رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
ads
ads
وائل الشهاوي
وائل الشهاوي

الفتنة الكبرى "2"

السبت 02/فبراير/2019 - 07:56 م
طباعة
عقب مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وتلقى الإمام على ـ رضى الله عنه ـ البيعة من المسلمين فى سائر البلاد، ووضع استراتيجية تقضى بترتيب أمور الدولة واستعادة هيبتها وحمايتها من الفوضى أولا قبل الشروع فى ملاحقة القتلة، وهذا ـ رأى محمود ومقصد نبيل ـ يميل إلى تغليب صوت العقل، وإزاء هذا الرأى ظهر رأى آخر يميل إلى العاطفة تزعمه عدد من كبار الصحابة يقضى بتنفيذ العقوبة بحق قتلة عثمان، تزعمه الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأم المؤمنين عائشة ومعاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهم.
نقل الإمام على عاصمة الخلافة من المدينة المنورة إلى الكوفة، وتعالت أصوات الصحابة المطالبين بالقصاص، ورفض معاوية بيعته وظل متحصنًا فى ولايته بالشام، وكذلك الحال فى مصر التى اتبع أهلها رأى فاتحها عمرو بن العاص، وتطور خلاف الرأى إلى صراع مسلح، حيث صار الصحابيان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ـ وهما أحد العشرة المبشرين بالجنة ـ مع السيدة عائشة إلى قتال الخليفة فى البصرة فى معركة أطلق عليها «موقعة الجمل» نسبة إلى «جمل» السيدة عائشة عام ٣٧٦هـ، وأثناء المعركة قتل طلحة، وانسحب الزبير ليقتله أحد المتشددين بعد المعركة، وانتصر جيش الخليفة وأعاد السيدة عائشة معززة إلى المدينة المنورة.
لم ينته الأمر عند موقعة الجمل، فقد رفض معاوية ولاية على، معتمدًا على محبة أهل الشام له، واعتبرهم ظهيره ومصدر قوته الضاربة، فقد لبث فيهم واليًا لأكثر من ١٥ عاما، فقد أسند إليه الفاروق ولايتها بعد وفاة أخيه يزيد بن أبى سفيان عام ٢١ هـ، وكان معاوية يلقب هناك بـ«خال المؤمنين» حيث كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ متزوجًا من السيدة أم حبيبة ـ أخت معاوية ـ وسعى معاوية لخدمة قضيته بتعليق قميص عثمان الملطخ بدمه وأصابع زوجته نائلة بنت الفرافصة، التى قطعها قتلته وهى تدافع عنه فى المسجد الجامع بدمشق، وهو ما أثار حماس الشاميين لتطبيق القصاص ورفض بيعة الإمام على، الذى أمر بعزل معاوية عن الشام.
وعلى ضفاف الفرات التقى الفريقان فى معركة صفين عام ٣٧ هـ، وبعد أسبوع من القتال المستعر كان يقوده قادة الجيشين، قرر على ومعاوية أن يلتقيا وجها لوجه، واشتبكا فى قتال عنيف، راح ضحيته آلاف المسلمين من الطرفين، الذين وحدتهم يوما راية الإسلام فهزموا أكبر قوتين فى العالم آنذاك الفرس والروم، ودام القتال يومين آخرين، وفى اليوم التاسع كانت الغلبة لجيش الإمام على ومعه أهل العراق.
ورأى معاوية أن السيوف وحدها لن تنجيه من قبضة على، وباعتباره أحد دهاة العرب المشهورين، فقد لجأ إلى استخدام «خدعة الحرب»، معتمدًا على مشورة عمرو بن العاص، الذى لم يكن بأقل منه دهاء، فقد دعا جيش معاوية إلى رفع المصاحف على أسنّة الرماح، ومعنى ذلك أنّ القرآن حكم بينهم، ليدعوا جيش على إلى التوقف عن القتال ويدعون عليًا إلى حكم القرآن.
وفعلًا جاء نحو عشرين ألف مقاتل من جيش على حاملين سيوفهم، وقد اسودّت جباههم من السجود، يتقدمهم مجموعة من القرّاء الذين صاروا «خوارج» فيما بعد، فنادوه باسمه وليس بأميرالمؤمنين: «يا على، أجب القوم إلى كتاب الله إذا دُعيت، وإلاّ قاتلناك» فأجابهم على: ويحكم أنا أوّل مَن دعا إلى كتاب الله، وأوّل مَن أجاب إليه، وكان أمير المؤمنين فى هذا الموقف أمام خيارين: إما المضى بالقتال، ومعنى ذلك أنّه سيقاتل ثلاثة أرباع جيشه وجيش معاوية، وإما القبول بالتحكيم، وهو أقلّ الشرّين خطرًا. فقبل على التحكيم وترك القتال مكرها.
لقد كان إقحام «المصاحف» فى الحروب والسياسة سابقة خطيرة، لم يكن المقصود منها الاستناد إلى حكم الله بقدر الخروج من مأزق سياسى وحربى ونجاة فصيل من الهزيمة، وبالفعل توافق الطرفان على أن يرسل كل منهما مفاوضا للتشاور فى الأمر حقنًا للدماء، فأرسل معاوية عمرو بن العاص، فى حين اضطر الإمام على إلى إرسال أبى موسى الأشعرى، وكان يخشى منه لكونه غير مكافئ لذكاء عمرو.
واختلفت الروايات حول ما تم فى هذا التحكيم، فمن يدعى باتفاق عمرو وأبوموسى على أن يتم تنحية معاوية وعلىّ، واختيار خليفة جديدة للمسلمين يجمع شملهم، وخرجا من خيمة التفاوض لإعلان هذا القرار، وقد اصطف الجيشان، فقال أبوموسى، إنه خلع عليًا، وقال الآخر إنه يثبت معاوية، وهناك رواية تقول: إنهما توافقا فقط على أن يعود الجيشان من حيث أتيا لحين التوافق على القصاص من قتلة عثمان، وتوحيد صفوف المسلمين.
لكن الأكيد أن استخدام «القرآن» ورفع المصاحف على هذا النحو، قد أسهم فى تفريق المسلمين وإحداث شروخ عميقة فى العقيدة الإسلامية للأمة التى تركها الرسول كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وظهرت الشيعة بطوائفها، كما ظهر الخوارج الذين خرجوا من جيش الإمام على وقاموا بمحاربته فى معركة النهروان، ثم أفتوا بتكفير علىّ وضرورة قتله، بالإضافة إلى معاوية وعمرو بن العاص، وبالفعل نجح عبدالرحمن بن ملجم بقتل الإمام على، بطعنة غادرة أثناء صلاة الفجر فى ١٨ رمضان عام ٤٠ هـ، فى حين فشلوا فى اغتيال معاوية وعمرو.
وفى عام ٤١ هـ أراد الله أن تهدأ هذه الفتن مؤقتا، حيث قام الإمام الحسن بن على بالتنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبى سفيان لحقن دماء المسلمين، ولتنته بذلك دولة الخلفاء الراشدين لتقوم الدولة الأموية.
لقد أراد الله بهذه الفتنة التى دارت بين الصحابة وهم أهل محبته وأول من اتبع الرسول وصدقه، أن يجنبنا الفتن وعدم الخوض فى غمارها أو التستر باسم الدين لتحقيق مكاسب سياسية، أو إقحام كتاب الله فى جدل سياسى لا يفيد وسرعان ما سينقضى، وفعلا ما أشبه أيامنا هذه بأيامهم وما أقرب السنوات الأخيرة التى مررنا بها بتلك السنوات.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها
"
هل تؤيد حجب الألعاب الإلكترونية الخطرة؟

هل تؤيد حجب الألعاب الإلكترونية الخطرة؟