن وقت الوصول لفندق البلفيدير الفراتي، محل إقامتنا، لا يستغرق بضع دقائق، غير أن ما اكتشفناه خلال الأيام اللاحقة أنه حتى فى أيام العمل الرسمية يكاد الزحام أن يختفى من شوارع العاصمة تونس.

مساء أول أيام الإقامة بالعاصمة تونس أصررنا على كسر حالة الهدوء التى تملكتنا فور الوصول للفندق بالذهاب إلى شارع الحبيب بورقيبة، أحد أهم معالم وسط المدينة وأكثرها حيوية، الذى يحمل اسم أول رئيس للجمهورية التونسية، الحبيب بورقيبة (١٩٠٣-٢٠٠٠)، وهو الشارع الشاهد على أكبر مظاهرة فى الثورة التونسية، يوم ١٤ يناير ٢٠١١، وتلتقى فيه العديد من الشوارع الرئيسية بالمدينة مثل شوارع؛ الجزائر وباريس والقاهرة ومحمد الخامس وجمال عبدالناصر.

فى حوالى الحادية عشرة ليلًا بشارع الحبيب بورقيبة تكاد أقدام المارة أن تختفى إلا من تجمعات عائلية وشبابية على استحياء، يُشكل مُعظمها زائرين من خارج العاصمة تونس، يتسارعون على التقاط الصور بجانب تمثال ابن خلدون، الذى صُمم بأحد أطراف الشارع تخليدًا للعالم المشهور عبدالرحمن بن محمد بن خلدون، ابن هذه المدينة العريقة، أو برج الساعة فى الطرف الآخر من شارع الحبيب بورقية، بساحة الاستقلال، وهو الأمر الذى يُفسره لنا، لاحقًا، بعض التونسيين بأن هذا الوقت يُعد متأخرًا جدًا خاصة إن كان فى أحد أيام العطلة الرسمية كيومى السبت والأحد.

الهدوء فى شارع الحبيب بورقيبة يفرض سيطرته بعد منتصف الليل غير أن مرور سيارات الشرطة بين الحين والآخر تكسر حدة هذا الهدوء.

 

«حيوية» شوارع العاصمة

شوارع مدينة تونس نابضة بالحياة نهارًا، المقاهى على جنبات الطُرق تعمل بكامل طاقتها، الحسناوات فى كُل مكان.

ليس غريبًا أن تجد تجمعا شبابيا يرقصون على أنغام إحدى الأغانى التونسية أو الفرنسية أو المصرية بأحد الشوارع، وهو ما شهدناه أمام المركز الثقافى المدرسى محمود المسعدى بشارع الحبيب ثامر، بالعاصمة تونس، حيث الرقص على أنغام أغنية بُشرة خير، لكن الحفلة فى النهاية كانت عبارة عن وسيلة لجمع عدد أكبر من الشباب لحضور عرض مسرحى مجانى داخل المركز.

الحقيقة أن العاصمة تونس صاخبة بالمسارح والسينمات والمراكز الثقافية. تتعدد فيها الأنشطة والعروض الثقافية وتكثُر بنهاية كل أسبوع، حيث تستعد مختلف الفضاءات الثقافية التونسية، وعلى رأسها؛ المسرح الوطنى ومسرح الحمراء والمركز الثقافى المدرسي، لاستقبال جماهيرها بعروض متنوعة بعد أسبوع من ضغوط العمل.

شارع الحبيب بورقيبة نهارًا، وحتى العاشرة مساءً، له صورة أخرى، مزدحمة بالزائرين والجالسين على المقاهى والكافيهات والمطاعم المنتشرة بطوال جنباته. يتوسطه المسرح البلدى التونسي، الذى تم إنشاؤه فى ٢٠ نوفمبر ١٩٠٢ وأُعيد افتتاحه فى ٤ يناير ١٩٠٩، وتصل طاقته الاستيعابية إلى ١٣٥٠ شخصا، وأيضًا توجد كاتدرائية مدينة تونس فى الجهة المقابلة للسفارة الفرنسية، وهى الكنيسة الرئيسية للرومان الكاثوليك بتونس التى أُنشئت فى نوفمبر ١٨٨٠ وأُعيد تدشينها أواخر عام ١٨٩٧.

لعل أكثر ما تتمنى أن يُصادفك، فى حالة أن أصابتك كثرة المشى فى شوارع العاصمة بالإرهاق أو التعب قُرب اختفاء الشمس، هو وجود تاكسى شاغر، لأنها تكاد أن تختفى مع بداية الساعة السادسة مساءً، حيث يبدأ الكثير من السائقين فى الاستراحة، مُتعمدين، على أن يعاودوا الظهور مجددًا فى التاسعة مساءً وهو الوقت الذى تتضاعف بعده فاتورة العداد.

 

«إبهار» السوق التقليدية

إن كنت أحد زائرى العاصمة تونس، وتبحث عن اقتناء هدايا، فإن كُل النصائح توجهك إلى السوق التقليدية أو العتيقة، وهى على بعد أمتار قليلة من تمثال العلامة ابن خلدون بشارع الحبيب بورقيبة، حيث يقع الموقع الأثرى باب البحر الذى يُعد بمثابة البوابة الرئيسية للدخول إلى السوق.

الأمر هُناك أشبه بأنك فى منطقة العتبة أو الموسكى بالعاصمة القاهرة، حيث الأزقة الضيقة والمحال التى تفيض على آخرها بالبضائع، والأجواء التى تأخذك فى رحلة عبر الزمن، وأشخاص من جنسيات مُختلفة تبحث عن عطور وجلود وأقمشة ومصنوعات يدوية عديدة تمثل الثقافة التونسية الخالصة والمنقوشة بالكتابات والزخارف التى تنتمى للنوع الأندلسى والقوطي.

حركة الإقبال على السوق العتيقة لا تهدأ مُنذ بداية الصباح وحتى مغيب الشمس فى السابعة مساءً، فضلًا عن مناداة البائعين المستمرة على الزائرين ترويجًا لبضاعتهم، كما أن الأسعار فى المتناول حتى إن اقنتاء عباية تونسية وشنطة مصنوعة من الجلد قد لا يُكلفك أكثر من ١٠٠ دينار تونسي، لكن لا تستسلم لأول سعر يعرضه عليك التجار وحاول أن تلجأ إلى مهاراتك فى الفصال.

وبجانب الجلود والأقمشة والفخار وهدايا النحاس والطواقي، تشتهر المحال المنتشرة بالسوق العتيقة أيضًا ببيع ما يُسمى بـ«كسوة المطر» وهى عبارة عن لوازم طهور الأطفال فى تونس، وأيضًا ببيع «حمام العروسة» وهى عبارة عن قُفة أو شنطة تحتوى على قبقاب وبعض الفوط والأقمشة التى تلجأ لاستخدامها العروس التونسية حال زواجها.

الجولة بين الأزقة الضيقة، فى السوق التقليلدية، التى تحيطها الأبنية الأثرية والمقاهى الخجولة، ستأخذك إلى جامع الزيتونة، وهو من أقدم المساجد فى العالم العربي، حيث يعود بناؤه إلى عام ٧٣٢م، ثم عالم آخر جميل، مليء بالإبهار، يتمثل فى سوق العطارين الذى يعرض مُختلف العطور والإكسسوارات وتجهيزات العرائس.

 

«جنة» سيدى بوسعيد

هُنا سيدى بوسعيد، حيث الدفء والسحر والجمال. بقعة تونسية خضراء فى أعالى المنحدر الصخرى المطل على قرطاج وخليج تونس تخطف قلبك ونظرك معًا. بيوتها ذات طراز معمارى فريد ببساطته، تسبح فى اللونين الأبيض والأزرق، أبوابها زرقاء بنقوش وزخارف عتيقة غاية فى الجمال.

تقع سيدى بوسعيد شمال شرق العاصمة تونس، على بعد ٢٠ كيلومترا، بينما تفصلها عن مدينة قرطاج حوالى ٥ كيلومترات. يحتضنها البحر من ثلاثة جهات. والوصول إليها يكون من خلال التاكسى الأصفر أو رحلة مُشاهدة مُمتعة لضواحى العاصمة فى الترام الذى يقطع نحو ٢٤ محطة لتجد نفسك أمام رياح الهوى والعشق لتلك البقعة شديدة البيضاء، كعبة السُياح.

يعود تأسيس سيدى بوسعيد إلى القرون الوسطى. وحسب ما ورد فى الموسوعة الرقمية، ويكيبيديا، فإن ضاحية سيدى بوسعيد تُعد أول موقع محم فى العالم، كما تعود تسميتها إلى ولى من أولياء الله الصالحين هو أبوسعيد الباجى (١١٥٦-١٢٣١)، وهو المولود بمدينة باجة القديمة وعاش فى فترة معاصرة للشيخ أبىالحسن الشاذلى ومدفون أيضًا فى سيدى بوسعيد المُسماة باسمه.

ويُلزم المجلس البلدى أهالى سيدى بوسعيد، البالغ عددهم نحو ٥ آلاف شخص، بأن يكون اللون الأبيض هو لون الأبنية، والأزرق لونًا للأبواب والنوافذ، وهى خشبية، تتخذ نقوشها من الطابع الأندلسى وتزينها مسامير على الطراز الإسبانى والمغربي، ولا تخلو أيضًا من تأثيرات إيطالية وإسبانية.

زيارة سيدى بوسعيد لا تكتمل بدون الجلوس على إحدى المقاهي، التى تلتزم بنفس طابع الضاحية، حيث اللون الأبيض والأزرق، لتناول الشاى باللوز، ولعل أشهرها؛ مقهى سيدى بوشعاب والقهوة العالية، والأخيرة مُقامة على حافة المنحدر الجبلي، فى تدرج، وهى من أقدم المقاهى التونسية، تستقطب العديد من الزوار المحليين والأجانب الباحثين عن مشاهد طبيعية لن تفارق الذاكرة أبدًا.

سيدى بوسعيد، بكل ما تتركه من راحة ودفء فى نفسك بعد زياراتها، إلا أنها ليست المزار السياحى الوحيد فى تونس، فالأصدقاء التوانسة يرشحون لك أيضًا مدينة سوسة، المُلقبة بـ«جوهرة تونس»، وهى تبعُد عن العاصمة نحو ساعتين باتجاه الجنوب، وتتمتع بطابع خاص، حيث تنتشر بها الأسواق القديمة التى تعرض مختلف المنسوجات والمصنوعات اليدوية وأسواق التوابل والأسماك، وأيضًا يقطنها المتحف الأثري، الذى يسهُل رؤيته من أى مكان فيها، وهو ثانى أكبر المتاحف فى تونس بعد متحف بارود.

وإذا كنت تُفضل البحر والشواطئ والطقس المعتدل فى الصيف فإن منطقة الحمامات، التى يفصلها عن العاصمة ٦٥ كيلومترا، هى أفضل وجهة يمكنك أن تقصدها، وهى المنتجع الأول الذى يقصده التونسيون لقضاء أوقات الراحة. كما توجد مدينة المنستير، السياحية الهادئة التى تبعُد عن العاصمة تونس نحو ساعتين، وأيضًا مدينة الزيتون، صفاقس، جنوب تونس، التى تمثل الحياة الحقيقية للتونسيين بعيدًا عن الزائرين وضجيجهم، وتفصلها نحو ٣ ساعات عن العاصمة.

 

«حلم» مدينة الثقافة

اصطحبتنى الزميلة التونسية، نهى سعداوي، سيرًا على الأقدام، لمدة دقائق قليلة، من محل إقامتى بالفندق، فى زيارة إلى أحد أهم المعالم الثقافية الحديثة فى العاصمة، وهى مدينة الثقافة التونسية.

إن كنت تهوى السينما فهناك مجموعة من الأفلام التونسية والعربية والعالمية قيد العرض والتجهيز، وإن كنت تهوى المسرح فهناك قائمة من العروض فى انتظارك لا تخلو من مسرح العرائس، وإن كنت تريد الاستمتاع بالحفلات الموسيقية فالساحة العريضة بالمدينة تشغلها حاليًا إحدى الفرق الموسيقية، لكن تذكر أن الثامنة مساءً هو ميعاد انتهاء مُعظم عروض مدينة الثقافة.

هى صرح ثقافى ضخم، أُنشئ على مساحة تُقارب ٢٠ فدانا وسط شارع محمد الخامس، بتونس العاصمة. بدأت فكرة إنجازها بداية تسعينيات القرن الماضي، وانطلقت الأشغال رسميًا فيها فى العام ٢٠٠٦، ورغم تعطل الأعمال مرات عدة إما لأسباب خاصة بالتمويل أو أحداث فترة اندلاع الثورة التونسية، يناير ٢٠١١، إلا أن المدينة رأت النور رسميًا فى ٢١ مارس ٢٠١٨، ليتحقق حلم المثقفين والفنانين التونسيين بعد طول انتظار.

المدينة من الداخل تضم قاعة أوبرا تسع ١٨٠٠ مقعد، ومسرح للجهات يسع ٧٠٠ مقعد، ومسرح للشباب يسع حوالى ٣٠٠ مقعد. كما تضم ٣ قاعات للسينما بسعة تزيد على ٥٠٠ شخص، ومتحفًا وطنيًا للفنون البصرية الحديثة والمعاصرة، والمركز الوطنى للسينما والصورة، فضلًا عن؛ مكتبة متعددة الوسائط ودار الفنانين والمركز الوطنى للكتاب وروضة أطفال وقاعات ثانوية لتمارين الرقص والمسرح والموسيقى ومساحات تجارية ومقاه وبُرج مخصص للقاءات الأدبية.

 

«حرية» المرأة التونسية

للمرأة التونسية شأن خاص، فهى أكثر النساء العربية حصولًا على حقوقها، بضمان النظام القانونى للدولة، أو حتى الممارسات العرفية، ومجلة الأحوال الشخصية التى تُعد من أكثر الأنظمة الحديثة فى العالم العربي. فإن كنت ترى، أو حتى يراودك شك، أن دور المرأة يقتصر على تربية الأطفال والوقوف فى المطبخ ومناصب العمل الصغيرة، هُنا تحديدًا دعنى أنصحك بعدم الدخول فى نقاش، ولو لمدة ثلاث دقائق، مع فتاة أو سيدة تونسية لأن نتائج هذا النقاش لن تسرك أبدًا.

أواخر نوفمبر ٢٠١٨، قامت الدنيا ولم تقعد على خلفية إقرار تونس، رسميًا، على المساوة فى الإرث بين الرجل والمرأة، وبين سواد أعظم معارض وقليل جدًا مؤيد انتشرت الأخبار والتفسيرات والتحليلات والفتاوى فى جميع أقطار الوطن العربي، لكن الحقيقة، وهو ما تلجأ جميع الزميلات التونسيات فى تفسيره، لم يكن هذا الانتصار الذى حققته المرأة التونسية وليد ليلة وضحاها، فهو واحد ضمن مجموعة حقوق تسعى خلفها وتطالب بها مُنذ استقلال تونس فى عام ١٩٥٦.

إحدى الزميلات التونسيات أشارت لى أثناء حديثنا عن المرأة التونسية أن إقرار المساواة فى الإرث لا يعنى إلزام الأفراد بمخالفة ما ورد فى الشريعة الإسلامية، لأن القانون أيضًا يعطى الحق للأب أن يوزع إرثه على أبنائه بالطريقة التى تعجبه، فمن يريد أن يلتزم بما يؤمن به فى تعاليم الدين الإسلامي، للذكر مثل حق الأنثيين، فإن القانون يضمن له ذلك، سواء بأن يلجأ إلى تقسيم إرثه فى حياته أو حتى أن يكتب ذلك فى وصيته، لكن كثيرا من الأمور والأحداث جدت فتطلبت إقرار المساواة قانونًا.

على هامش الدورة الـ٣٧ للجنة المرأة العربية، اختارت جامعة الدول العربية تونس عاصمة للمرأة العربية لعامى ٢٠١٨/٢٠١٩ احتفاءً بالمكاسب التى حققتها المرأة التونسية مُنذ الاستقلال.

الحقيقة أن تونس تمثل نموذجًا، يستحق الفحص والدرس، على مستوى تعزيز مكاسب المرأة وتثبيت حقوقها مُنذ الإعلان عن مجلة الأحوال الشخصية التى صدرت فى أغسطس ١٩٥٦، فترة تولى الحبيب بورقيبة وزيرًا أول، وهدفت إلى إقامة المساواة بين الرجل والمرأة فى عدة مجالات. تونس رائدة فى التشريعات والنصوص الكافلة لحقوق المرأة والمكرسة لدورها كشريك فاعل فى بناء المجتمع التونسي.

"
من تتوقع أن يفوز بكأس أفريقيا؟

من تتوقع أن يفوز بكأس أفريقيا؟