الجمعة 21 يونيو 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

ثقافة

الجهل يغتال التاريخ.. هدم "وكالة العنبريين" يسلب من "المعز" قيمته

هدم وكالة العنبريين
هدم وكالة العنبريين
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news
يأتى هدم «وكالة العنبريين»، وهى واحدة من أقدم المبانى التاريخية بالقاهرة الفاطمية، كآخر حلقة فى سلسلة التدمير الجاهل للتراث، ويُعيد طرح السؤال الذى لا نجد إجابته، ويقدم كل فترة كارثة لا نستطيع تحديد المسئول عنها، ماذا يتبقى لنا بعد هدم التراث؟
ويمثل هدم مبنى «وكالة العنبرين» جرس إنذار جديدًا للمعنيين بالآثار ليتم إدراج المبانى الأثرية التى سقطت من التسجيلات، وإن لم يحدث هذا ربما نأتى بعد مائتى عام ولن نجد شارع المعز أو غيرها من مبانى القاهرة الفاطمية التى نعرفها.
حين أكمل الفاطميون إنشاء مدينتهم الملكية، وبالتحديد فى عام ٥١٧ هجرية أى منذ أكثر من ٩٠٠ عام تقريبًا، وضعت اللبنة الأولى فى مبنى وكالة العنبريين، والتى تم بناؤها قبل عصر السلطان قلاوون بمائة وخمسين تحت مسمى «حبس المعونة» وهو ما يعرف حاليا بـ «السجن»، واستمر الحال بالمبنى حتى عصر الدولة العثمانية والتى قامت بتحويله إلى وكالة كبيرة لصناعة وبيع العطور، وكان أشهر تلك العطور هو «العنبر» ومن هنا جاء مسمى «وكالة العنبريين» نظرًا لانتشار محلات بيع العنبر. 
وتعتبر وكالة العنبريين هى آخر وكالة بالقاهرة الفاطمية، ويرجع تاريخها إلى عام ١٢٧٣، وترجع ملكيتها إلى يعقوب بك صبرى، وفق ما ورد فى كتاب «على باشا مبارك»، فى وصف المنطقة، حيث توضح إحدى المخطوطات النادرة والتى تعود إحداها إلى عام ١٨٥٥ والمدونة بخط الريشة، بالإضافة إلى مخطوطة أخرى يعود تاريخها إلى عام ١٩٣١ والموجودة بدار المحفوظات المصرية والتى تعود لناظر الوقف مصطفى رشدى، حيث يتحدث فيها عن تاريخ الوقف والمصارف التى ينفق عليه دخله. 
فالعقار رقم ٨٨ سابقًا - ٨٤ حاليًا بشارع المعز لدين الله الفاطمى، عانى خلال السنوات القليلة الماضية كثيرًا من الإهمال الشديد، بل إنه قد تعرض لحريق كبير فى عام ٢٠٠٥، بعد أن كان وكالة شديدة الجمال والروعة، وتفوح منها أروع الروائح العطرية، فما بين الصراعات والنزاعات التى نشأت بين مُلاك المكان، والمستأجرين، وغيبة تامة من وزارة الآثار فى الفترات السابقة، وبعد المحاولات الكثيرة التى حاولوا فيها تسجيل المبنى كأثر تاريخى، إلا أن الوضع الذى كان عليه المبنى من تخريب سواء كان متعمدًا أو غير متعمد، جعل اللجنة الدائمة بالمجلس الأعلى للآثار ترفض تسجيله مرتين. 
تسجيل العقار كأثر
تم تشكيل لجنة من قبل وزارة الآثار لتسجيل العقار رقم ٨٨ بشارع المعز «وكالة العنبريين» فى عام ٢٠١٦، والتى أفادت بعدم صلاحية تسجيله فى عداد الآثار الإسلامية والقبطية.
وبعدها قامت النيابة الإدارية بتشكيل لجنة منفصلة والتى جاء قرارها مخالفًا لقرارات لجنة وزارة الآثار بصلاحية تسجيل المبنى، ولكن اللجنة الدائمة عند عرض تقرير لجنة النيابة الإدارية قامت بالتصديق للمرة الثانية على عدم تسجيله، وبالتحديد فى ٦ أبريل ٢٠١٦، برئاسة الدكتور مصطفى أمين، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار آنذاك، حيث أكدت اللجنة بعدم صلاحية المبنى وقامت بتحرير تقرير مفصل يفيد بعدم صلاحية المبنى وتسجيله كأثر. 
وكانت المرة الثانية فى ٢٢ يوليو عام ٢٠١٦ حدث سجال حول تسجيل العقار رقم «٨٨»، كأثر، والتى أصرت فيه اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية والنيابة الإدارية على عدم تسجيل العقار على الرغم من تاريخه الطويل والذى يقع على مساحة ١٢٥٠ مترًا، أمام مدرسة الأشرف درسباى.
النيابة الإدارية 
وقال المستشار محمد سمير المتحدث الرسمى باسم النيابة الإدارية، إن النيابة فتحت تحقيق مباشر عن محاولة هدم وكالة العنبريين، بعد شكوى الكثير من المواطنين، فتم تشكيل لجنة من كلية الآثار ومن أثريين كبار، أقرت اللجنة بأن المواصفات الخاصة بالمبانى الأثرية متوافرة بالمكان، وتمت توصية وزارة الآثار باتخاذ إجراءات تسجيل المكان كأثر. 
«الآثار» تنفى علاقتها بهدم الوكالة
من جانبه، نفى محمد عبدالعزيز، المشرف العام على مشروع القاهرة التاريخية، علاقة وزارة الآثار بهدم وكالة العنبرين التاريخية، وبالتحديد العقار رقم ٨٨ بشارع المعز لدين الله الفاطمى، وأنه مبنى غير أثرى، ولم يسبق تسجيله من قبل. 
وأكد «عبدالعزيز»، فى تصريحات خاصة لـ«البوابة»، أن محافظة القاهرة هى التى تقوم بعملية الهدم، وأن هدم العقار جاء لسوء حالته، وخطورته على السكان، وأن هذا النزاع بين المحافظة وسكان العقار، وكانت هناك محاولة بالزج بوزارة الآثار لكى تكون طرفًا فى هذا النزاع، عن طريق محاولة تسجيله كأثر تاريخى، ولكن العقار لم يسجل. 
وأشار إلى أن العقار مهدم من الداخل ولم يبقَ منه سوى الواجهة فقط، وأنه قد تعرض للحرق مرتين الأولى كانت فى عام ٢٠٠٥، والثانية فى عام ٢٠١٧، مشيرًا إلى أن ملكية أرض الوكالة تعود لأحد الأشخاص، وليست ملكًا للمحافظة. 
مؤكدًا أنه فى حالة إعادة البناء سيتم اتباع الشروط والمعايير والمواصفات المتعلقة بالمبانى القاهرة التاريخية، ووفقًا للارتفاعات المناسبة بالمبانى الأثرية الموجودة بالفعل، ومنها المدرسة الأشرفية والتى تقع بالقرب من العقار. 
فيما قالت مصادر بوزارة الآثار إن ما يقرب من ٦٠٪ من العقار حالته مزرية تمامًا وأن ما تبقى منه لا يتعدى الـ٢٠٪، ولا يمكن استرجاعها مرة أخرى أو إعادة ترميمها. 
لا يمكن نفى التاريخ
فيما قالت الدكتورة رضوى زكى، الباحثة فى الآثار الإسلامية، إنه لا يمكن نفى الصفة التاريخية للمبنى وأثريته، فقد مر بالعديد من العصور التاريخية والتى بدأت من عصر الدولة المملوكية والفاطمية وعصر محمد على باشا، وقد عرف فيما قبل بـ«القيصرية»، وهى الوكالة المفتوحة. 
وأكدت «زكي»، فى تصريحات خاصة لـ«البوابة»، أن ما حدث فى المبنى عام ٢٠٠٥ إثر الحريق الذى نشب به، قد خربه من الداخل ولم يتبقَ منه سوى واجهة المبنى، وأركان، إلا أن الأغرب أنه فى عام ٢٠٠١ تم إصدار دليل الآثار الإسلامية، ولم يتم تسجيل المبنى به كأحد الآثار الإسلامية، وتم الاكتفاء بإطلاق مسمى العقار «٨٨»، على الرغم من وجود العديد من التوصيات بضرورة إدراج العقار كأحد المبانى الأثرية فى المجلس الأعلى للآثار وقتما كان تابعًا لوزارة الثقافة وقتها، وأن عدم تسجيل المبنى كأثر وتخلى الوزارة عن المبنى أدى إلى تدخل جهات أخرى، وأصدرت محافظة القاهرة قرارًا بهدم المبنى باعتباره تابعًا لحى الجمالية فى ٩ فبراير ٢٠١٩.
وأضافت أنه على الرغم من كل هذا أن تاريخ المبنى معروف ومثبت فى الكتب التاريخية، كما أن وجوده بشارع المعز لدين الله الفاطمى، وهو المكان الذى يُعد متحفًا مفتوحًا، ودرة القاهرة التاريخية ولا يوجد نظيرًا له على مستوى العالم، ويتواجد بجوار منطقة خان الخليجى الأثرية، وأنه كان يمكن التدخل وإنقاذ المبنى باعتباره أحد أهم معالمك الشارع، وكان يمكن إعادة ترميمه واستخدامه حتى لو لم يتم تسجيله كأثر، ويتم الحفاظ عليه من تدخل أى جهات أخرى والتى من الممكن ألا تكون مهتمة بالتاريخ أو الحضارة، ويتم تركه للنزاعات، وتتعرض للهدم. 
وتساءلت الباحثة فى الآثار الإسلامية، عما إذا كانت المبانى التاريخية لم يتم تسجيلها، فماذا يتبقى لنا الآن بعدم هدم التراث؟ فهل سنقوم بشراء التاريخ بعد ذلك؟ واعتبرت أن هدم مبنى «وكالة العنبريين» بعد بمثابة جرس إنذار للمعنين بالآثار، وأنه يتم إدراج كل المبانى الأثرية والتى سقط من سجل التسجيلات، وإلا سنأتى بعد مائتى عامين ولن نجد ما يسمى بشارع المعز أو غيرها من مبانى القاهرة الفاطمية، ففى القرن التاسع عشر تم إنشاء لجنة سميت بـ«بلجنة حفظ الآثار العربية» ولولا هذه اللجنة لتعرضت معظم مبانى القاهرة التاريخية للهدم، فهل نحن فى حاجة الآن إلى مثل هذه اللجنة، ونحن لدينا وزارة الآثار المصرية. 
وأشارت «زكي» إلى أن العصف بقرار النيابة الإدارية والتى أقرت بضرورة تسجيل المبنى كأثر، وعلى الرغم من ذلك تم هدم البناء فى غفلة وبقرار من جهة حكومية أيضًا، وبالرغم من القرار الرئاسى الذى فرح به جميع الأثريين والصادر فى ١٣ ديسمبر ٢٠١٨، وهو إنشاء لجنة لحماية التراث العالمى والتى تضم جميع الأطياف المعينة بحفظ التراث، والتى يرأسها رئيس الوزارة وبعضوية وزارات السياحة والآثار والتنسيق الحضارى، والتى من مهامها الحفاظ على التراث والهوية المصرية، فأين هى اللجنة من قرار الهدم؟ 
الكارثة
واستنكر الدكتور سامح الزهار، الباحث فى الآثار الإسلامية، هدم وكالة العنبريين، التى تقع فى شارع المعز لدين الله الفاطمى.
وقال الزهار، فى تصريحات خاصة، لا يمكن إغفال أهمية مبنى وكالة العنبريين كونه أثرًا، وله قيمة أثرية كبيرة، رغم أنه لم يتم تسجيله فى عداد الآثار الإسلامية، ولا يستطيع أى شخص نفى هذه الصفة عنه، والذى يرجع تاريخه لمئات السنوات.
وأضاف الزهار: «كان المبنى شاهدًا على عصر الدولة الفاطمية والعثمانية، وله قيمة تاريخية ووزارة لم تستطع نفى هذه الأهمية الأثرية للعقار وفقًا للبيان الصادر عنها، مشيرًا إلى أن الأجزاء المتبقية ترجع للقرن التاسع عشر ولعصر السلطان قلاوون، والعصر العثمانى. 
وشدد «الزهار» على أن عدم تسجيل البناء يرجع إلى تقصير من اللجنة الدائمة التابعة لوزارة الآثار، كما أن مسألة أن المبنى متهدم، فهناك قسم الترميم، وهو المسئول عن إعادة المبانى، وكان من الممكن إعادة ترميم المبنى، مثلما حدث مع متحف الفن الإسلامى، ومنطقة الغورية، وغيرها. 
وأكد «الزهار» أن الحفاظ على المدن التاريخية، لا يعتمد فقط على المبانى التى تم تسجيلها فى السجلات فقط أو من خلال الـ٢٨ مبنى الأثرى المسجلين.
وقال: «إن القاهرة التاريخية يتم الحفاظ عليها بكل ما فيها، وذلك عن طريق الحفاظ على ثلاثة عناصر مهمة، وهما المكان والزمان والإنسان، فالزمان هو الذى يتمثل يتم فيه رصد تاريخ المنطقة، والمكان هو طريق تاريخ المبانى الأثرية والتى لها طابع تاريخى مهم، والنقطة الثالثة، وهى الإنسان وهو المعنى بالحرفيين والصناعات الحرفية والتقليدية». 
وواصل: «ما يحدث يُعد كارثة وأكبر دليل على ذلك أن المحافظة هى التى أصدرت قرارات الإزالة، ولم تحترم قرار النيابة الإدارية، لأن القرار خرج فى وقت مريب، على الرغم من قرار النيابة والتى أوقفت قرار الهدم، وهو أمر محزن جدًا، ولا توجد قرارات إزالة تخرج بهذه السرعة وهو الأمر الذى يشوبه بعض الغموض، والجميع يُخلى مسئوليته عن هذا القرار». 
وأكمل: «هناك تخوفات كثيرة بشأن هدم المبنى وإعادة بناء مبنى جديد بالخرسان، والتى منها أولًا مسألة التزام المالك بالمعايير الإنشائية فى المناطق التاريخية، طبقًا للاشتراطات بمواقع التراث العالمى، باعتبار أن القاهرة التاريخية جزء من التراث العالمى وفقًا لمنظمة اليونيسكو، بالإضافة إلى التخوفات الهندسية والتى ستنشأ بسبب إنشاء مبانٍ خرسانية، والملاصقة للمبانى التاريخية بشارع المعز، وهل ستتأثر بالتأكيد، ومن الممكن أن تحدث تصدعات بها». 
وختم الزهار بقوله: «مهمة ودور وزارة الآثار ليس نفى أثرية الشيء من عدمه، لكن دورها الحقيقى هو تسجيل الأثر، وبهذا تكون مسئولة عما يحدث، وأتمنى أن تكون هناك لجنة محترمة تقوم بعمل حصر دقيق، تبدأ بكل المبانى ذات الطابع التاريخى والتراثى والأثرى غير المسجلة بوزارة الآثار، لحماية ما تبقى من المدينة التاريخية، وأتمنى أن يكون هناك جزء مخصص من ميزانية الحكومة لهذا الموضوع».
الفساد والإهمال
من جانبه، أكد الناقد الدكتور سمير غريب، أنه لا يعرف الوكالة على أرض الواقع حتى يحدد ما إذا كان هدمها يمثل مخالفة للقانون أم لا.
وقال غريب: «هناك فارق بين مبنى واحد ومنطقة متكاملة، والمؤكد أن هذه منطقة أثرية وفيها تراث معمارى متميز ولمثل هذه المناطق معايير تحميها فى قانونى الآثار والتنسيق الحضارى».
وأضاف غريب: «يجب الأخذ برأى المختصين والمسئولين عن المنطقة بصفتها منطقة أثرية أو على الأقل تطبيق معايير التنسيق الحضارى، فى المبنى الذى سيتم إنشاؤه محلها بعد الانتهاء من الهدم».
وأكمل غريب: «على كل حال مثل هذه الأمور تكررت كثيرًا من قبل، وستتكرر من بعد فى ظل عدم تطبيق القانون من جهة وانتشار الإهمال والفساد من جهة أخرى».