رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
د. عصمت نصار
د. عصمت نصار

بوذا وثورة الحب

الجمعة 07/سبتمبر/2018 - 08:13 م
طباعة
قبل أن أمسك بقلمى بادرته هذه المرة بالسؤال: ترى أيها القلم، هل اقتنع شبيبتنا بحكمة بوذا؟ على اعتبار صدق المثل الشائع (زامر الحى لا يطرب)، فمعظم ما جاء به حكيم الهند الأعظم طالما ردده حكماء مصر ودونوه فى صورة تعاليم أو نصائح أو قوانين ومبادئ وآداب للسلوك، الأمر الذى كان وراء تغلل تلك القيم فى ريف مصر وصعيدها، أى فى تلك الثقافات التى لم تصب بالتلوث الثقافى الذى حمله المستعمر إلى بلادنا، فنحن أكثر شعوب الأرض تعرضا للحملات التغريبية بداية من الهكسوس إلى الإنجليز، ثم حروب الدعاية والإعلام التى نعيشها هذه الأيام، ولعل أكثر البيئات تلوثا هى التى تجاهلت مشخصاتها وأصولها، وما أكثر حديثنا عن الأسباب بداية من التخلف الحضارى ومرورا بفتح النوافذ على الثقافات المريضة دون أدنى وقاية من سمومها ونهاية بغيبة المنابر الأصلية التى لا تعمل إلا من أجل مصر وإعادتها إلى سابق عهدها. 
ولا ريب فى أن العامل الأول والسبب الرئيس لنجاح اليابانيين والصينيين والكوريين فى تحدى المعوقات الحضارية واعتلاء كرسى التفوق فى ميادين العلم والتكنولوجيا، هى تلك العملية النقدية التى أجراها الرأى العام القائد هناك لثقافتهم فغربلوها لاستخراج الأصيل منها واستبعدوا الدخيل الفاسد، ولما وقفوا على جوهر مشخصاتهم آمنوا بها شيوخا وشبابا، وراحوا يدعمونها فى تربيتهم وبرامج تعليمهم وفنونهم ومصنوعاتهم، ثم فتحوا نوافذ دورهم بسواعد الإيقاظ الأصحاء وبأعين أصحاب الدربة والدراية والخبرة لانتقاء ما يناسبهم من ثقافات وعلوم ونظم الأغيار، فهضموها وطبعوها بطابعهم، وأضافوا عليها ما يعبر عن هويتهم، فالمسألة ليست فى كتابات بوذا أو فى نصائح هرمس، بل هى فى الثالث المفقود دوما فى شبابنا المعاصر: هى القدرة على الإجابة عن السؤال المطروح «من نحن؟ وماذا نريد؟ ولماذا؟» فلطالما دفعتك أيها القلم للكتابة فى هذا الموضوع، ولكن على أى حال دعنا نسجل وقائع الجلسة الخامسة بين بوذا العظيم وشبيبتنا الحائرين.
استأنف بوذا حديثه بقوله: لا تكمن مشكلة الاستنارة ودروبها فى الثقافات الرجعية ذات العقول التقليدية فى غيبة الفلاسفة أو المعلمين أو المرشدين، فماذا يجدى النصح والتوجيه فى مجتمعات صمت آذانها، وإذا سمعت لا تصغى، وإذا صغت لا تنصت، وإذا أنصتت لا تعي، وإذا وعت لا تفعل. ويعنى ذلك أيها الشباب أن الاستنارة لن تتحقق إلا إذا وُجد رأى عام يشعر بحاجته إلى الإصلاح، ومن ثم يبحث بروح العاشق عن الحقيقة التى تكشف أمامه نهوج الإصلاح وطرائق الاستنارة، ولا يقوى على ذلك إلا الشبان الذين يمتلكون الإرادة الحرة القوية والعزائم التى لا تكل ولا تمل من البحث عن الوصول إلى غايتها. وها هى الطرق الثمانية النبيلة التى أوصيت بها تلاميذي، أولها الرأى الحكيم وهو نتاج عملية نقدية واعية تمكن الذهن من انتقاء الآراء الصائبة بمنأى عن الأوهام الخادعة للذهن المتمثلة فى المتابعة والمسايرة والسطحية والإعجاب بالمظهر دون المخبر وقلة الخبرة والعجلة. وثانيها الفكر القويم وهو الذى ينأى عن الأهواء والعواطف والانفعالات وردود الأفعال وهو المتمثل فى الرؤية الموضوعية للمسائل والإحاطة الكاملة بالمشكلات القائمة وانتخاب الأيسر لحلها. وثالثها الخطاب الصادق وهو الذى يتوخى الدقة فى الطرح بمنأى عن التهوين والتهويل وينتصر إلى الحيدة فى الجدل والنقد بمنأى عن القدح والمدح أو مداهنة السلطة، ويحرص على وضوح الغاية والهدف وذلك بلغة يفهمها المتلقى دون لبس أو غموض، ويعمد إلى المصارحة ولاسيما فى الأمور التى ينبغى على المتلقى إدراكها. ورابعها السلوك الفاضل وهو المتعلق دوما بالجميل والخير من الأفعال والعازف دائما عن كل أشكال الرذائل والشرور وعلى رأسها الكذب والخيانة والزنا. وخامسها السيرة العطرة وهى من الأمور الواجبة والصفات الضرورية التى يجب أن تميز طالبى الاستنارة وقادة الفكر والمرشدين والمعلمين. وسادسها العمل النافع ويتجلى فى عدم إقدام المستنيرين على فعل غير مدروس أو ترديد شعار أو قول كالببغاوات، أو الاندفاع فى طريق غير آمنة بغية الشهرة ومخالفة المألوف. وسابعها الذهن اليقظ وهو الذى يميز الأذكياء والمتأملين والمبدعين، فالنفس الصافية والذهن المضيء بنور الحقيقة هو الأقدر على استقبال الإشارات فيفسرها، والرموز فيجلى معانيها والعلامات فيسير بمقتضاها. والأخيرة الإنصات الفطن والإصغاء الحكيم ويبدو فى احترام رؤية الآخرين وعدم التسرع فى نقدها أو رفضها أو قبولها إلا بعد نظر وتأمل. 
واستأذن أحد الشباب فى الكلام قائلا: أيها الحكيم، إن هذه التعاليم لا يمكن تحصيلها دفعة واحدة، كما أن الانتفاع بها وتفعيلها لا يتأتى عن طريق الاستيعاب، والحق أنها فى مجملها تعد خطة حياة ومن ثم لا علاج لما نحن فيه معشر الشباب إلا الثورة على كل شيء، فنخرج من أنفسنا كل ما قبلناه وآمنا به واعتدنا عليه وسلمنا بصحته، ثم نقوم بهدم كل أعمدة المجتمع، ثم نتكاتف لرفع الأنقاض وتنظيف المرآة وإذا ما نجحنا فى ذلك نبدأ فى تنفيذ برنامجك فى الاستنارة والإصلاح، وتلك هى إحدى صور الفوضى الخلاقة والثروات الراديكالية. 
الحكيم بوذا: ما هذا العنف والحدة والتطرف الذى تحمله عباراتك أيها الشاب، ألم أقل إن الهدم أسهل من البناء، وإن مسايرة الرذائل أيسر من مجاهدة الشر والبحث عن دروب الخير والفضائل. اعلم يا بنى أن الثورة التى أنشدها هى ثورة روحية تتعلق بالأفراد فتحيى ضمائرهم وتنقى سرائرهم وتشحذ عزائمهم، أما الهدم والتدمير لتغيير الواقع فلن يفضى أبدا إلى تحقيق السعادة والسلم، ومن ذا الذى يأمن سيوف الشر إذا ما حملها الثائرون عوضا عن مصابيح التنوير، واعلم أن طريق الإصلاح يجب أن يبدأ من الداخل، فلو طبقنا منطق الهدم على النفس الشريرة لإصلاحها فسوف يقودك ذلك إلى قتلها، فإنك تكتب لنفسك ومجتمعك الموت عوضا عن الحياة والسعادة، وآخر حديثى معكم هو الوصايا العشر التى اشتهرت بها ورددها تلاميذى من بعدي، فانقل عني: إن جميع الأعمال السيئة تنتج عن شرور عشرة، واجتنابها يأتى بكل ما هو خير وصالح وجميل. ثلاثة منها جسدية وهي: القتل والسرقة والزنا، وأربع لسانية وهي: الكذب، والإساءة، والوشاية، والكلام الباطل، و3 نفسية وهي: الطمع، والبغض، والضلال. وأن أوصيكم بالعزوف عنها جملة، فهى من المحرمات التى لا يرغب فيها إلا الأشرار والأراذل والأسافل. وليعلم كل منكم أن السعادة والسرور والطمأنينة أنهار سماوية لا تندفع إلى أرض قفر فتحييها وتنبت فيها أجمل الأزاهير إلا بقوة الحب، وعلى النقيض منها نجد أخاديد الجحيم وقلاع الشر ومحاكم الجور لا يحرسها سوى شهوة العنف ولذة الجشع وفتنة السلطان. فعلى كل حى أن يطهر قلبه من البغض والحسد والشر وليصغ جميعنا بأن طريق الحب هو السبيل الأوحد للخلاص. 
ولحديث الشيوخ والشباب بقية
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟