رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
ads
ads

في مئوية ثورة 19.. "البوابة نيوز" تتجول في قرية الزعيم وتلتقي أحفاده.. محمود مختار فنان يجسد أمال الأمة في "نهضة مصر".. الملك يحصد مكاسب غضب الشعب

الأربعاء 06/مارس/2019 - 10:22 م
البوابة نيوز
طباعة
إعداد: محمد لطفي _محمود عبدالله تهامى _نرفان نبيل _أحمد عشرى
1919.. الثورة الملهمة
ساعات قليلة تفصلنا عن مئوية أهم الثورات فى عصر مصر الحديث؛ الثورة الملهمة للشعب المصرى والشعوب العربية والأفريقية، التى وصل تأثيرها إلى الهند وغيرها من الدول التى كانت تتطلع إلى الاستقلال فنالته.. إنها ثورة 1919.
ولإدراك أهمية وعظمة وقوة هذا الحدث الفارق فى تاريخ مصر ودول العالم، دعنا نُنحى كل ما كتبه المؤرخون عن ثورة 19، وما درسناه فى الكتب عن أهداف الثورة وأسبابها وتأثيرها وغير ذلك من العناصر التقليدية التى حفظناها فى أعوام الدراسة المتقدمة، ثم تناسيناها فيما بعد، ولننظر نظرة متعمقة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى أحاطت بالثورة فى ذلك الوقت والتى يتضح فى ضوئها أسباب قيامها وملابساتها وما آلت إليه.
ومن هنا لن تشعر بقيمة هذه الثورة إلا إذا تخيلت أن بريطانيا العظمى فى أوج مجدها وهزيمتها لدول المحور فى الحرب العالمية الأولى، تنكسر أمام دولة لا تملك من أمرها شيئا، تنكسر أمام ولاية من ولايات الدولة العثمانية المنهزمة، بعدما بسطت عليها بريطانيا نفوذها وسطوتها وسلبتها خيراتها وقرارها، هل يمكن للإمبراطورية العظمى فى العالم أن تنكسر أمام مصر؟! من هنا تأتى مكانة ثورة 1919، فى التاريخ المصرى المعاصر، فهى الابن البكر للنضال المصرى فى العصر الحديث، الابن الذى أوجد اعترافا دوليا باستقلال مصر، وتمخض عنها دستور ما زال يضرب به المثل حتى الآن، هو دستور 23، وهى التى ناضل أصحابها ومفجروها ضد المحتل الأجنبى حتى أجبروه على الانسحاب، والهروب بجلده من جحيم الجنة التى كان يحلم بها، فإذا بسعد زغلول ورفاقه يحولونها إلى جهنم التى لا يطيقون بها ملاذا، بل يقلمون أظافر الإمبراطورية المنتشية بالنصر الطازج على دول المحور فى الحرب العالمية الأولى.
جاءت ثورة 1919، بعد أعوام من ثورة اليابان ضد محاولة التدخل البريطانى المهين فى سياستها، ومن هنا كانت مهمتها بسيطة مقارنة بثورة 19 التى جاءت ضد احتلال راسخ يمص دماء المصريين وخيراتهم وينال من عزتهم وكرامتهم ويحتل أرضهم.
وإذا كانت الحرب العالمية الأولى، قد نشبت 28 يوليو 1914، وانتهت فى 11 نوفمبر 1918، وصفت وقت حدوثها بـ«الحرب التى ستنهى كل الحروب»، وتم جمع أكثر من 70 مليون فرد عسكري، 60 مليونًا منهم أوروبيون، للمشاركة فى واحدة من أكبر الحروب فى التاريخ، والتى لقى فيها أكثر من تسعة ملايين مقاتل وسبعة ملايين مدنى مصرعهم نتيجة الحرب، فقد ظلت مصر أسيرة منهوبة طوال هذه السنوات، صحافتها تحت الرقابة الأجنبية، إيراداتها فى جيب الجيش البريطاني، فجاءت ثورة ١٩ منحت مصر اعتراف العالم بها ومنحتها عضويتها فى الأمم المتحدة. «البوابة» تعيد قراءة الثورة بعد مرور مائة عام عليها، وتغير العالم كله رأسا على عقب، حيث آراء المؤرخين ورؤيتهم لتلك الثورة التى لها الفضل فى ظهور كبار المفكرين والأدباء والساسة المصريين الذين أضاءوا المنطقة بأفكارهم.
في مئوية ثورة 19..
من هنا.. اندلعت حركات التحرر في العالم

ما أن انتهت الحرب العالمية الأولى فى العام ١٩١٨، إلا وبدأ الشعب المصرى بكل جموعه فى التطلع أن تمنحه بريطانيا الاستقلال نظير مشاركة مصر فى الحرب معها ووقوفها بجوارها فى الحرب، ومن هنا تكون وفد من زعماء الحركة الوطنية فى مصر آنذاك، ضم كلا من «سعد زغلول وعبدالعزيز فهمى وعلى شعراوى ومحمد محمود وأحمد لطفى السيد ومكرم عبيد وآخرين»، الذى قرر الذهاب إلى باريس للمشاركة فى مؤتمر السلام والاستفادة من قرار رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ويلسون عن حق تقرير المصير، أى حق الشعوب والسكون المحلية أن تقرر بنفسها شكل السلطة الذى يريدون أن يذهبوا إليها.

كانت فكرة إنشاء وفد للمطالبة بحقوق المصريين فى الاستقلال بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى فى العام ١٩١٨، موزعة دون تحديد من هو أول من اقترح تلك الفكرة، لأن الكثيرين من الزعماء الذين سجلوا شهادات عن ذلك العصر نسب كل واحد منهم الفكرة لنفسه، وربما كان سبب ذلك أن فكرة الوفد كان فى عقلية الشعب الذى خرج من الحرب يطمح فى المطالبة باستقلاله.

عارض الإنجليز الوفد المصرى متسائلين عن صفة هؤلاء المشاركين للتحدث باسم الشعب المصري، ومن هنا وثبت إليهم فكرة أن ينيب الشعب هذا الوفد عنه كى يفاوض باسمه الإنجليز للخروج من مصر، وجمع الشعب توقيعات لتوكيل سعد ورفاقه فى التحدث باسم الشعب، تضم دار الكتب والوثائق المصرية العديد من النماذج والوثائق التى وقعها الشعب لتوكيل الوفد.

وكان نص التوكيل: «نحن الموقعين عن هذا قد أنبنا عنّا حضرات سعد زغلول باشا وعلى شعراوى باشا وعبدالعزيز فهمى بك ومحمد على بك وعبداللطيف المكباتى بك ومحمد محمود باشا وأحمد لطفى السيد بك؛ ولهم أن يضموا إليه من يختارون فى أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعى سبيلا فى استقلال مصر استقلالا تاما».

وكان خروج الناس للتوقيع على تلك الوثائق أمرا محيرا، ففكرة التوكيل نابعة من عقل درس الحقوق والقانون، لكن الأمر المحير والغريب أن سعد زغلول نجح فى تنظيم استفتاء شعبى على ذهابه لباريس من عدمه فى وقت لم يكن هو يملك شيئا، فنظام الدولة هو الوحيد الذى يحتكر الانتخابات والاستفتاءات الشعبية، فيخرج أحدهم لينجح فى تنظيم ذلك الاستفتاء بعيدا عن الدولة، وهذا يدل على حب الشعب الجارف لسعد ورفاقه ورغبته الطامحة فى الاستقلال والحرية».

وصلت الوثائق والتوكيلات تباعًا لدار المندوب السامى البريطاني، فألقى الإنجليز القبض على سعد وثلاثة من رفاقه، الأمر الذى أدى إلى تأجيج مشاعر الشعب الوطنية والحماسية فقاموا بحركة احتجاجية واسعة.

بدأت أحداث الثورة فى صباح يوم الأحد ٩ مارس ١٩١٩، بقيام الطلبة بمظاهرات واحتجاجات فى أرجاء القاهرة والإسكندرية والمدن الإقليمية، تصدت القوات البريطانية للمتظاهرين بإطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، استمرت أحداث الثورة إلى شهر أغسطس وتجددت فى أكتوبر ونوفمبر، لكن وقائعها السياسية لم تنقطع واستمرت إلى عام ١٩٢٢، وبدأت نتائجها الحقيقية تتبلور عام ١٩٢٣ بإعلان الدستور والبرلمان.

اضطرت السلطات البريطانية للإفراج عن سعد زغلول وزملائه، وسمحت لهم بالسفر لباريس، كانت فى هذا الوقت قد رتبت مع حلفائها كيفية مقابلة الوفد المصرى والتعامل مع فى فرنسا، ووصل الوفد المصرى إلى باريس فى ١٨ أبريل، وأُعلنت شروط الصلح التى قررها الحُلفاء، مؤيدة للحماية التى فرضتها إنجلترا على مصر.

الرئيس الأمريكى ولسون الذى أصدر وثيقة «حق الشعوب فى تقرير المصير» لم يتعامل بحيادية مع الوفد المصري، وكان أول من اعترف بالحماية البريطانية على مصر؛ ولم تتوقف موجات الاحتجاج فى الشارع المصري، ففكرت بريطانيا فى إرسال لجنة ملنر للوقوف على أسباب تلك المظاهرات والاحتجاجات، ولما وصلت اللجنة حاولت المفاوضات مع بعض الساسة، وفى كل محاولة للوصول لأى طرف، كانت اللجنة تقابل بعبارة «اسأل سعد»، لذا قررت أن تدعو سعد زغلول ورفاقه إلى لندن لعقد مفاوضات، وأوفد الوفد ثلاثة من أعضائه، هم: محمد محمود وعبدالعزيز فهمى وعلى ماهر؛ للتأكد من استعداد الحكومة البريطانية فى التفاوض نحو مطالب الأمة، وأسفرت تلك المرحلة عن مشروع للمعاهدة بين مصر وإنجلترا قدمه اللورد ملنر إلى الوفد فرفضه الوفد، ثم قدم الوفد مشروع إلى اللجنة لكن رفضه ملنر وتوقفت المفاوضات.

استؤنفت المفاوضات مرة أخرى بوساطة عدلى يكن، وقدمت لجنة ملنر مشروعًا يشمل بعض التعديلات اليسيرة دون أى تغير فى جوهر المعاهدة، الأمر الذى انتهى بعرض مشروع المعاهدة على الرأى العام المصري، وتم رفضه أيضًا، وغادر اللورد ملنر مصر فى ٦ مارس ١٩٢٠.

ودعا الزعيم سعد زغلول الشعب المصرى إلى مواصلة كفاحه وحراكه الشعبى الذى كان يهز عرش الاستعمار البريطاني، وقد تمتع زغلول بقدرة عالية على التأثير فى الجماهير وإشعال حماسه، وهنا يقول الدكتور زكريا الشلق: «إن زعيم الثورة سعد زغلول تمتع بشخصية لها سحرها الطاغى فى التأثير على الجماهير بما يمكن أن نسميه «كاريزما» بلغة العصر، أما رفاقه فهم لا يقلون عن سعد زغلول أهمية فى حين أنهم لم يتمتعوا بقدراته فى التأثير على الجماهير»، فاعتقلت السلطات الإنجليزية سعد وزملاءه مجددا وتم نفيهم إلى جزيرة سيشل، لكنها عادت وأفرجت عنه فى ٣٠ مارس من العام ١٩٢٣.

ونتج عن الحراك الشعبى عدة نتائج كان من أهمها إعلان تصريح ٢٨ فبراير الذى أنهى الحماية البريطانية على مصر، واعترف بحق مصر فى الاستقلال وتحويل مصر من سلطنة إلى مملكة وإلغاء الأحكام العرفية، ورحبت أحزاب من بينها الأحرار الدستوريين بتلك النتائج، بينما اعتبرها سعد زغلول نكبة وطنية لأن الإنجليز لم يضعوا فى أيدى الشعب شيئا من كل هذه الوعود، وفندها ورد عليها، واعتبرها أن أحدا قال لك أعطيتك ألفًا من الجنيهات إلا ألفا فكأنما لم يعطك شيئا.

نجحت الثورة فى الوصول إلى دستور للبلاد يقره الملك رغم تحفظات بعض رجال الحركة الوطنية على اللجنة التى شكلت دستور ١٩٢٣.

ضربت المرأة المصرية أروع الأمثلة فى التضامن مع الرجال والخروج إلى الشارع للمشاركة فى احتجاجات ثورة ١٩، وكانت السيدة هدى شعراوى من أبرز تلك النساء، حيث وقفت فى وجه فرق الشرطة وخاطبتهم بالإنجليزية أنها لن تتراجع طالما لم يحصل الشعب على حقوقه.

اتحدت الأمة، المسلمون والمسيحيون فى مشهد وطنى رائع، رافعين شعار «يحيا الهلال مع الصليب» ليعلنوا بذلك أنهم قد تخلصوا من دعوات الفرقة والتقسيم التى حاول المستعمر أن يعمقها بين أبناء الوطن الواحد، وقد تعجب سعد زغلول من تلك المشاركة العظيمة من ناحية الأزهر والكنيسة، وأشاد بذلك مرارا قائلا: إن الشعب المصرى ظهر بصورة لم يماثله أمة من الأمم فى اتحاد عنصريها الكريمين.


"الملك فؤاد" يحصد مكاسب غضب الشعب

انطلقت أحداثها بعد الحرب العالمية الأولى.. ووفد «سعد زغلول» ضرب مثالًا فى كيفية مواجهة المحتل

اضطرت سلطة المستعمر البريطانى لإصدار تصريح ٢٨ فبراير، وفيه اعترفت باستقلال مصر مع العديد من التحفظات التى جعلت من حقهم السيطرة على مصر والسودان مجددا، وأصدر السلطان فؤاد الأول فرمانا يقضى بتغير البلاد من سلطنة إلى مملكة، وتلقب بملك مصر والسودان، وحاول الحصول على أكبر قدر من المكاسب عقب اندلاع ثورة عام ١٩١٩، حيث سعى لدى بريطانيا لتعديل نظام وراثة الحكم فى مصر لينحصر فى ذريته بدلا من أكبر أبناء الأسرة العلوية، فكان له ما أراد، حيث أخطرته بريطانيا فى ١٥ أبريل سنة ١٩٢٢ بموافقتها على ذلك، وأن تكون وراثة العرش لفاروق ونسله من بعده، فأصدر الملك فؤاد أمرا ملكيا فى ١٣ أبريل سنة ١٩٢٢ بنظام وراثة العرش، وأصبح اللقب الرسمى لفاروق هو حضرة صاحب السمو الملكى الأمير فاروق، كما لقب أيضا بلقب أمير الصعيد.

نجحت الثورة فى تحقيق مكاسب الاعتراف باستقلالية مصر عن كل من الخلافة العثمانية وبريطانيا العظمى، وتشكيل مجلس النواب، وإجراء انتخابات حرة حقق من خلالها حزب الوفد نجاحات كبيرة، وإصدار دستور عام ١٩٢٣ رغم تحفظات الوفد عليها.

وشهد الملك فؤاد الأول جموع الشعب التى تنادى باسم الزعيم سعد زغلول، فحاول التقرب منه بعد قرار الإفراج عنه والعودة من جزيرة سيشل وجبل طارق، فأرسل من يبلغ سعد أنه سعى طوال المدة الفائتة فى حل أزمته، لكن الزعيم استغرب ذلك وعبر عن اندهاشه من تناقضات الملك فكيف يسعى لمساعدته وإطلاق سراحه، وفى الوقت نفسه يعين ويقرب من يذم فى سعد ويتطاول عليه.

ويحكى الزعيم فى مذكراته الصادرة مؤخرا عن دار الكتب والوثائق القومية: أخبرنى حنفى ناجى فى مارسيليا أن الخديو كان مستاء منى؛ إذ صرحت بأنى أكره سياسة الدسائس، مشيرا إلى خطته، وأنه أرسل إلى خطابا ولم أجب، وأنه رغم ذلك سعى فى الإفراج عنى بأن تكلم مع بعض الإنجليز فى لوزان، قال ناجى وقد عدت إلى مصر أثناء ذلك وبعث إلى تلغرافا، وبمجرد أن وصلنا، كلفنى أن أذهب إلى لوندره لأسهل فى الإفراج عنك بواسطة أحد موظفى نظارة الخارجية، وكان سبق له أن خدم فى مصر».

لكن سعد رد عليه: «لولا ثقتى فى صدقك ما صدقت هذه الحكاية؛ لأن الخديو كيف يسعى فى صالحى وهو غضبان مني؟ وكيف لا يخبرنى لا هو ولا أنت بهذا المسعى الجليل عند حصوله ولا عقب نجاحه؟ وكيف تختفى عن وكيلي، وتعظيمه بمن ملأ الجرائد فى الطعن علي؟ وكيف يمتد نفوذ الخديو إلى هذا الحد؟ حد حل مسألة عقدتها إنجلترا فى وجه أمة بتمامها وفى وجه كثير من أبنائها؟

ورغم هذا؛ فإن ناجى أكد له الكلام وأقسم عليه بالإيمان على صحته، وعرض عليه نقودا من الخديو، لكنه رفض أن يقبل مالا منه، وأنه عندما يحتاجها سوف يطلبها منه.

في قرية زعيم الثورة.. وأحفاد سعد باشا يشكون الإهمال ويطالبون بترميم منزله 
بعد مرور مائة عام على ثورة ١٩١٩ بقيادة سعد زغلول، إلا أن قريته إبيانة التى نشأ فيها، لا تزال تحتفظ بالكثير من أطياف وملامح حياته، فالذكريات فيها لا تزال حية عن تلك الأيام التى حملت نضال المصريين جميعًا تحت راية الزعيم سعد زغلول، رافعين شعار «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، وتصدى قوات الاحتلال البريطانية لهم بإطلاق الرصاص، مما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى.
«البوابة» رصدت ملمحًا من ملامح هذه الثورة، من خلال تسليط الضوء على مسقط رأس زعيم الثورة سعد باشا زغلول، حيث قرية إبيانة التابعة لمركز مطوبس محافظة كفر الشيخ، والتقت ببعض أحفاده من الجيل الرابع أبناء أشقائه، الذين ما زالوا يفتخرون بأن جدهم الأكبر كان قائدًا لثورة الـ ١٩١٩ ومن خلال رصد لمنزل العائلة الأثرى والذى تحول بعد ثورة الـ١٩٥٢ لمدرسة لأبناء القرية حتى عام ٢٠١٧، بعد بناء مدرسة جديدة ولكن ما زال المنزل يعانى ويشكو من الإهمال وتطالب الأسرة بترميمه وتحويله لمتحف ومزار سياحى وتسليمه للآثار بدلًا من تركه ليد العبث والإهمال.
في مئوية ثورة 19..
أحفاد الزعيم
يلقى «نادر عبدالله الشناوى زغلول» عمدة قرية إبيانة وحفيد الزعيم لشقيقه الأكبر «الشناوى» والذى تولى تربية سعد زغلول بعد وفاة والده الحاج إبراهيم عن سن صغيرة فى الخامسة من عمره. الضوء على المنزل الذى عاش فيه الزعيم قائلا: تصل مساحة المنزل الأساسية بالحديقة الملحقة به لقرابة الثلاثة أفدنة، ولكن تم بناء ٣ مدارس ومعهد دينى بجوار المنزل القديم الأثري، الذى ينقسم لمبنيين متجاورين يفصل بينهما ١٠ أمتار فقط، الأول هو «السلاملك» مكون من طابقين «بدروم»، وكان يستخدم فى النشاط المدرسى بعد تحويله لمدرسة، والثاني، دور يضم ٦ غرف، تحولت لفصول تعليمية أما الثانى مبنى «الحرملك»، فيتكون من ٣ أدوار، دور أرضي، ودورين علويين، وعدد غرفه مثل المبنى الأول، وكان يعيش فيه الحريم والخدم ولا يسمح فيه بدخول الأغراب.
وأضاف عمدة «إبيانة»، أن المنزل يصل عمره لأكثر من ١٢٠ عاما، حيث ولد فيه الزعيم وعاش، بعد أن تلقى تعليمه فى كتاب القرية وحفظ القرآن الكريم به، ثم التحق بعد ذلك بالمعهد الدينى الأزهرى بمدينة دسوق التى تبعد أكثر من ٣٠ كيلومترا عن القرية، ثم سافر بعد ذلك للقاهرة حيث درس هناك فى كلية الحقوق، ثم تزوج زوجته الوحيدة «صفية»، وعمل بالمحاماة ولم يكن له نشاط سياسى فى بداية الأمر ولكن سرعان ما انخرط فيها، حيث كان صهرًا لرئيس الوزراء مصطفى باشا فهمي، ثم تسارعت الأحداث ليكون ملهمًا لثورة ١٩ مع رفاقه ليشكل بعد عودته من المنفى حزب الوفد.
ويضيف «حفيد الزعيم» أن والد سعد باشا، كان متزوجًا من سيدتين الأولى تدعى «فاطمة زغلول» ابنة عمه، وأنجب منها «عبدالرحمن، ومحمد، وأحمد، والشناوي، وشلبي، وستهم، وفرحانة»، ثم توفيت تلك الزوجة، وتزوج بأخرى وهى والدة الزعيم الراحل، وتدعى «مريم عبده بركات» من أعيان قرية منية المرشد، التابعة لمركز مطوبس، والمجاورة لقرية إبيانة، أنجب منها «سعد وفتحى وستهم» والأخيرة جدة مصطفى وعلى أمين، حيث كان الزعيم «خال» والدتهم وهو الذى قام بتربيتهم، وقام بوضعهم فى الوصية الخاصة بالتركة. 
ويضيف محمد نجيب زغلول حفيد «الزعيم » من ناحية شقيقه «شلبي»، أن الزعيم كان يزور القرية بصفة متقطعة، واستقبل فى المنزل الموجود حاليًا الخديو عباس حلمي، أثناء عودته من رحلة نيلية فى السودان، حيث كان فى طريقه للإسكندرية وخرجت القرية عن بكرة أبيها، ومنهم التلاميذ من الكتاب بالجلابيب ورددوا أغنية ألفها عريف القرية مطلعها «أفندينا ياسلام.... زار السودان ورجع لينا سالم»، كما زار المنزل الشاعر حافظ إبراهيم ومصطفى وعلى أمين اللذان قام «الزعيم بتربيتهما» وكثير من الوزراء. 
ويضيف «إيهاب أبو إبراهيم» عضو اللجنة المركزية لحزب الوفد بمطوبس ومسئول الإعلام بها، أنه لا أحد يحيى ذكرى ميلاد أو وفاة الزعيم سوى الحزب، حيث يعقد ندوة خلال هذه الذكرى يحضرها قيادات من الوفد بالقاهرة، وآخر مسئول زار القرية لإحياء ذكرى سعد زغلول كان عام ١٩٧١م، وكان اللواء جمال حماد محافظ كفر الشيخ فى الستينيات يحتفل بالذكرى على قناطر أدفينا المواجهة لقرية إبيانة وبعد ذلك تم الاحتفال عامى ٧٠ و١٩٧١م، أيام اللواء حسين الريحانى محافظ كفر الشيخ وتم إدخال الرصف والكهرباء للقرية.
واكد أحفاد الزعيم على ضرورة ترميم المنزل وتطويره، نظرًا لأنه يعتبر من الآثار ومر على إنشائه أكثر من ١٢٠ سنة، وآخر من قام بترميمه كان «الزعيم» حيث جدده ليستقبل فيه الخديو عباس حلمي، وبعدها لم يتم تجديده، ويخشون أن ينهار المنزل بفعل الإهمال ومرور الزمن والعوامل الجوية والمياه الجوفية.
كم طالبوا بإقامة احتفالية كبيرة بالقرية تليق بذكرى مئوية ثورة ١٩١٩، لأن آخر زيارة لمسئول للقرية كان فى ٢٠١٦، وقت تولى الدكتور أسامة حمدى المحافظ السابق المنزل، عندما تقدمت بشكوى له أكدت فيها أن سلالم الحراملك مهددة بالانهيار والمنزل مدرسة وهناك مخاوف على الأطفال، فتم إصلاحها، وهناك سلم مكسور ويحتاج لإصلاح، وآخر مسئول سياسى زار بيت سعد زغلول الدكتور السيد البدوى فى ٢٤ أغسطس ٢٠١٢م وأبدى استياءه عما آل إليه بيت سعد زغلول، نظرًا لأن المياه الجوفية تهدده بالانهيار فى أى وقت ولا توجد وسائل أمان أو إطفاء به علمًا بأن أرضية كثير من حجراته من الخشب.
«مفيش فايدة»
أوضح محمد نجيب زغلول، سبب المقولة الشهيرة لسعد «مفيش فايدة» حيث أكد أنه تم فهمها خطأ واستعملت بعد ذلك فى قياس باطل، لأن الزعيم قالها فى المراحل الأخيرة من مرضه حينما دخلت عليه زوجته صفية زغلول وأخبرته بأنها ستحضر له طبيبًا فرفض وقال لها «مفيش فايدة»، لإحساسه بقرب نهايته. 
ويحكى محمد نجيب، أن جده سعد زغلول، كان صديقًا لقاسم أمين وغيرهم من أصحاب نظرية حرية المرأة، ولكنه لا يعلم صحة قيامه بكشف حجاب إحدى النساء وقوله لها «أنزعى هذه الخرقة البالية».
تطوير القرية
يطالب أهالى قرية إبيانة التى يصل عدد سكانها قرابة الـ١٥ ألف نسمة، بسرعة الانتهاء من توصيل الصرف الصحى الذى بدأ منذ عام وحول شوارع القرية لبرك ومستنقعات وحفر يصعب سير المشاة فيها، فضلًا عن السيارات، كم يطالبون بمد الصرف الصحى للمنازل الجديدة التى تقع على أطراف القرية وتصل لأكثر من ٣٠٠ منزل وسرعة الرصف.
كما يطالب الأهالى بتحويل قطعة أرض تبرعوا بها، إلى مركز شباب، نظرًا لعدم وجود مركز شباب بالقرية، بالإضافة لتزويد القرية بكشافات إنارة إضافية بالشوارع الرئيسية والمقابر والمدارس.
وتطالب سها محمد حسن زغلول «حفيدة سعد زغلول» ومديرة مدرسة سعد زغلول، بتوفير سرفيس أو أتوبيسات لأهالى القرية، نظرًا لعدم وجود أى وسيلة مواصلات باستثناء، التوك توك والذى يقوم سائقوه برفع الأجرة ما بين ٧ و١٠ جنيهات بسبب أعمال الحفر بالشوارع.
تمثالان وميدان
أقامت الدولة تمثالين لسعد باشا زغلول أحدهما تمثال قديم وصغير ومهمل بمدخل القرية مصنوع من الحجر الجيري، وبدت عليه علامات الإهمال والآخر تمثال كبير من الجرانيت، وضع على قاعدة يصل طولها مع التمثال ٥ أمتار يرفع يده اليمني، وذلك بالقرب من مدخل مطوبس الجنوبى على قناطر إدفينا.
أما قرية إبيانة فيعود اسمها إلى «بيانات» وتعنى القرية الأكبر من الصغيرة والأصغر من المدينة، وهناك تفسير آخر للاسم بأنها الطريق للسفن ثم حُرف الاسم بعد ذلك لـ«إبيانة»، وكانت القرية مرساة للسفن والصيادين فى العصر القديم وكان بها فنار للإرشاد الملاحي.
ويمتهن أهلها الزراعة ويصل متوسط الحيازات بها إلى فدانين، وبها نسبة كبيرة من المتعلمين بعضهم يشغل مناصب مرموقة فى الجامعات كعمداء كليات وأطباء وكذلك مستشارين وضباط ومحامين ومدرسين وحرفيين ولكن لا تشتهر بحرفة معينة، وبها ٣ مدارس منها مدرسة سعد زغلول الابتدائية التى تتزين بصوره، ومعهد دينى ووحدة صحية وجمعية زراعية، وقريبة من النيل بـ٢٠٠ متر وتبعد عن مدينة مطوبس بـ٥٠٠ متر وعن البحر المتوسط بـ٢٥ كيلومترا، وهناك العشرات من أبناء القرية تسموا باسم «سعد زغلول».
«نهضة مصر».. تمثال بأنامل محمود مختار يعكس روح ثورة 1919
قبل اشتعال أنفاس ثورة ١٩١٩ التى جاءت نتيجة لتراكم الغضب المصرى بسبب التدخل الأجنبى فى الشئون والأحوال المصرية، كان الفن التشكيلى آخذًا مكانته ووضعه بين الفنون فى مصر، وذلك منذ أن تأسست كلية الفنون الجميلة المعروفة بـ«مدرسة الفنون الجميلة» فى ذلك الوقت.
الأمير يوسف كمال أحد أبناء الأسرة المالكة فى مصر كان شغوفًا بالفن ومحبًا شديدًا له، وزاد تعلقه به بعدما طرح النحات الفرنسى «جيوم لابلان» فكرة تأسيس مدرسة للفن، فقام «كمال» بتأسيس مدرسة الفنون الجميلة بمنطقة درب الجماميز منذ عام ١٩٠٨، وكانت مفتوحة أمام كل من لديه موهبة فنية، وكان لا يشترط سنًا معينة ومجانًا أمام كل الموهوبين، وكان شرطه الوحيد أن يخضعوا إلى اختبار قبول ليكون فيصلًا أمام قبولهم بهذه المدرسة التى أخرجت بعد ذلك كوادر فنية دولية وعالمية.
جاء الفنان والنحات «محمود مختار» كأول المنضمين لمدرسة الفنون الجميلة، حيث وُلد فى ١٨٩١ بمحافظة الغربية، وتأثر كثيرًا بطبيعة مكان نشأته الذى تربى وترعرع بها، وتأثر بأجواء القرية التى أخرجت منه الحس الفنى الذى تعمق بداخله وجعلته قائدًا ومؤسسًا لحركة النحت فى مصر. كان يجلس «مختار» على شاطئ الترعة بقرية قريبة من محافظة المنصورة، وقاده حسه الفنى نحو اللعب بالطمى وصنع التماثيل، حتى استطاع أن يُبدع ويصنع تماثيل لمجموعة من أبطال العرب، وكان أول نحات مصرى يقيم تماثيله فى الميادين العامة والشوارع، فأعاد روح الفن إلى الأذهان.
من قبل انفجار ثورة ١٩١٩، شارك رائد النحت بالحركة التشكيلية المصرية، فى الحركة الوطنية، وكانت هذه المشاركة ليست فنية فقط، ولكنه شارك بصرخته فى المظاهرات المُطالبة بالدستور والاستقلال منذ عام ١٩١٠، وخرج من هذا الحادث بتمثال «رياح الخماسين» الذى عكس من خلاله الصراع بين الريح العاتية والفلاحة المصرة على المضى عكس التيار.
استطاع مختار بعد ذلك أن يضع اسمه رمزًا وعلامة فى حركة الفن التشكيلى المصرى، وذلك باعتباره رائدًا عبقريًا لفن النحت، ووضح ذلك فى تعبيره عن ثورة ١٩١٩ التى لا تزال رموزها مجسدة حتى الآن فى تمثال «نهضة مصر» وتمثال «سعد زغلول» قائد الثورة، الذى استطاع بهما أن يلقى ظلًا كثيفًا على الأجيال التالية من النحاتين المصريين. 
واستمرارًا لمجهودات مدرسة الفنون الجميلة فى جذب الكوادر والمواهب الفنية المؤثرة، ازدهرت المدارس التشكيلية بمجيء الفنان التشكيلى العالمى محمود محمد سعيد، والشهير بـ«محمود سعيد»، أحد مؤسسى المدرسة المصرية الحديثة فى الفنون التشكيلية، وجاءت أشهر أعماله الفنية فى لوحات بنات بحرى، الشادوف، الدراويش، بالإضافة إلى لوحة عيد الأضحى التى برع بها ورسمها فى ١٩١٧ ولا تزال محط دراسة لأجيال الفنانين المتعاقبين حتى الآن، حيث وضح من خلالها عادات وتقاليد الشعب المصرى. واستمرت إبداعاته تُساير الأوضاع التى تحل بالبلاد فكان يهتم بها دائمًا بالرغم من سفره إلى باريس لاستكمال دراسته، إلا أنه ركز فى أعماله الفنية على الهوية والوطنية المصرية التى نقلت كل ما حدث فى مصر أثناء ثورة ١٩١٩، من خلال ما كان يتناقله من أخبار عنها.
انضمت مجموعة أخرى من كبار الفنانين التشكيليين لمدرسة الفنون الجميلة فور إنشائها، وجاء من بينهم الفنان التشكيلى «يوسف كامل» بقسم التصوير، وترك تراثًا فنيًا مكونًا من ألفى لوحة زيتية، بالإضافة إلى مجموعة من الاسكتشات السريعة الزيتية والصغيرة المساحة، حيث تناول فى هذه اللوحات كل القضايا والأحداث التى مرت بمصر، كما أنه كان أول عميد يسمح بدخول الفتيات إلى الكلية الملكية للفنون الجميلة فى جميع الأقسام الفنية التى تشمل النحت، التصوير، الزخرفة، والحفر، وكانت هذه الإضافة بمثابة انطلاقة فنية على الساحة المصرية ودعمتها ثورة ١٩١٩ التى شاركت بها المئات الفتيات والنساء وقادتهم «صفية زغلول» فى ذلك الوقت.
روح الثورة
أثرت روح الثورة على العديد من الفنانين التشكيليين، فخرج الجميع بأعمال عكست كل ما يدور بداخلهم من أفكار، وكان من بين هؤلاء الفنانين، الفنان راغب عياد الذى اتحد مع الفنان يوسف كامل نحو تأسيس وخلق أجيال من الفنانين التشكيليين لحمل الراية الفنية بعدهما، بالإضافة إلى أثرهم العظيم المتروك فى إسهاماتهم وأعمالهم الفنية الخالدة. 
توسعت بعد ذلك دائرة الفن التشكيلى، وانطلقت حتى جذبت مجموعة كبيرة لا يمكن المرور بتاريخ الفن التشكيلى دون ذكرهم فجاء من بينهم الفنان السكندرى محمد ناجى المتميز بلوحاته الجدارية الكبيرة، ومن بعده جاء الفنان سيف وانلى وأخوه أدهم وانلى اللذان أصرا على دراسة الفن رغم رفض والدهما، وتميزت أعمالهما بالواقعية والتنوع فكانا يُسابقان الاتجاهات الفنية الحديثة والمعاصرة التى ظهرت فى العالم، وذلك بعد دراسة الفن فى مدرسة حسن كامل فى ١٩٢٩. 
وبمرور التاريخ خرجت الفنانة «إنجى أفلاطون» لتُشارك مجموعة رواد الحركة التشكيلية، كأول فنانة تتخذ من «السيريالية» منهجًا، وذلك يرجع إلى إيمانها الكبير بأهمية حرية الرأى والتعبير، واستمرت الإنجازات الفنية والإبداعية واحدة تلو الأخرى، خاصة بعد انضمام مجموعة من الفنانين، منهم «حامد ندا» والفنان «عبدالهادى الجزار» إلى مشوار الإنجازات فى الفن التشكيلى، وتركهم بصمة فنية لا تزال تُدرس فى تاريخ الفن التشكيلى حتى الآن.
استطاع مختار بعد ذلك أن يضع اسمه رمزًا وعلامة فى حركة الفن التشكيلى المصرى، وذلك باعتباره رائدًا عبقريًا لفن النحت، ووضح ذلك فى تعبيره عن ثورة ١٩١٩ التى لا تزال رموزها مجسدة حتى الآن فى تمثال «نهضة مصر» وتمثال «سعد زغلول» قائد الثورة، الذى استطاع بهما أن يلقى ظلًا كثيفًا على الأجيال التالية من النحاتين المصريين.
"
هل تؤيد حجب الألعاب الإلكترونية الخطرة؟

هل تؤيد حجب الألعاب الإلكترونية الخطرة؟