رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

الإمام الليبرالي «2».. ننشر رسالة الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي لمؤتمر الأديان العالمي عام 1936

الإثنين 06/مايو/2019 - 09:51 م
الإمام الأكبر محمد
الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغى
طباعة

الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغى لـ«مؤتمر لندن»: أهل الأديان يحشدون جنودهم لمقاتلة بعضهم

جعل الدعاية للأديان والتبشير بها قائمًا علي أساس عقلى محض وحب للحقيقة

انعقد مؤتمر عالمى فى «لندن» فى 3 يوليو 1936، لمناقشة قضية «الزمالة العالمية بين الأمم كافة»، ودعى لحضور المؤتمر فضيلة الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغى شيخ الجامع الأزهر آنذاك، ولظروف خاصة لم يتمكن من السفر فأرسل فضيلته بهذه الرسالة، التى تنشرها «البوابة»، وهى حافلة بالآراء المستنيرة والنظرات الثاقبة، ما أجمع المؤتمرون على الإشادة بها وتثمين محتواها.

١٠ - الأغراض التى أرى أن يسعى لها أهل الأديان قسمان: معنوية، وعملية الأغراض المعنوية هى فى الإجمال إزاحة العلل التى حالت دون تأثير الشعور الدينى فى تقريب ما بين الناس، وهى إما تلوثه بالشوائب المفرقة، وإما ضعفه وتحلله.

فإن الناس بين رجلين: رجل مؤمن قوى الإيمان يصلح إيمانه لمقاومة شرور الحياة لكنه منحرف عن الجادة تثور فيه عناصر الحقد على المخالف والكره له والتربص به، فهو فى حاجة إلى توجيه إيمانه توجيهًا نافعًا، وإلى تنقية ذلك الإيمان من الشوائب، وإلى فهم معنى التدين فهمًا صحيحًا خاليًا من الأغراض البشرية المادية، ورجل ضعف إيمانه أو أقفر قلبه منه، وأكثر ما نرى هذا بين الطبقات التى تسمى مستنيرة ويدعوها الناس مثقفة. وسبب ذلك اصطدام الدين بالعلم التجريبي، وما ثار بينهما من خلاف، أو جنوح الفلسفة الأدبية إلى آراء فى الخير والفضائل العملية وقفت بعض الأديان فى سبيل الموافقة عليها، أو اتجاه الأبحاث الاجتماعية عن غايات الحياة إلى نواح لم يوافق الدين على ترسمها، فكانت صلة العلم المادى والعمل الخلقى والغايات الاجتماعية بالحياة الفعلية قوة لأصحاب هذه الفروع على الدين وعلى انتهاك حرماته، وكانت مقاومة رجال الدين لهؤلاء مقاومة غير رشيدة سببًا فى اتساع الهوة وجرأة المخالفة جرأة عصفت بالشعور الدينى فى قلوب أولئك المتعلمين، بل وأضعفت هذا الشعور عند غيرهم.

وإذا كان الأمر هكذا فمن الواجب أن يتعاون أهل الأديان على تقوية الشعور الدينى وإعادته يعمر القلوب، ويملأ النفوس هيبة ورهبة من الله، ورحمة ورفقًا بعباد الله، وعلى إعزاز مركز الأديان أمام العلم وأمام الفلسفة الأدبية والفلسفة الاجتماعية، وأمام تيارات التقدم العقلى والتحرير الفكري. ولا شك فى أن تقوية هذا الشعور وإعزاز مركز الأديان يقى الحياة الإنسانية من خطر هؤلاء المستنيرين وقدرتهم حين تتحكم العادة وتقوى فيهم الرغبات غير الشريفة. ثم إذا استطاع أهل الأديان كسب هؤلاء وإيجاد الشعور الدينى فى قلوبهم فإنهم يكونون قوة فعالة فى تنمية وسائط الإخاء البشري، ذلك بقوة إحساسهم، ودقة إدراكهم، واستطاعتهم فهم ما فى الأديان من معان روحية سامية مجردة عن العادة يصعب فهمها على أكثر العامة ممن لم يهذبهم العلم وتنر طريقهم الفلسفة.

الأغراض العملية هى على الإجمال: جعل التدين أداة فعالة فى تهذيب الجماعة وتمكين العوامل المعنوية التى تشترك فيها الأديان، من التأثير فى الحياة الإنسانية الواقعية، وتصيير الفضائل العملية التى تدعو إليها الأديان كلها نظمًا عملية. بذلك يقل فتك الشرور بالإنسانية فى الأمم، وتتقارب أنظارها، وتدنو من الإخاء الإنسانى بتقارب غاياتها وسلامة نفوسها.

(١١) ومما يثير العجب ويضاعف الألم أن أهل الأديان يحشدون جنودهم ويعدون عدتهم لمقاتلة بعضهم بعضا مقاتلة أسرفوا فيها، وجعلتهم ضعفاء أمام عدوهم المشترك، وسلكوا طرقا فى التناحر مخالفة لأبسط قواعد المنطق، مما جعلهم سخرية أمام العلماء وأمام الفلاسفة، وجعل كل جهودهم عقيمة النتائج، فقد تركوا التأثير على الإنسان من ناحية عقله الذى هو موضع الشرف وموطن العزة والكرامة، واستعملوا طرق الإكراه والإغراء بالمال وغيره من الوسائل، وركن بعضهم إلى القوى المادية للدول، ونسوا أن الإيمان لا يحل القلب بالإكراه، وأن العلم لا ينال إلا بالدليل، ونسوا أن العدو جاد فى إنزالهم من مكانهم اللائق بهم، وأن شرور العالم تغمر الإنسانية، وتطغى على ما بقى فى النفوس من هيبة واحترام للنظم الإلهية. وكان عليهم بدل هذا كله أن يتعاونوا على درء الخطر، وأن يحاربوا هذه الشهوات الجامحة، وهذه الإباحية التى يئن منها العلاء، وهذه العادة المستحكمة التى تجر الويلات على الآمنين بين حين وآخر وتستعار لها أسماء كاذبة من المدنية والنظام والحرية.

لكن ما الذى كان ينتظر غير هذا وعوامل التفريق تعمل فى أهل الأديان كما تعمل فى غيرهم، وتغريهم زخارف الحياة الدنيا كما تغرى غيرهم، ويحافظون على الجاه والرتب كما يحافظ عليها غيرهم، ويفترى بعضهم على بعض فى الدين كما يفترى غيرهم؟

لكن قبسا من النور لا يزال باقيا للمتقين، وهو أن الله أرحم بعباده من أن يتركهم فى هذه الشرور المتلاطمة أمواجها، وأقدر على إيجاد الوسائل التى ترد الإنسان إلى مواطن الشرف والفضيلة، وأنتم موضع الأمل ومعقد الرجاء.

الوسائل التى تتحقق بها الأغراض:

(١٢) وسأعرض هنا لبعض الوسائل التى تساعد على تحقيق الغرض، مكتفيًا بالإجمال، تاركا التفصيل لحضرات السادة أعضاء المؤتمر، وللابتكارات المتجددة التى ينتجها التعاون الصادق بين الأعضاء وبين محبى الإنسانية:

(أ) إيجاد هيئة تعمل على تنقية الشعور الدينى من الضغائن والأحقاد، ولذلك وسائل، منها:

١- توجيه الوعظ الدينى فى الأديان المختلفة إلى هذا الاتجاه الإنسانى بالأساليب التى يقررها أهل كل دين لوعاظه.

٢- جمع كل ما فى دين من المعانى الإنسانية السامية العامة من الرفق بالبشر والبر بهم من حيث هم أفراد من نوع الإنسان دون نظر إلى الفوارق الأخرى، وإذاعة ذلك بمختلف الوسائل فى مختلف اللغات.

٣- جعل الدعاية للأديان والتبشير بها قائما على أساس عقلى محض، وحب للحقيقة، ورغبة صادقة فى الوصول إليها، مع البعد عن الاحتيال لذلك والاعتماد على وسائل غير بريئة فى توجيه الاعتقاد والإغراء به، وقصر الجهد على إبراز ما فى الدين المدعو إليه من محاسن.

وهذه الهيئة تقوم بحسم كل إشكال أو نزاع ينشأ عن اعتداء الدعاة حسما شريفا نزيها صادق الرغبة فى المسالمة.

(ب) إيجاد هيئة تقوم بتقوية الشعور الدينى بخاصة فى الطبقات المستنيرة، فتعنى بتأييد مركز التدين أمام البحث العلمى والتفكير الحر، تأييدا يقوم على احترام العقل وإعطائه حقه الكامل فى البحث النزيه التماسًا للمعرفة، فيعتمد هذا التأييد على مقابلة الدليل بالدليل، وعلى الإقناع بطرق الإقناع الصحيحة، مع البعد عن الوسائل الإرهابية والتضليل، وعن الارتكان على السلطة الروحية المستبدة، وبالجملة يبتعد عن الأخطاء الماضية التى دفعت الإنسانية ثمنها باهظا مرهقا.

ويكون لهذه الهيئة شعب: شعبة تحدد ما بين العلم التجريبى والدين من خلاف قائم أو خلاف يجد، وتتبع ذلك فى الدوائر العلمية المختلفة، وتتصدى لحسمه على أساس ما أسلفناه من حب للحقيقة وحرص عليها، فى لباقة لا تدع الدين يجهر بما يخالف المحسوس المشاهد، وشعبة تحتفى بالآراء الخلقية وبيان الفضائل وما يكون من ذلك جائرًا على الحياة المعنوية متأثرًا بأغراض نهمة ومطامع شريرة، فتبحث ذلك فى عمق ودقة، ويذاع منه الآراء المقنعة التى تنال تأييد المفكرين المخلصين، وتحفظ على الحياة غاياتها النبيلة، وشعبة تتبع الدراسات الاجتماعية وما ترسمها مذاهبها من غايات للحياة وأساليب فيها، كالاشتراكية والشيوعية وما إلى ذلك، تبين منها موضع الخير وناحية الحق، وتكشف عن موضع الهوى الجامح والرغبة النهمة المفسدة لشرف الغرض من الحياة. كل ذلك يذاع فى الأسلوب الصحيح ليسمع الناس الرأى الصالح مؤيدًا بالبرهان، موفقًا بينه وبين التدين، مراعى فى كل هذا وجه الله ووجه الحق، ووجه الخير للإنسانية.

(١٣) ونظرًا لأن الإنسانية قد نالها عسف كثير، نرى (بحق أو بغير حق) أن سببه السلطة الروحية وأصحابها.

فمن الحق أن تظفر بالطمأنينة الكاملة من هذا الخطر لتدع للتدين ورجال الدين أن يعملوا على إسعادها، وأرى أن تؤكد الوحدة الدينية قولا وعملا، وأن تجد في إقناع الأجيال الحاضرة بأن رجال الدين لا يطمحون إلى رغبات مادية، ولا إلى سيطرة الحكم والجاه والنفوذ، وأنهم إنما يشاركون في الحياة بمقدار ما يتمكنون من أداء رسالتهم الكريمة لإسعاد الإنسانية وترفيهها، وصيانة معنوياتها الملائمة لشرفها، وأنهم قوام على تفسير الناموس الإلهى بالحق والدعوة إليه ليس لهم من الأمر شيء، ثم تحافظ على ذلك أشد المحافظة، وتقوم من بند عن هذا المبدأ ويخالفه.

إذ ذاك تستفيد الأجيال الحاضرة والأجيال المقبلة، وتفسح الطريق للقوة الدينية تعمل على الإخاء الإنساني، وتكتسب المبادئ الدينية والفضائل الخلقية والمعانى الاجتماعية السامية بوحدة الأساليب العملية التى تنصر بها المذاهب والآراء الصالحة، سلطة عملية تمكن من السعى إلى حماية النظم والقوانين، ووضعها بحيث تحمل تلك الأصول الصالحة.

وكما يعمل أصحاب المذاهب الاجتماعية على توجيه التشريع إلى تأييد مبادئهم وقواعدهم، يجب أن يعمل أهل الأديان على توجيه التشريع إلى تأييد الأصول العامة المشتركة فى الأديان، فيقاوم الزنا، وتحمى الأسرة، ويعاقب على الكذب والغيبة والنميمة والدس والوقيعة ولو لم تصور فى جرائم مادية، وتحد الحرية فى التمتع وأسباب الشهوات، وتحرم المنافسة غير الشريفة، وتراقب المكاسب المادية ويحرم الخبيث منها، ويعاقب على الجشع والخداع والتغرير، إلى غير ذلك مما جاءت الأديان لاستئصال شروره وتطهير الإنسانية من أدناسه، فساء التطبيق، وانحرفت وجهة التدين أو ضعفت، بحيث لم تستطع مقاومة الذين لا ضمائر لهم، والذين خلت قلوبهم من رهبة الله ورحمة عباده.

(١٤) وما من شك فى أن وحدة رجال الدين وفروعها المختلفة ستبتكر على يد رجالها الذين زين الإيمان قلوبهم، وتطمئن نفوسهم روحانية الدين الصادقة، وسائل ناضجة فعالة لهذه الأغراض، ولكن يجب ألا ننسى أن تلك الوسائل ينبغى أن تكون بعيدة عن التدخل فى أصول السياسة والاصطدام بها، وأن تعتمد على تأييد الجماعات وتنمية الشعور الدينى والشعور بالفضيلة، وعلى إنماء روح الكره لما يغمر العالم الآن من المفاسد والشرور التى نزلت بالإنسانية إلى مستوى منحط لا يفكر فى غير قضاء الشهوات، وسد حاجة الغرائز البهيمية، وإشباع نهم القوى الشرسة وصفات العدوان.

(١٥) ذلك ما رأيته لتنمية الزمالة العالمية، وقد قام على أساسين صحيحين. وهذه الوسائل وإن كانت دقيقة فهي ممكنة وفعالة، وإن كانت تحتاج إلى جهد ودأب طويلين، لكن المطلب نبيل والخطب جليل. وإن الإسلام ليمنحها تأييده القوى.

وفى أصول الإسلام أقوى الدعائم التى ترتكز عليها الفكرة. فهو يقرر أنه لا إكراه فى الدين، ويقول للرسول صلوات الله عليه: «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين». ويقرر أن الدعوة إلى الله تكون بالحكمة والموعظة «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن». ويخاطب العقل وينبه إلى التفكير فيما خلق الله، ويرفع العلم والعلماء. يقول نبى الإسلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ويقول له الله تعالى: «وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ». ويحث على البر والرحمة، وعلى مواساة الضعفاء والفقراء، بل وعلى الرفق بالبهائم، حتى جعل نفقة البهيمة الضالة واجبة فى بيت المال، وجعل للفقراء حقا لازما مفروضا فى أموال الأغنياء، وجعل الجناية على نفس واحدة جناية على الإنسانية، ووضع قواعد صارمة للعبث بالنظام.

ولا أطيل عليكم أيها السادة، فليس من غرضى ولا من غرضكم شرح أصول الإسلام وعرض مبادئه، ولكنى بما ذكرته أردت لفت نظر حضراتكم إلى أن الغرض الشريف الذى تسعون إليه لا ينافى قواعد الإسلام العامة.

(١٦) وإنى أيها السادة فى ختام كلمتى هذه أبتهل إلى الله أن يؤيدكم فيما تسعون إليه من خير للإنسانية، وأن ينير لكم الطريق ويهديكم سواء السبيل.

"
برأيك.. ما هو أفضل برنامج مقالب في رمضان ؟

برأيك.. ما هو أفضل برنامج مقالب في رمضان ؟