رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

الأب رائد أبو ساحلية يكتب: رموز عيد الميلاد

الخميس 10/يناير/2019 - 06:41 م
الأب رائد أبو ساحلية
الأب رائد أبو ساحلية
طباعة
نعيش خلال شهر يناير احتفالات أعياد الميلاد المجيد بكافة كنائس العالم، ونستجلي رموزه ونستفيد من معانيه. 
يدور هذا العيد حول نبأ قدوم المجوس من بلاد بعيدة للسجود للطفل يسوع لدى رؤيتهم نجمه في المشرق فتبعوه إلى أن وصلوا إلى أورشليم وسألوا “أين ملك اليهود الذي ولد؟ فقد رأينا نجمه في المشرق، فجئنا لنسجد له”. ويقول الإنجيل بأن الملك هيرودس اضطرب واضطربت معه أورشليم كلها عند سماع الخبر. وبعد مقابلتهم لهيرودس الذي أوعز إليهم بأن يبحثوا عن الطفل بحثًا دقيقًا، وأن يخبروه عن مكانه ليذهب هو أيضًا ويسجد له. “فلما ذهبوا إذا بالنجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى بلغ المكان الذي فيه الطفل فوقف فوقه. فلما رأوا النجم فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا. ودخلوا البيت، فرأوا الطفل مع أمه مريم، فجثوا له ساجدين، ثم فتحوا حقائبهم، وأهدوا إليه ذهبًا وبخورًا ومرًا“. وبعد هذه الزيارة الكريمة أوحي إليهم في الحلم ألا يرجعوا إلى هيرودس، لأنه كان ينوي قتل الطفل، فانصرفوا في طريق آخر إلى بلادهم.
إن هذه الرواية مليئة بالرموز والمعاني، فالمجوس أولًا هم ملوك أو كهنة أو علماء فلك، يقول التقليد المسيحي بأنهم أتوا من بلاد فارس أو من العراق أو من الجزيرة العربية أو من شمال أفريقيا، ودلالة زيارتهم هذه الغريبة أن السيد المسيح بميلاده يجمع جميع الشعوب أمام مهده الوضيع في المغارة الحقيرة، ويدعو الجميع، وحتى الأمم الوثنية، إلى الإيمان والخلاص، وهذا الانفتاح مهم جدًا لكيلا يحصر ميلاده بأمة معينة أو بشعب خاص أو بأرض محددة، كما كان اليهود يعتقدون بأن المسيح سيأتي فقط لآل إسرائيل، وهذا ما نسميه بشمولية الفداء. 
أما النجم الهادي فهو من أحد الرموز التي كانت تدل على ميلاد شخصية عظيمة في التاريخ، لدرجة أو علامة فلكية مميزة كانت تظهر في السماء، ولكن الأهم من ذلك هو هذا الترقب والانتظار الذي كان يعمر قلوب هؤلاء العلماء، كما والانقياد وراء النجم للبحث عن الصبي العجيب. وإن غياب النجم لم يثن المجوس من البحث والتنقيب حتى ولو اضطروا إلى السؤال عنه في أورشليم، وهذا دليل على الإيمان والرغبة في البحث عن الحقيقة للوصول إلى اليقين وقد يكون امتحان لإيمانهم واختبار لجديتهم، لذلك فإن تعبهم لم يذهب سدى لأن أملهم لم يفتر ورجاءهم لم يمت بل أثمر بظهور النجم من جديد، لذلك فرحوا فرحًا عظيمًا. ومثل هذه الخبرة تحدث معنا: فما هو النجم الهادي الذي يقود حياتنا ويرشد طريقنا أم أننا نسير وراء الأوهام ونلحق السراب؟ هل نيأس إذا فقدنا النور وبدت الطريق مظلمة موحشة والنفق طويلًا؟ أم نصبر ونثابر ونبحث ونعمل ونحافظ على الأمل؟
إن السجود للطفل في مغارة بيت لحم وتقديم الهدايا الثمينة له علامة اعتراف بعظمة هذا الطفل المولود، فمن الطبيعي أن يزور المرء العائلة التي تنجب طفلًا، ومن الطبيعي أن يقدم له الهدايا، ولكن السجود له وتقديم الذهب والبخور والمر فأمر غريب له مغزى رمزي آخر، وقد رأى الآباء في الذهب اعترافًا بأن هذا الطفل ملك، وفي البخور بأن هذا الطفل إله، والمُرّ بأنه سيتألم ويموت، وفي هذا دلالة واضحة لهويته الملوكية والإلهية ورسالته الخلاصية عند طريق الألم والموت على الصليب. أما نحن، فماذا نقدم لهذا الطفل؟ هل نقدم له ذهب محبتنا وبخور عبادتنا ومُرّ تضحياتنا وندامتنا عن خطايانا حتى ندخل في ملكوت حبه ونتمتع بسماوات مجده وننعم بثمرة موته وقيامته وفدائه؟
أما الأمر الغريب عن هيرودس الرهيب الذي اضطرب واضطربت معه أورشليم لما بلغه خبر ميلاد السيد المسيح، فهو دليل على الغيرة والحسد والحقد لا بل الخوف من فقدان كرسي الملك بمولد ملك الملوك ورب الأرباب، مما ولد الرغبة في ملاحقة الطفل والقضاء عليه، الأمر الذي أدى إلى قتل أطفال بيت لحم الأبرياء، من ابن سنتين فما دون ذلك، أملًا منه بأن يكون الطفل يسوع بينهم. وكل ذلك لأنه رأى بأن المجوس سخروا منه وشعر بأن الطفل أفلت من قبضته، فاستشاط غضبًا ورغبة في الانتقام والتدمير. إن هذه الحادثة المأساوية بالذات قصة أبدية تتكرر مع مدار الزمان وكر العصور منذ قايين وهابيل إلى زمن فرعون فهيرودس فنيرون إلى أيام شارون، والحبل على الجرار، للأسف الشديد، لأن الإنسان لا يتعلم من عبر التاريخ المريرة ويظل يدور في هذه الدوامة الشريرة.
ويحضرني في هذا المقام البطاقة الرائعة التي كتبها زميلي الأب رفيق خوري بمناسبة ذكرى إعلان الدولة الفلسطينية في ١٥ نوفمبر ١٩٨٨ والمنشورة في كتابه (بطاقة ابن البلد: هموم وآمال) حيث يرى بأن محاولات هيرودس ما زالت مستمرة لإجهاض الجنين وقتل الطفل ولكن إرادة الحياة والانتصار أقوى من رغبة الموت والدمار، فكما أفلت الطفل يسوع من قبضة هيرودس سنفلت نحن أيضًا من قبضة زبانيته:
أشرقت الشمس فاضطرب الملك، ولما استوى على عرش الملك، علا صوت النفير واجتمع العسكر وأرعد الملك وأنذر. احجبوا الشمس، قال الملك، وبددوا النجوم والأحلام، أغلقوا منافذ المدينة وكل معبر. فالشمس لي أنا وحدي، والنجوم والأحلام. لي أنا وحدي أنشودة السلام والبرتقال والزيتون والبيدر. احجبوا الشمس، قال الملك، وابحثوا عن الطفل في كل مكان قبل أن يكبر. انتشروا، أقول لكم، وأعلنوا إرادة الملك الأكبر. فالمُلك لي، والمجد لي، والقوة والعزة لي وحدي، وكل عود أخضر. وعاد العسكر، قالوا: يا سيدي الأكبر، عملنا كما رسمت، حجبنا الشمس، وبددنا النجوم، كما حكمت. طوقنا المدينة وأغلقنا كل معبر كما أردت. ولكن يا سيدي الأكبر، يا سيدي الأكبر، الحلم يكبر، يكبر، يكبر.
لا أحد يستطيع أن يقتل حلم شعب بالحرية والاستقلال مهما قصر الزمان أو طال، فلا يمكن أن نغطي الشمس بغربال.
"
من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟

من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟