رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
محمد شاكر
محمد شاكر

عبور عربي إلى النصر.. بالعبرية!

الإثنين 22/أكتوبر/2018 - 09:41 م
طباعة
فوجئ الرأى العام بالإذاعة تعلن قرار الرئيس عبد الناصر بتعيين الأستاذ محمد حسنين هيكل وزيرًا للإعلام، وسامى شرف لشئون رئاسة الجمهورية وكل منهما يشغل مواقع سيادية وبالحساب السياسى والشخصى يجعل القرار أمام تساؤل مثل «الصندوق الأسود»، الذى لا يعرف أن مفتاح السر فى خزانة الرئيس وحساباته التى لا يشاركه أو ينازعه فيها غيره.
وحتى لا ندخل فى تفاصيل فإن هيكل دخل الفورمة على الفور وسامى شرف، فالأمر بالنسبة له سوى تكريم للأمين على حراسة آلية الأداء الرئاسى والاطمئنان على سلامة القائد والمستوى القيادى، لدرجة أنه لم يكن يهدأ له بال إلا بعد أن تنطفئ الأنوار فى غرفة نومه ولا يتحرك إلا عندما يرد على أجهزة الاتصالات التى كانت متقدمة وقتها ليقول بكل ملء الأعماق ردًا على الرئيس.. أفندم.
أما عن هيكل ورغم أننى لم أكن من مدرسته الصحفية رغم ما كنت أحظى به شخصيًا من رسائل وحرصه على أن يكتب اسمى بيده، وهذا يضاعف من التقدير له فى ذكراه السنوية.. ربما تكون مجرد مداخلة لازمة أمام هذا الهرم الصحفى وإصدار الأهرامات وإعادة كتابة منظومتها لكى يقرأها الناس من منظور إبداعي، لذلك فإن القرار بتولى وزارة الإعلام أراد أن يثبت أنه قادر على التحدى المهنى الذى يعيش فى وجدانه بأشهى الأفكار المتحضرة بعيدًا عن أسلوب الإرشاد الدعائى خاصة ومصر تخوض مع الأمة العربية معركتها المصيرية وتحتاج لأفكار مستنيرة وفلسفة لحرب التحرير ودعم للمواطن سياسيًا، لتكون إحدى عوامل النصر بحضور المواطن والشعب برأى عام يعتمد على عنصر الإرادة باعتبارها المنفذة والجاهزة للفداء، وفى إحدى الأمسيات فوجئ الرأى العام ببرنامج مع الدكتور لبيب شقير رئيس مجلس الأمة وفوجئ الناس بأنه استضاف شخصية غير معروفة على الساحة الدعائية وطلب أن يستضيف عالمًا جليلًا من كلية الآداب بالإسكندرية وهو الدكتور حسن ظاظا أستاذ اللغة العربية وهو أكبر موسوعة عربية وإنسانية فى الفكر الدينى الإسرائيلى وصاحب دراسات حول الشخصية الإسرائيلية والصهيونية العالمية وإسرائيل فى دراسة شارك فيها الدكتور الباحث فتح الله الخطيب والباحثة عائشة راتب، ودراسة عن تاريخ أنبياء بنى إسرائيل وهى ترجمة عن العبرية، وهذا الجهد لهذا الباحث منفرد أو معهم أمر يمثل ثوابت وأسس ومنهج البحث العلمى وهو أمر متميز، والدافع الذى جعل لباحث وعالم سياسى له مكانته تجعل قصة الدكتور ظاظا أكثر إثارة.. صحيح أن العالم له أدواته، لكن مسيرته تستحق التأمل، ففى عام 1941م حصل الطالب الجامعى حسن ظاظا على درجة الليسانس فى اللغة العربية من جامعة القاهرة، وكانت الحرب العالمية قد اندلعت وأنشئت جامعة فاروق بالإسكندرية وتولى عميد الأدب العربى طه حسين أول مدير لها، فاختار اثنين منهم حسن ظاظا معيدًا ليتطلع لاستكمال دراسة العليا فى أوروبا شأنه فى ذلك شأن أساتذته ومن سبقوه، ووقت الحرب انقطع الاتصال بين مصر وأوروبا فتوقف استمرار المبعوثين للخارج.
رأى الدكتور طه حسين بمشورة المستشرق مول كراوس أن يذهب المعيد حسن ظاظا إلى فلسطين ليلتحق بالجامعة العبرية للحصول على الماجيستير فى اللغة العبرية وتوجه والتحق، وكأنما كان القدر لخدمة وطنه، ولعله من أوائل الشباب العرب الذين شعروا بمقدمات مبكرة، حيث قال فى وقائع مسجلة «بعد الانتهاء من الدراسة ساقتنى المقادير إلى مواصلة دراسة تخصصية فى الجامعة لأن الحرب كانت قائمة على قدم وساق ولم يكن هناك من سبيل للجامعات الغربية، فعشت مع الشباب الصهيونى ولمست المؤامرة التى كانت تحاك فى فلسطين ضد العرب، فكانت عصابات القمع والإبادة على أشدها إرهابًا، وكنت أستمع لنكات الشباب فكنت أضحك تمويهًا وأبكى وحيدًا.
كان السكان يقومون بعملين لا ثالث لهما.. الزراعة نهارًا وتعلم اللغة العبرية مساءً.. وكانت الجامعة العبرية قد أرسلت حسن ظاظا إلى إحدى المستوطنات ليعيش فيها فترة حتى يتمكن من العبرية، فاشترط عليه كبيرهم أن يعمل مقابل تعلمه اللغة واختاروا له أن يعمل فى نقل السباغ إلى أكثر من مستوطنه، وأعطوه حمارًا هزيلًا لنقل الشحنات فضلًا عن استخدامه كوسيله للركوب، إلا أنه رفض أن يتعرض هذا الحمار لهذا الاضطهاد وتحامل على نفسه وسار على قدميه.. كل هذا لكى يتاح له المزيد للتعمق فى اللغة، لدرجة التميز وتمكن من الحصول على الماجستير من الجامعة العبرية ورجع إلى مصر وكانت الحرب العالمية توشك أن تضع أوزارها فاشتغل بجامعة فاروق الأول، انتظارًا للسلام لكى يستكمل دراسته وبعد انتهاء الحرب وقعت الواقعة.. فشعر الباحث بحكم الرؤية العلمية والمعايشة الإنسانية لهذا المجتمع الذى تمت زراعته فى قلب العالم العربى واغتصاب الوطن فقد اتضحت فصول المؤامرة على العرب وأدرك ما تعرضت له الأمة العربية ودخول مصر والعالم العربى فى انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولهذا التوقيت معناه وفوجئ بأن الجامعة فى مصر ألغت درجة الماجستير التى حصل عليها، بل وسحبت منه الدرجة العلمية تحت وعد ببعثة أخرى، ولم يتحقق هذا الوعد إلا فى عام 1950م وسافر للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون وأصبح الجيل (السوربوني) من جيل المفكرين الذين سبقوه إليها رفاعة الطهطاوى وطه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهم واستقبلته «عاصمة النور» على رأس جيل من المتعطشين للعلم والبحث وبدأ دراسة الإنجيل والتلمود وقوانين حمورابي.. وتفتحت مواهبه بالمناخ الباريسى وأعد دراسة بمدرسة (اللوفر) لتلقى الدراسات حول الفن والآثار وحصل عام 1951م على دبلوم الدولة العالى بمدرسة اللغات الشرقية بباريس إلى أن جاء العدوان الثلاثى على مصر وأعيد تقييم الخريطة المنهجية لهذا المصرى للإسهام فى بناء وطنه، فبدأت مراحل جهاده فى قيادة العمل لكى يوجه كل طاقاته نحو أداء واجبه واعتبر نفسه جنديًا فى الميدان وتم قطع راتبه فاشتغل بالترجمة واستطاع ضم كتيبة ثقافية أطلق عليها «أحرار فرنسا» وظل لمدة عامين مضطهدًا، لكن إرادة العقل المصرى حسمت الموقف بعد أن حصل على رسالة الدكتوراه عام 1958م التى اهتزت لها الأوساط العلمية وأمام المرجعية للباحث فقد حصل رغم الحصار على مرتبة الشرف الأولى بالإجماع وتبادل الرسالة مع الجامعات، لكن أشعل الموقف الرسمى فرنسيًا ودوليًا هو حضور المناقشة العلنية للرسالة من عدد كبير من يهود فرنسا الباحثين، وعلى رأسهم الحاخام الأكبر فى باريس، وكانت القاهرة أمام ما يصلها من مواقف علمية مدوية جعلها على الخط الآخر، وطلبت عودته وجاء متسلحًا باللغة الفرنسية والعبرية والإنجليزية كأبنائها وعدد من اللغات السامية، فقامت الدولة بتعيينه مدرسًا للغة العبرية والعلوم اللغوية على مستوى العالم، لدرجة أنه قام بالإشراف على دراسة اللهجة (المالطية) وتم تأسيس أكاديمية غير مرئية لخدمة بلاده، فلم تكن مجرد دراسات نظرية، لكن القيادة السياسية استعانت به فى مأموريات خاصة منها ما تشير الوثائق إلى تسلله لفلسطين متنكرًا فى شخصية يهودى مغربى للحصول على معلومات تعين القيادة العسكرية على تقدير صحيح للمواقف، وساهم بجهد بارز فى قيادة منظمة التحرير بالتعاون مع الجهات السيادية المصرية وهو أكبر عالم متخصص فى الدراسات الإسرائيلية.
كان هناك له دور فاعل فى منظومة حرب المجد أشير إليه بأن يلتحق بالقوات المسلحة وأمام ظروف عديدة شرحها الدكتور حسن ظاظا معتبرًا نفسه مجندا مدنيا، وهذا الملف لا يزال لم تكشف طبيعة المسئوليات الاستراتيجية التى أسندت عليها، لكن الدور المعروف أنه شارك برصيده العلمى فى استجواب الأسرى الإسرائيليين من خريجى الجامعات الإسرائيلية، هى لم تكن مجرد ترجمة، لكنها تعطى صاحب القرار الصور العلمية من مصدر علمى ربما وبدون أى مبالغة يتفوق على الإسرائيليين.
رحل الدكتور ظاظا عام 1999م بالمملكة العربية السعودية بعد أن أضاء صفحة مجيدة فى الفكر الاستراتيجى، فهو كان يمثل خندق إطلاق النار لكن بمعيار لا يعرفه إلا من شاركوه فى هذه العمليات الفدائية، فهو موسوعة الفكر حول العهد القديم والترجمة اليسوعية للتوراة.. هو محطة رادار بشرية وأكبر من يجيد دراسة الشخصية الإسرائيلية فى العالم ومشاركة فى ملحمة أكتوبر صفحة لم يطلع عليها أحد حتى الآن.. وهو يؤكد أن دراسة الشخصية الإسرائيلية ليست ملهاة، لكنها حولت الفكر الإسرائيلى بكل قدراته إلى مأساة.
وكانت صفحة عبور عربى إلى النصر ولكن بالعبرية.. فإن الدرس لم ينته حتى الآن.
"
ما هي توقعاتك لمباراة اليوم ؟

ما هي توقعاتك لمباراة اليوم ؟