رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

القس سهيل سعود يكتب: بَيْن مَعْموديَّة المسيح ومَعْموديَّتنا فى المسيح

السبت 12/يناير/2019 - 08:12 م
القس سهيل سعود
القس سهيل سعود
طباعة
قال اللاهوتى الإنجيلى المُعاصر «كارل بارت» إنَّ سِرَّ المعمودية تأسَّس فى الكنيسة لأنَّ يسوع المسيح نفسه قَد اعتمد فى نَهْر الأردن. فالمسيح اعتمَد، وأوصى تلاميذه بالمعمودية قائلًا: «دُفِع إليَّ كل سلطان فى السماء وعلى الأرض، فاذْهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلِّموهم أنْ يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كلّ الأيام إلى انْقضاء الدهر» (متى 28: 18). وهكذا إطاعةً لأمر المسيح الذى اعتمد، نحن نعتمد.
هناك علاقة وثيقة بَيْن معمودية المسيح ومعموديتنا فى المسيح. وحتى نفهم هذه العلاقة لا بُدَّ أنْ نُفكّر أولًا فى بعض معانى معمودية المسيح، لنرى ما تحمله من معانٍ لمعموديتنا. فإذْا تأمَّلنا فى السِّياق الذى تكلَّم فيه إنجيل لوقا لتوضيح سبب معمودية يوحنا المعمدان للمسيح، نرى أنَّه كان يعمِّد الناس بمعمودية التَّوبة لمَغفرة الخطايا، وهو يقول لهم: «توبوا، لأنَّه قد اقترب ملكوت الله... أنا أعمِّدكم بماء، ولكن يأتى مَن هو أقوى منِّي، الذى لسْتُ أهلًا أنْ أحلَّ سيور حذائه، هو سيعمِّدكم بالروح القدس ونار» (لوقا3: 16). ويُخبرنا البشير متَّى أنَّ كرازة يوحنا المعمدان ومعموديته لاقَت إقْبالًا كبيرًا مِن الناس، إذْ يقول: «حينئذ خرج إليه أورشليم وكل اليهودية وجميع الكورة المحيطة بالأردن، واعتمدوا منه فى الأردن مُعترفين بخطاياهم» (متى3: 5). هذا الإقبال الكبير مِن قِبَل اليهود على معمودية يوحنا المعمدان، لَمْ يكُن اعتياديًا بل كان مُفاجئًا. لأنَّ اليهودى لَمْ يكُن يَقْبل أن يعتمِد أبدًا. فالمعمودية التى كانت مُمارسة مُتَّبَعَة فى الدِّين اليهودي، كانت تُفْرَض فَقَط على المُهْتدين إلى الإيمان اليهودى مِن الأديان الأخرى، الذين يرغبون فى اعتناق اليهودية ليصيروا مِن شعب الله المُختار. فمعمودية المُهْتدين هذه، كانت ترمز إلى تطهير قَلْب وحياة الناس الخطاة من غير اليهود، لكنَّها لَمْ تكُن تُطبَّق على اليهود، لأنَّهم اعتبروا أنفسهم مِن شعب الله المُختار وأنَّهم أولاد إبراهيم غَيْر المُحتاجين للمعمودية. إلاَّ أنَّ الأمر غَيْر الاعتيادى الذى حَدث فى معمودية يوحنا للتوبة، هو أنَّ أولئك اليهود الذين لَمْ يقبلوا فى السَّابق أن تُطبَّق المعمودية عليهم، قَد أقْبلوا الآن بأعداد كبيرة ليَعْتمدوا مِن يوحنا المعمدان مُعترفين بحاجتهم إلى التَّوبة والرجوع إلى الله لينالوا غفرانه. وهذا معنى أساس يتضمَّنه مفهوم معمودية يوحنا المعمدان للتوبة.
لكننا نسأل إن كان الناس قد أدركوا حاجتهم للتوبة ولمغفرة الخطايا فأقبلوا للمعمودية. فلماذا أقبل المسيح الرَّب إلى المعمودية كما أقْبَل الناس آنذاك؟ فيقول لوقا: «ولما اعْتَمَد الشَّعب اعْتَمَد يسوع أيضًا» (لوقا3: 21). فهل للسبب نفسه؟ حاشا وكلاَّ. فهل يُعقل أنَّ الذى يستَقْبل التائبين ويَغْفر خطاياهم يحتاج للتوبة؟ طَبْعًا لا، فيسوع الذى تجسَّد وحلَّ بَيْننا، لَمْ يكُن بحاجة للتوبة ولمَغْفرة الخطايا. إذن فلماذا صمَّم ذاك الذى كان بلا خطية ولَمْ يوجد فى فمه غش، أن يعتمد مِن يوحنا المعمدان كما كان الناس يعتمدون؟ لقد أقبل المسيح للمعمودية ليقدِّم نموذجًا عن حاجة الإنسان إلى الله، وللتَّضامُن مع الناس فى هذه اليَقْظة الروحية الجديدة، لكى يؤكِّد على حاجتهم وحاجة كلّ إنسان لاختبار حضور الله فى حياته مِن خلال توبته واعترافه بخطاياه. فى هذا السياق يمكن أن نفهم جواب المسيح ليوحنا المعمدان عندما حاول مَنْعه مِن المعمودية مِنْ قِبَلِه، فأجابه: «اسْمَح الآن، لأنَّه هكذا يليق بنا أن نُكَمِّل كل بِرٍّ، حينئذ سَمَحَ له» (متى3: 14و 15). فالمسيح لَمْ يكُن يُفكِّر فى نفسه بمَعْزل عن الناس، بَلْ كان كلّ همّه التفكير فى جميع الناس، وتلبية حاجاتهم، ولاسيَّما الروحية منها. لهذا اعتمد معهم واعتمد لأجلهم، ليقدِّم فى معموديته درسًا لاهوتيًا عميقًا يعبِّر عنه معنى معموديتنا، ألا وهو حاجتنا القُصوى إلى حضور الله فى حياتنا. ويَصِف البشير متى معمودية المسيح ويقول: «فلمَّا اعتمد يسوع صَعِدَ للوقت مِن الماء، وإذا السَّموات قد انْفَتَحَت فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه، وصوتٌ مِن السَّموات قائلًا هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت» (متى3: 16 و17).
"
هل توافق على تقنين أوضاع حالات التعدي على الأراضي الزراعية؟

هل توافق على تقنين أوضاع حالات التعدي على الأراضي الزراعية؟