رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

رفعت السعيد "٣".. في حضرة التجديد الديني

الخميس 09/مايو/2019 - 09:11 م
رفعت السعيد
رفعت السعيد
طباعة
عثمان عبدالرحيم القميحي.. ومواجهة الإسلام «المغشوش».. رفض إنكار الوطن كسبيل لفرض وهم الخلافة


رفعت السعيد ٣.. في
حمل المفكر الدكتور رفعت السعيد، على عاتقه محاربة التأسلم وجماعة الإخوان الإرهابية، مستعينا بدراسته للتاريخ، فقدم للمكتبة العربية العديد من الكتب، ودخل إلى عش الدبابير فى قضايا كثيرة، ورصد بعقلية المؤرخ فكر الإخوان منبها إلى أن الجماعة منذ نشأتها وضعت هدف الوصول إلى سدة الحكم، مستخدمين شعارات إسلامية، وتأويلات للنصوص سواء القرآن أو السنة، وأيضًا فتح الراحل الكبير أبوابًا عديدة للاستنارة وتنبيه العقل العربى لنخبة من المفكرين فى تاريخ أمتنا العربية، ونشرت «البوابة» عام 2015 وما تبعها عدة مقالات ودراسات للمفكر الكبير.. نعيد نشرها لتكون أمام القارئ فى هذا الشهر الكريم.


رفعت السعيد ٣.. في
نحن الآن أمام فكرة أو منهج جديد تمامًا، فالكتاب عنوانه «تطبيق مفاهيم الجودة الشاملة على منظومة الدعوة الإسلامية» والمؤلف د. عثمان عبدالرحيم القميحي- الأمين العام للهيئة العالمية لضمان جودة الدعوة وتقييم الأداء» (سنابل للكتاب- ٢٠١٥)، وابتداءً أقرر أنها المرة الأولى التى أسمع فيها عن وجود هيئة عالمية تضطلع، وتحاول بهذه المهمة، وأقرر أنه يبدو غريبًا أن يكون مقر هذه الهيئة أو على الأقل مقر رئيسها د. عادل عبدالله الفلاح فى بلجيكا. 
وعلى أية حال، العنوان شديد الإغراء وهو بذاته دعوة للتجديد مصحوبة بدعوة للتجديد والخروج من مأزق التكرار الممل والالتزام المذل لأفكار تراثية عفى عليها الزمن ويرفضها العقل والعلم، وذلك كله لأن البعض من التراثيين والمتمسكين بكل قديم يزعمون أن «المعرفة الدينية» لا يمكن تجديدها لأنها تختلف عن غيرها من المعارف فهم يزعمون «أن المعرفة الدينية قد اكتملت على يدى جيل الصحابة والتابعين الذين أتوا بالمعرفة الكاملة والتامة فى شئون العقيدة، وأن التمسك بهذه المعرفة هو العاصم من الذلل، بمعنى أن المعرفة الدينية غير أية معرفة أخرى، فهى غير قابلة للتجديد أو المراجعة «يتمسكون بذلك متناسين الآية الكريمة {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} (الأحزاب-٦٧) وآية أخرى {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد/٢٤). وحديث رواه أبو هريرة «إن الله يبعث على رأس كل مائة من السنين لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها»، وقول ابن القيم «من أفتى الناس بمجرد النقل من الكتب برغم اختلاف أعرافهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين».
ونعود إلى الكتاب «تطبيق مفاهيم الجودة الشاملة على منظومة الدعوة الإسلامية»، وكانت هذه المقدمة ضرورية لأنه لا يمكن بحث مفاهيم الجودة أو تجديدها أو صحتها منهجا علميا دون سند من المقدمة السابقة، ونقرأ فى المقدمة «تعانى الدعوة الإسلامية من إشكاليات متعددة، ويعتبر التفكير فى إدخال مفاهيم الإدارة الحديثة والجودة الشاملة فى المنظومة الدعوية نقلة فى تطوير الأداء الدعوة، وتجديد الخطاب الإسلامي، من خلال التأسيس لمنهج علمى فى قياس وتقييم وتطوير المنظومة الدعوية؛ لأن فلسفة الجودة الشاملة تعنى أنها وببساطة منظومة للقياس والتقويم والارتقاء بتحقق من خلالها مبدأ الإتقان والتطوير المستمر والتجديد المتواصل».

رفعت السعيد ٣.. في
وتحت عنوان «إشكالية البحث» تأكيد هذا البحث يتسم بالحداثة والجودة وانعدام الدراسات والبحوث التى تناولت تطبيق الجودة الشاملة فى الدعوة الإسلامية، بالاستناد إلى إدارة الجودة باعتبارها إحدى الفلسفات الإدارية الحديثة. ثم يؤكد المؤلف «أنه لا مكان للعشوائية فى مهمة يرتبط بها مصير الناس عامة فى الدنيا والآخرة ولها ارتباط كبير بتشكيل صورة الإسلام لدى المتلقين سواء أكانوا مسلمين أو غيرهم.. ولأن الإسلام أكد على إتقان العمل والجودة كقيم إسلامية فإن إتقان الدعوة وتجديدها ومن ثم تجديدها أصبح ضروريًا. ولكنه يلاحظ أن الحديث عن الدعوة كعلم مستقل شأنه شأن بقية العلوم المستقرة كعلم الأصول والفقه ومصطلح الحديث تواجهه صعوبة شديدة، ذلك أن علمية «علم» الدعوة لم تكتمل»، ويمايز بين الكاتب بين معطيات محددة، ويجد أن التراث الإسلامى يحيل على مخاطبة المسلم لغير المسلم داعيًا إياه للإسلام، بينما انحسر مصطلح «الدعوة» فى فعل «الوعظ». 
وما فيه من خطاب أيا كان أسلوبه أو ما فيه من محتوى، وهكذا تحولت «الدعوة» من كونها عملية تجديد إلى عملية جزئية مرتبطة بالمهارات الخطابية. ويتداخل المفهومان «الدعوة» و«الوعظ» بما يؤدى إلى قدر من الاضطراب فى تعريف علم «الدعوة». ثم يقول «واستحضارًا للمعنى اللغوى مع المعنى الشرعى نرى أن «الدعوة» يمكن تعريفها بأنها عملية إنسانية منظمة تجمع بن الداعية والمدعو. تدعو غير المسلم إلى حقيقة الإسلام، وتقوم بتجديد فهم الإسلام لدى المسلم. لدعوته نحو مقصد معين. وهنا يدعونا المؤلف إلى التوقف أمام عدة عبارات «فالدعوة إلى حقيقة الإسلام بمعنى الابتعاد بالمسلم وبالإسلام عما هو من غير الإسلام من مفاهيم وانحرافات وعقائد وتصورات تبتعد عن جوهر الإسلام، شكلتها تراكمات تاريخية وقناعات ذاتية، كما يراد به بيان جوهر الإسلام القطعى أو الشرع المنزل، ووجوب تمييز عما يلتبس لما يلتبس؟»، أما عبارة وتجدوه فى حياة المسلم، فهى عمل تجديدى إيحائى بمعانى الدين من خلال تجديد القديم، إذ إن التجديد سنة ماضية من سنن الإسلام. والتجديد فى معناه اللغوى يبعث فى الذهن تصورًا تجتمع فيه ثلاثة معانٍ متصلة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، ويستلزم كل منها الآخر. أولها أن الشيء المجرد قد كان فى أول الأمر موجودًا وقائمًا وللناس به عهد.

رفعت السعيد ٣.. في
وثانيًا أن هذا الشيء أتت عليه الأيام فأصابه البلى وصار قديمًا، والثالث أن ذلك الشيء بتجديده يعود إلى أصل جوهره.
ولم نزل مع كتاب «تطبيق مفاهيم الجودة الشاملة على منظومة الدعوة الإسلامية»، ونحاول مع المؤلف التوصل إلى تعريف لتجديد الدعوة فيقول «إن مجمل مشروع دعوة الداعية هو تجديد للدين وبعثه فى نفوس الفرد والمجتمع، ويقتطع المؤلف من معاجم اللغة تجدد الشيء يعنى صار جديدا، ويقال ثوب جديد أى كأن ناسجه قطعه الآن.
ويقال جدد الوضوء أو جدد العهد بمعنى إعادة الوضوء وتكرار العهد وتجديده. ثم يعود بنا المؤلف ليقول «الدعوة مصطلح عام: أى يعنى تبليغ دعوة التوحيد وأصل الدين الذى هو مسمى الإسلام وإيصاله لمن لم يبلغه أصلا، ثم استخدم فى الدلالة على التجديد الدينى لما انحرف من مفاهيم عن الدين.
وبذلك تكون الدعوة فى حق غير المسلمين بلاغ الإسلام على النحو الذى يفهمونه، أما الدعوة الموجهة للمسلمين فهى عمل تجديدى إحيائي. لكننا نستأذن القارئ والمؤلف معا لننحنى نحو موضوع مهم، وهو الخلط الإخوانى المتعمد فى مفهوم كلمة «الدعوة» فهم لا يهتمون لا بالمعنى اللغوى، ولا بالمعنى الشرعى ولا بالهدف التجديدى، لكنهم يخلطون عن عمد بين «الدعوة» للإسلام الحق وبين «الدعوة» باعتبارها معنى حركيا يمثل جماعة الإخوان. تماما كما يخلطون فى استخدام كلمة «الجماعة» بين جماعة المسلمين أى كل الأمة الإسلامية وبين كلمة «الجماعة» كتنظيم إخواني. وبهذه المفاهيم الإخوانية الملتبسة تتحول «الدعوة» فى يد الجماعة إلى أسلوب عمل ونشر أفكار «الجماعة» التى هى تنظيم الإخوان..
وبعد هذه المداخلة نعود إلى المؤلف الذى يؤكد «أن الدعوة الموجهة للمسلمين تمثل منظومة منهجية متكاملة، ينتج عنها سلوك إنسانى لداعية يحمل مشروعا تجديديا، أو منظومة نهضوية من أجل إحياء معانى الإسلام التى رقت فى نفوسهم فخلت منها حياتهم. وهو مسار أقرب إلى المسار الاجتهادى فى دقته لدى الفقهاء يستخدم فيه الداعية تراكماته العلمية والشرعية، ليتم إنزالها على واقع ما، بعد تحقيق مناط أحكامه المناسبة لمتغيرات الواقع»، ثم يصيح فينا المؤلف قائلا «إن التأريخ الحقيقى لدعوة المسلمين يجب أن يبدأ فى الحقيقة من مسيرة التجديد لأمتنا، وليس بأول ما كتب من كتب المواعظ، وذلك حتى نعيد للدعوة جلالها وقدرها»، ثم يقول وبوضوح تام «إن الدعوة المأمولة اليوم من الدعاة يجب أن تكون دعوة تجديدية فى المساجد والزوايا يصوغها علماء ربانيون تدرس الواقع بعناية لتقدم خطابا حضاريا للناس يتناول شئون حياتهم بدقة، وليس خطابا باليا لا يخرج عن كونه مجموعة من المواعظ التى تقال خلف الصلوات».
ونتأمل النص «خطاب حضارى للناس» وهنا نمايز بين ما أوصانا به الأستاذ الإمام محمد عبده إذ حذرنا من أن هناك إسلاميين، إسلاما صحيحا وإسلاما زائفا. فنختار «الخطاب الحضاري» ونرفض الخطاب الزائف الذى تزعم فيه جماعة الإخوان الإرهابية أنها هى ذاتها، وحركيتها وأساليبها «الدعوة» الإسلامية أو تزعم داعش والقاعدة وغيرهما من المتأسلمين أن ما تدعو إليه من إرهاب وقطع رقاب لمسلمين لمجرد أنهم يرفضون بيعة الظواهرى أو البغدادى كخليفة للمسلمين.
ولكن من يقوم بالدعوة؟ يقول المؤلف «كل مسلم ومسلمة بالغ وعاقل من الأمة الإسلامية مكلف بهذا الواجب»، ثم يعود ليضيف «هو الشخص الذى يخضع لتكوين فكرى وشرعى ومهارى محدد داخل مؤسسات التكوين الدعوى والفكرى بشكل أساسى ودوري». ثم يقول «والإطار العام لموضوع الدعوة هو مشروع إحياء وتجديد وتطوير وتنمية الإنسان المسلم من خلال علاقة إنسانية»، وباختصار «فإن موضوع الدعوة هو الإنسان من حيث هو كائن عاقل متحرك بالإرادة، وهدفها هو تطويره وتنمية ذاته طبقا للمعايير الشرعية».
ومرة أخرى، نتوقف لنتلمس ما هو صحيح وما هو زائف «فالمدعو يخاطب بالدعوة بصفته كائنا عاقلا أى يستخدم عقله فى القبول أو الرفض ومتحرك بالإرادة أى له حرية القبول أو الرفض».
ومن هنا؛ فإن الدعوة الإسلامية بعيدة كل البعد عما تقوم به داعش والقاعدة وبوكوحرام وشباب الصومال، حيث لا سماح باستخدام العقل ولا قبول بحرية الإرادة فإما قبول بكل ما يقولون، وأما «قطع الرقبة بالسيف» كذلك فإن هذه الدعوة الإسلامية بعيدة كل البعد عن التدليس الإخوانى الذى يسمى فعلهم الحركى الذى رأيناه منذ نشأة المنظمة فى ١٩٢٨ وعلى امتداد تاريخها ونراه منها الآن من أعمال إرهابية وقتل وتفجير وتدمير بأنه «الدعوة».. بل هو دعوة لإسلام فاسد مرفوض من الإسلام الصحيح ومرفوض من المسلمين.
ونمضى فى متابعة كتاب «تطبيق مفاهيم الجودة الشاملة على منظومة الدعوة الإسلامية»، وهو كتاب كلما تواصلنا معه أمتعنا بقدر ما أدهشنا.

رفعت السعيد ٣.. في
ويواصل الدكتور القميحى دعوتنا إلى التأمل.. فالدعوة إلى تطوير الخطاب الدينى وتجديده وإعمال العقل وحرية الفكر فى التعامل معه لم تأت من فراغ، وإنما كما يقول «بعد أن تأثر مجال الدعوة الإسلامية بالحال العام الذى تعيشه الأمة الإسلامية من إهمال وتخلف وجمود، حيث لم تعد للمسلمين القدرة على إبداع معايير جودة لمجال الدعوة الإسلامية»، هذا بالإضافة إلى توهم البعض أن مفاهيم الجودة فى وقتنا الحاضر أصبح ينسب إلى الفكر التغريبى، على اعتبار أن مبادئ الجودة الشاملة ومدارسها المختلفة قد جاءت من الغرب، ومن ثم لا يتم التعامل مع هذا العلم الوافد بمعزل عن نظرية المؤامرة، أو بمعزل عن قضية التقليد والاستلاب الحضارى، علما بأن مبادئ الجودة هى فى أساسها إسلامية.
عملا بقول الرسول «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» (أخرجه أبو يعلى والطبرانى)، وقد تكون الجودة على أى حال مشتركا حضاريا تلاقت عليه الشرائع، كما أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها. 
ثم يحدد المؤلف نقطة الانطلاق لفكرته التجديدية فيقول «إنها إعادة الاعتبار للعملية الدعوية باعتبارها عملا عظيما يقوم فيه الدعاة بأدوار أشبه بالمجددين والمجتهدين الذين يدرسون واقع مجتمعاتهم»، وهم أصلا على اطلاع دقيق بمقاصد شريعتهم ليصوغوه فى النهاية، برامج فكرية وتجديدية لكل شرائح المجتمع، لكى يعيشوا الإسلام غضا طريا كما كان، ثم يقدم لنا المؤلف ملاحظة مهمة هى «أن الأهداف الدعوية المنصوص عليها فى كتب أصول الدين أهداف عامة لا تبرز فيها الخصوصية المجتمعية الخاصة بكل مجتمع إنسانى، إذ لكل مجتمع خصوصياته التى تفرز نمطا من المشكلات والقضايا التى تختلف عن غيره من المجتمعات، كأن تعانى بعض المجتمعات مثلا من الفقر والعوز، والبعض الآخر يعانى من المشاكل الطائفية والعرقية، فيكون دور البرنامج الدعوى التصدى لتلك الإشكاليات والتعاطى معها بمناهج دعوية متخصصة، وهكذا يلقننا الدكتور القميحى فكرة جديدة، فالدعوة لا يكفى أن تكون نظرية أو تجديدية أو عقلانية، وإنما يتعين عليها أن تكون ظهيرا للمسلمين فى أى مجتمع تناقش مشاكلهم وتساندها فيكون الدين سندا للفقراء والمعوزين، وداعيا لإنهاء الخلافات الفارقة بين الفرق. 
ويدعونا المؤلف إلى تأمل «خطاب الأنبياء لأقوامهم بحسب معاناتهم، ذلك أن خطاب النبوة وثمرته وخلاصته وأصوله تنوعت مواصفاته بحسب هدفه وموضعه ومحله.
فخطاب العقيدة غير خطاب الدعوة، وخطاب الدعوة غير خطاب الدولة، وخطاب المعركة غير خطاب الحوار، وخطاب العلاقات الاجتماعية غير خطاب الولاء والبراء»، ثم هو يحذرنا من «صور التدين المغشوش والفقه الحسير والمبتسر التى بدأت تطفو على الساحة وتعبث بالأحكام الشرعية وتختلط عندها مواصفات الخطاب، فيكون نفس الخطاب ذاته فى كل الأحوال والمواضع والمجالات، فتحدث النكبات ونسيء إلى الإسلام ودعوته ونعجز عن إيصاله إلى المسلمين والآخرين، ونحن نحسب أننا نحسن صنعا». وبهذا يصل بنا المؤلف إلى مبتغاه.
فإذا كنا قد تأملنا العنوان والمقدمات فى دهشة فهو يقتادنا إلى الهدف.. وهو مواجهة ما سماه «الإسلام المغشوش»، وما نسميه نحن التأسلم الذى ينتشر كالوباء على أيدى أمثال الجماعة الإرهابية والقاعدة وداعش وبوكوحرام وغيرها.. وهو فى نفس الوقت يلقننا أن «الثقافة العقلانية المعاصرة لها تأثير فى عقول كثير من الناس فى هذا الزمان فتجعلهم ينفرون بشدة مما يتنافى مع معطيات الثقافة المعاصرة»، ثم يأتى إلى ما سماه مصدر الخلل عند كثير من المتصدرين للدعوة «وهو الخلط بين ما هو مقدس وشرعى وبين ما هو محاولة بشرية اجتهادية قد تكون خطأ وقد تكون صوابا»، وكذلك «ليس كل خطاب يصلح لأى مكان، فلكل مكان خصوصيته ومشكلاته وطبيعته، كما هى طبيعة الناس الذين يعيشون فيه».
«فالخطاب فى بلد مسلم يفهم الناس فيه دينهم من منطلق التصديق والاستسلام يختلف تماما عن خطاب قوم لا يؤمنون إلا بالوقائع والدلائل العلمية».
ثم هو يعود ليذكرنا «أن العقلية الدعوية الغوغائية، أو الثقافة الغوغائية كلفت المسلمين الكثير، وأسهمت إلى حد بعيد فى عجزهم عن التعامل مع القيم الإسلامية الصحيحة، فاكتفوا بالنشوة والفخر بالإنجاز التاريخى، إضافة إلى الاقتصار فى الحديث عن عظمة الإسلام فقط دون التعرف على أسباب سقوط وتخلف المسلمين».
ثم يواصل الدكتور القميحى مواجهته الهادئة والحاسمة فى آن واحد لقوى التأسلم التى تحاول فرض إرادتها على عقول الكثيرين عبر العودة إلى وهم الخلافة والزعم بأنها جزء من الشريعة الإسلامية والسبيل إلى ذلك هو إعلاء شأن الوطن والمواطنة فيدعو «لتأكيد تنمية وعى حب الوطن والانتماء إليه، فالوطن فى المفهوم الإسلامى هو السقف الذى يجمع المسلمين وغير المسلمين الحاملين لجنسية الدولة فى لحمة تفرض عليهم جملة من الحقوق والواجبات، فالمواطنة بالمفهوم الشرعى ترتفع عن كل الفوارق مما تمايز به الإنسان وتفاخر به على أخيه الإنسان على مر العصور» وهكذا يوجه القميحى سهمين فى عبارة واحدة. 
أولهما رفض إنكار الوطن كسبيل لفرض وهم الخلافة، أما السهم الثانى فهو تأكيد حقوق المواطنة المتكافئة التى ترفض بشدة نهج المتأسلمين فى التعامل مع غير المسلمين وأيضا مع المسلمين من غير المنضوين تحت لوائهم، والرافضين لمبايعة خلفائهم الوهميين.
ويبقى أن نمنح المؤلف خالص التحية وأيضًا للناشر دار «سنابل»، التى نتمنى أن تواصل النشر للمجددين الجدد.
"
برأيك.. ما هو أفضل برنامج مقالب في رمضان ؟

برأيك.. ما هو أفضل برنامج مقالب في رمضان ؟