رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

القس أمير إسحق يكتب: القلم المُعلِّم

الجمعة 12/أبريل/2019 - 08:04 م
القس أمير إسحق
القس أمير إسحق
طباعة
مع الكمبيوتر والموبايل لم تعُد هناك حاجة كبيرة إلى استخدام القلم. وكما كنَّا ننظر إلى الريشة والحبر على أنَّهما من مُخلّفات الزَّمن، فسوف يأتى وقت، ليس ببعيد، ينظر فيه أحفادنا إلى القلم والورقة النَّظرة نفسها، ويتحاكون عن تُراث أجدادهم (نحن) الذين كانوا يستخدمون ما يُسمَّى بالقلم للكتابة على ورق. أمَّا أنا وجيلى فلن ننسى أوَّل قلم لمسته أيدينا، هو القلم الرّصاص. بالنسبة لأجدادنا نحن، كان القلم الرّصاص أحد أهمّ اكتشافات عصرهم. تذكَّرت هذا القلم، الذى ما زلتُ أستخدمه، وتأمَّلتُ فيه وقرأتُ عنه، مُبتدئًا بالسُّؤال: لماذا سُمى بالقلم الرّصاص، مع أنه غير مصنوع من معدن الرّصاص؟ وهذه خلاصة ما وصلتُ إليه، وما تعلَّمته من ذلك القلم المُعلِّم.
أوَّل ما استُخدِم للكتابة هو الرّيشة أو القصبة بغمسها فى الحبر السائل، والعود المعدنى الذى كان يُحفَر به على أوراق البردي. ولم يُعرَف القلم الرّصاص إلاَّ فى القرن الخامس عشر تقريبًا. ومع أنَّه لم يُصنَع من مادة الرّصاص، بل مِن الجرافيت، فإنَّه عُرِف بهذه التَّسمية، لأنَّ أول من استخدموه ظنّوا أن الجرافيت هو الرّصاص، بحسب معرفتهم العلمية آنذاك. ومع ذلك، ظلّت تسميته فى جميع اللغات بالقلم الرّصاص. أمّا لونه الخارجى فهو يختلف من بلد إلى آخَر. ففى أمريكا يغلب عليه اللون الأصفر، وفى ألمانيا الأخضر، وفى سويسرا الأحمر. وهو مِن أشهر أدوات الكتابة والرَّسم، ويتميَّز عن الأقلام الأخرى بأنَّ ما يكتبه يمكن إزالته، حيث أُضيفت إليه المِمْحاة فيما بعد.
هذا القلم، الذى استخدمناه ونحن أطفالًا، فى وضع أول خطوطنا وحروفنا، مُعلِّم عظيم. أوّل درس يعلّمنا إيّاه هو: إمكانية إزالة ما كتبه، أى القُدرة على تصحيح الأخطاء. ليس هناك خطأ يمثِّل نهاية المطاف. لذلك يقول: «الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا». فتعلَّم أنْ تمحو أخطاءك، اعترف واعتذر عن خطئك تمحوه، وابدأ من جديد. لكن انتبه، هناك كلمات نكتبها ونمحوها، ومع ذلك تترك أثرًا فى الصفحة. الدرس الثاني: هذا القلم يتآكل مع مرور الزّمن. فكلّما استخدمتَهُ كلما قلّ عُمره. فهو يختلف عن الأقلام الأخرى باستخدام المِبراة لجعله جاهزًا للكتابة. هى عملية مؤلمة، لكنَّها ضرورية، فهو أمرٌ طبيعى أن يتآكل العمر ويمضى فى طريقه إلى الانتهاء. هذه العملية المؤلمة بين وقت وآخَر، هى ما يُخرِج مِنكَ أفضل ما فيك. هذه هى رسالة القلم، ولا يمكن أن يؤدّيها إلاَّ مِن خلال ألَم المبراة. لذلك هتف المؤمنون «نفتخر فى الضيقات». الدرس الثالث: إن الجزء الأهم فى القلم الرّصاص هو الدَّاخل، وليس الخارج. إنَّ قيمتك الحقيقية ليست فيما ترتدى وما تبدو عليه أمام الناس، بل فيما هو داخلك، أى دوافعك ومبادئك وقيمك الأساسية. لذلك يعلِّمنا المسيح «نَقِّ أولًا داخل الكأس والصحفة» (متى ٢٣: ٢٦). الدرس الرابع: إنّك تستطيع أن تقوم بعمل أمور عظيمة جدًا، لكن الأمر يتوقَّف على اليد التى تُمسك بك، ففى يد مَن أنتَ؟ فهذا القلم فى يد شاعِر، سيكتب به أشعارًا، وفى يد فنَّان سيرسم به أجمل اللوحات، وفى يد أديب سيكتب به أروع القصص والمقالات. لكنه فى يد شخص أمّيٍّ سوف يعبَث به ولن يعرف قيمته ولا كيفية الاستفادة به. عندما تكون فى يد الله، سوف تعمل أعظم الأعمال، وتترُك وراءك أعظم الأثَر، نورًا وملحًا (متى ٥: ١٣، ١٤). الدرس الخامس: مهما كانت الظروف صعبة ومُؤلمة، فلتستمر فى الكتابة، واترك وراءك خطًَّا واضحًا حتى يستطيع مَن حولك ومَن بعدك قراءة كلامك ومعرفة قصَّتك «لسانى قلمُ كاتبٍ ماهر» (مزمور ٤٥: ١). الدرس السادس: الأقلام تختلف فى شكلها عن بعضها بعضًا، وهناك أقلام أخرى تُعطى ألوانًا مُختلفة. فادخُل إلى علبة الحياة وانضمّ إلى بقية الأقلام، لترسموا معًا لوحة الحياة الجميلة فى تعدُّد ألوانها. فإن روعة الجسد فى تعدُّد أعضائه «جسد واحد لكن أعضاء كثيرة» (١ كورنثوس ١٢: ١١). وكلّما تأمَّلنا فى خصائص القلم الرّصاص، وجدنا دروسًا أخرى من ذلك المعلِّم القدير.
"
من تتوقع أن يتوج بلقب الدوري في الموسم الحالي؟

من تتوقع أن يتوج بلقب الدوري في الموسم الحالي؟