رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
ads
ads
فيصل الأحمر
فيصل الأحمر

في فلسفة الحراك

السبت 15/يونيو/2019 - 07:43 م
طباعة
(فى إطار شبكات التفسير التى حاولنا ونحاول من خلالها تفسير حراك ٢٢ فبراير الجزائرى، أجبت عن الأسئلة التالية)
س١/ «أنا مولع بالسياسة مثلما هى حال المثقفين فى العالم الثالث» جملة قلتها فى كتابك «النوافذ الداخلية» ما علاقة فيصل الأحمر الصريحة بالسياسة، وما دور الكاتب فى التغيير السياسي؟
أنا كاتب سياسى وكائن غير سياسى.. إن جاز لى التعبير بهذا الشكل، أنا مهجوس بالسياسة وقراءاتى واطلاعى ونقاشاتى كلها من هذا القبيل. ولا نقاش ولا حديث لى ولا مقاربة املكها لأى موضوع كان بعيدا عن السياسة، وعن النظرية السياسية أو عن الجانب الفلسفى من أشياء الحياة، ولكننى غير متحزب، ولا ميول حزبية لى، أنصح طلبتى ومعارفى والأصغر سنًا بدخول المعترك السياسى الذى فشلت أنا لأسباب تاريخية فى دخوله، وأنا أعتقد أن من أراد أن يحسن ظرفه وظرف المحيطين به هو الذى يمارس السياسة على صعوبة الوضع فى بلدان العالم الثالث.. وربما يكون دوره أهم من دور الكاتب الذى أصر عليه أنا كثيرًا.. 
قد يكون الظرف التاريخى لمرحلة التسعينيات قد ردع جيلى عن ممارسة السياسة لانغلاق اللعبة السياسية آنذاك..وقد تكون مسألة مزاج.. ولكن الواقع هو أننا أيام شبابى ومرحلتى الجامعية كنا غارقين فى السياسة والنقاش السياسى إلى أبعد حد ممكن.. وهو أثر ثقافى جعلنى أقول ما قلته حول جيلى مما لا ألاحظه على الجيل الحالى الذى لم بتردد فى التعبير السياسى الصريح فى الملاعب الرياضية ثم فى الشارع على هامش الحراك الذى يعد تحفة فنية حقيقية صنعها الشباب اساسا. 
س٢/كسؤال متوقع: كيف بدأ كل هذا؟.. ثم: كيف يبدأ حراك شعبى فى القرن ٢١؟
حينما ظهرت حركة السترات الصفراء فى فرنسا فى أكتوبر ٢٠١٨ وانتشرت عدواها بسرعة فى فرنسا اولا ثم فى دول كثيرة أخرى، كان متوقعا تماما أن نشهد عدوى عالمية للأمر، خصوصا فى ظل انتشار التواصل عبر الشبكات الاجتماعية وما صاحبه من الدعوات للاحتجاج، فكان ذلك قد لعب دورًا كبيرًا فى تغذية هذه الحركة الاجتماعية العفوية فى أصلها على ما يبدو. 
على بلاتوهات التليفزيون الفرنسى كان يحدث أن تسمع أحد ممثلى الحراك الفرنسى يقول مع عميد الفلاسفة الفرنسيين فى الوقت الحالى «إدجار موران» القائل: إنه «غالبًا ما تنفلت الظواهر الخارقة من الكلمات العادية».
أو تسمع معلقًا آخر يستحضر ميشال فوكو الذى يقول: «الرجل المعاصر يعانى من ميراث كبير للتأزم فى الحكم».
وينتج عن كل ذلك نسيج معقد من الأسئلة العالقة:
كيف يتم التحكم فينا ونحن سادة قرار الحكم؟
ما معنى أن أصوت لحاكم؟
ما حدود التمثيل فى البرامج السياسية للعالم الليبيرالى الذى كان كارل ماركس قد حدد مثالبه باكرًا؟
إلى أى درجة يحق «للفرد»؛ هذا الكيان الملموس الصانع «للثروة»، التدخل فى شؤون « الدولة»؛ هذا الكائن المعنوى المسير «للثروة» بآليات لا يفهمها إلا مقربون من الدولة يسمون «الخبراء» أو «المستشارين»؟
أعتقد أن الثورات الجديدة ترتكز كثيرا على الأسئلة التى تشيع فتسكن قلوب الناس لتتحول إلى قلق يبحث عن سبيل واقعية مادية ملموسة لتسجيل نتائج وتحقيق أريحية الإجابات الحقيقية. ومن هنا يأتى دور الشارع. وليس الحراك الجزائرى ببعيد عن هذه الترسيمة.
س٣/ ولكن مسألة الأسئلة لا تجيب عن كل مكامن القلق.. لسبب بسيط فالقلق أقدم من الأسئلة.. ولو كان هذا من تلك ومنها فقط لجأ الحراك قبل هذا بكثير.. ما محرك الحراك برأيك؟
كان السؤال الأول أيام انطلاق الحراك الجزائرى هو: من يقف خلف كل هذا؟
س٣ من هم مسيرو الحراك؟ 
وانطلقت الآراء فى كل اتجاه، مع تفضيل معين للقراءة الأمنية التى تجعل المخابرات هى التى تعمل على تسيير الحراك، الشيء الذى جعل كثيرًا من الفاعلين يتأخرون عن الخرجة الشعبية الأولى، مفضلين التريث والخروج مع موعد الخرجة الثانية.
الواقع هو أننا صرنا نعيش على إيقاع العالم الافتراضى. فقد تقتت واقعنا الفعلى. والناس كانوا فى الحراك يصورون أفلاما حية «live» يتقاسمها الناس بشكل حى ومباشر، وكان ذلك أهم ما كان يحدث، فالفعل الذى نقوم به إنما يكتسب قيمته من المشاركة فى إطار واسع مع المبحرين المتصلين بشكل حى مباشر بعضهم مع بعض، وإلا فإن هنالك شيئا ناقصا؛ وبتعبير غريب آخر فإن الواقع فى غياب البعد الافتراضى يصبح واقعًا ضعيفًا هشًا مائعًا، ولا تكسبه صلابته إلا الفضاءات الأثيرية للانترنت.
س٤/ هى إذن الثورات الشعبية لزمن تكنولوجيات التواصل؟
كيف وصلنا إلى هذا الوضع.. وما مستقبل الحياة السياسية مثلًا بما أنها موضوعنا الملح منذ مدة ؟
الواقع هو أنه منذ بداية عام ٢٠٠٠، كانت الإنترنت تدرك حقيقة أنها تتقدم بسرعة فى الجزء المتقدم من الكرة الأرضية، وكان العالم الغربى فى ذلك الوقت قد شرع فى استخدام تسميات جديدة للمرحلة التاريخية التى كان يمر بها. نذكر جميعًا أن النقاشات الواسعة حول جدوى الإنترنت آنذاك قد ظلت تشكك فى قدرة الإنترنت على إعادة تنظيم الحملات الانتخابية مثلا، وشككت -بشكل أوسع- فى قدرة الإنترنت على تفعيل الفكرة الديمقراطية.
لقد فتحت الأدوات الرقمية المتعلقة بالخدمات العامة للبيع والشراء آفاقا جديدة فى تطوير الديمقراطية الإلكترونية وإعادة تنظيم الحملات الانتخابية مثلًا كواحد من الأدوار السوسيولوجية وحتى الفلسفية لهذا الاختراع الذى كثيرًا ما بدا للناس كأنه علبة سحرية أتت بأسرع مما كنا نتوقع، وأنها أتتنا دون أن نعرف بالتحديد ماذا نفعل بها.
لكن، على الرغم من هذه النجاعة المعترف بها من قبل الجميع لدور وسائل التواصل الاجتماعى، فإن اتجاه السياسيين ولوبيات المال والأعمال والشركات متعددة الجنسيات التى تبقى -سواء من قريب او بعيد، سواء قل الأمر أم عظم- مسيطرة على عمل هذه الوسائل وعلى وضع قوانين لتأطيرها، قد سار فى اتجاه معكوس لأحلام المصممين والمعلقين على هذه الوسائل.. وهذا جانب غير بهيج علينا أن نتزود بالحذر منه، وهو جانب جاء بالموازاة مع توسع الأمر لكى يشمل الناس أجمعين، فالإنترنت خاصة مواقع التواصل الاجتماعى بأطيافها العديدة، خاصة فيسبوك، فضاء قد صار شعبيًا مجانيًا يشكل الكرة الأرضية كلها منذ أعوام ٢٠٠٨/٢٠٠٩.
س٥/ من زاوية الفلسفة التى تمارسها وبلغة الفلاسفة؛ هل يمكننا أن نتحدث عن شيء مثل «الحتمية التكنولوجية»؟
التعبير نبالغ فيه، لكننا لن نخرج عن التصور الماركسى ونحن نستحضر فكرة الابستيمات كما يقدمها لنا ميشال فوكو؛ حزمة من الظروف والأحكام والاختيارات الفكرية والوجدانية، والميول العقيدية والخلفيات التاريخية التى تجر كلها إلى صياغة زمن ما، صياغة الحياة كلها بناء على محددات تجعلنا نعيها من خلال اختلافاتها عن «طريقة فى الحياة» سابقة او لاحقة لهذه التى نكون بصددها، سواء فى سلم القيم أو الأذواق أو العادات المكرسة أو الوجدانات النائمة، فى العيش أو التواجد أو السلوك والتدخل فى العالم، فى الإحساس أو التخوف من الأشياء، وكل ما جرت العادة على تسميته «روح العصر».. 
فى ضوء كل هذا يمكننا أن نتحدث عن البعدين التكنولوجى والتفاعلى (المترابط) للحياة الحاضرة بمثابة «إبستيمة» يمكننا وصف زمنا بالاتكاء عليها. إنه حرى بنا فى الواقع فهم طريقة عمل العالم الذى نعيش فيه، وبعملية ربط صغيرة للتواريخ، سنلاحظ أنه فى ٦ فبراير ٢٠١١، كتب متظاهرون ٢٥ يناير المصريون على ارض ميدان التحرير بالقاهرة الكلمات التالية: «نحن رجال فيسبوك». فى رأى جميع الخبراء المشتغلين على هذا الموضوع، استفاد المتمردون فى العالم العربى فى ربيع عام ٢٠١١ من دخولنا الجماعى فى عصر الشبكات الاجتماعية. سمح لهم الأخير بتنظيم المظاهرات والتحايل على وسائل الإعلام لنشر الصور والشهادات وغيرها من الأدلة على انتهاكات الشرطة.
فى وقت لاحق، فى ضوء النتائج التراجيدية لبعض الحراكات وبعض الثورات المشهودة فى العديد من البلدان، بما فى ذلك مصر وليبيا وسوريا، عاد الحرس القديم إلى الظهور، مدعيين أنه كان من السذاجة أن نعتقد أن العالم الافتراضى يمكن أن يكون لموقع Facebook تأثير طويل المدى على «الحياة الحقيقية».
(إجاباتى عن أسئلة قدمتها الدكتورة وسيلة بوسيس/جامعة جيجل بالجزائر)
"
من تتوقع أن يفوز بكأس أفريقيا؟

من تتوقع أن يفوز بكأس أفريقيا؟