رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
محمد سعد عبدالحفيظ
محمد سعد عبدالحفيظ

عندما كانت الصحافة عارا على أصحابها

الإثنين 20/أغسطس/2018 - 10:15 م
طباعة
فى نهايات القرن التاسع عشر تعرف الشيخ على يوسف صاحب ورئيس تحرير جريدة «المؤيد» على الشيخ عبد الخالق السادات من مشايخ الطرق الصوفية، توطدت علاقتهما بعد أن قرب الخديوى عباس حلمى الثانى رئيس تحرير «المؤيد» وصار أحد جلسائه.
تبادل يوسف والسادات الزيارات وفى إحداها لمح صاحب «المؤيد» صفية ابنة السادات، وكانت جميلة الجميلات بمعايير تلك الفترة «غضة بضة تزن نحو ١٠٠ كيلو»، محسبة منسبة، وفى إحدى زياراتهما إلى الأستانة طلب يوسف يد صفية من والدها، فوافق الوالد وتمت الخطبة.
فور عودتهما إلى مصر وسوس أقارب وأصدقاء الشيخ السادات إليه بفسخ الخطبة والعدول عنها، بحجة أن صاحبنا على يوسف لا يُعرف له نسب بعد جده الرابع، ويعمل فى مهنة «وضيعة من أحقر المهن، تقوم على نقل أخبار الناس، وتنشر إعلانات حفلات الرقص والخمور»، فماطل الرجل فى تحديد موعد عقد القران، واستمر الحال كذلك نحو ٤ سنوات.
وفى عام ١٩٠٤، اتخذ الخطيبان قرارهما بالزواج رغم تسويف الشيخ السادات، وعقد القران فى منزل الشيخ توفيق البكرى نقيب الأشراف وزوج شقيقة العروس، واحتفل الحاضرون احتفالا سريعا بالزفاف، وخرجت صفية مع عريسها إلى بيت الزوجية فى حى الظاهر.
فى اليوم التالى قرأ السيد عبدالخالق السادات خبر زفاف ابنته إلى الشيخ على يوسف فى جريدة المقطم، فجن جنونه، وقدم بلاغا إلى النيابة العامة يتهم فيه على يوسف بالتغرير بابنته، حفظت النيابة التحقيق بعد أن ثبت لها أن صفية بلغت سن الرشد ومن حقها شرعا تزويج نفسها، وأن القران حضره عدد كبير من أقارب العروس وهو ما يحقق شرط الإشهار، وينفى تهمة التغرير.
لم يسكت الشيخ السادات على ما اعتبره هزيمة، وقرر إزالة العار بطريقة أخرى، فرفع دعوى أمام المحكمة الشرعية يطلب فيها الحكم بإبطال الزواج، استنادا إلى أن مذهب الإمام أبو حنيفة النعمان يشترط لصحة الزواج وجود تكافؤ بين الزوجين فى الإسلام والحرية والمال والصلاح والحرفة والنسب، وهو ما لم يتحقق من وجهة نظره فى زيجة ابنته من «الجورنالجي».
أحيلت القضية إلى القاضى الشرعى الشيخ أبوخطوة وكان معروفا بتزمته وكرهه للصحافة والصحفيين، وتحدد يوم ٢٥ يوليو ١٩٠٤ لنظر الدعوى.
فى تلك الجلسة قدم الشيخ الفندى محامى الشيخ السادات مذكرة حقر فيها من نسب الشيخ على يوسف الذى تجاسر وتزوج ابنة الحسب التى ينتهى نسبها إلى سيدنا الحسين حفيد الرسول، فلا يجوز شرعا أن تعاشر من لا نسب له، فضلا عن أن الزوج المراد تطليقه يحترف مهنة الجرائد التى هى «أحقر الحرف، وعار وشنار عليه».
واستطرد المحامى فى مرافعته قائلا‏:‏ لا يخفى على عدالة المحكمة أن هذه المهنة- الصحافة- يحرمها الشرع لأنها تقوم على الجاسوسية وإشاعة أخبار الناس بالحق أحيانا وبالباطل فى معظم الأحيان،‏ فقد قال الله فى محكم كتابه «ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا»‏.‏
فى المقابل حاول الأستاذ حسن صبرى محامى الشيخ على يوسف تفنيد ما جاء فى مذكرة الدعوى، فقال‏:‏ إن الفقر ليس عارا وأن الإنسان لا يختار آباءه وأجداده‏.‏ المهم أن يكون الإنسان فردا نافعا فى المجتمع، والشيخ على يوسف عضو فى الجمعية العمومية التشريعية ومن خاصة الخاصة.
رفع الشيخ أبوخطوة الجلسة، ثم عاد ليستمع إلى الشهود فى جلسة أخرى، وأقروا جميعهم بدنو أهلية الشيخ على يوسف وبأنهم لا يعرفون له نسبا بعد الجد الرابع، بل إن أحدهم شهد بأن جده من أهل الكتاب، وأنه من أسرة فقيرة، أما شهود صاحب «المؤيد» فأجمعوا على أنه رجل بسيط من أسرة عادية لكنه استطاع بجده واجتهاده أن يصبح عضو الجمعية العمومية والكاتب الصحفى الأول فى مصر.
وفى نهاية الجلسة قرر الشيخ أبوخطوة تسليم السيدة صفية لأبيها الشيخ السادات منعا للمعاشرة لحين الفصل فى القضية بحكم نهائي، وهو ما رفضته العروس متعللة بخوفها من أبيها، فعرض عليها زوجها الإقامة فى منزل الشيخ عبدالقادر الرافعى مفتى الديار المصرية، وهو ما رفضه القاضى أبوخطوة وهدد باعتزال القضاء إن لم ينفذ قراره، فذهب له وفد من وزارة الحقانية فى محاولة لإقناعه بقبول إقامة صفية عند صديق والدها.
فى النهاية قبل أبوخطوة بإقامة صفية فى منزل الشيخ الرافعي، وحدد موعدا للنطق بالحكم، وصدر الحكم بفسخ عقد الزواج والتفريق بين الزوجين.. وجاء فى حيثياته‏:‏ أنه ثبت من أقوال الشهود أن الشيخ السادات ينتهى نسبه إلى سيدنا الحسين وأن على يوسف أعجمي‏،‏ بل ثبت أن جده الرابع كان من أهل الكتاب‏.
واستطرد أبو خطوة قائلا‏:‏ إن السادات يعيش من إيراد أراضيه الواسعة وإيجارات عقاراته المتعددة‏..‏ أما على يوسف فهو يمتهن «الصحافة وهى مهنة كما قال عنها دفاع الشيخ السادات بحق منهى عنها شرعا‏».‏
وأضاف‏:‏ ثبت أيضا أن الشيخ على كان فى بداية حياته فقيرا للغاية لكنه أصبح الآن ثريا ولكن ذلك لا يهم، وبعبارة أخرى فالشيخ على يوسف وإن زال عنه الفقر باكتسابه الغني،‏ إلا أن عار الفقر لا يزول أبدا.‏
نشر الشيخ على يوسف الحكم فى جريدته وعلق عليه «نشرنا الحكم فى هذه القضية، وتركنا لحضرات القراء رأيهم فى موضوعه وفى أسلوبه، أما نحن فلم يؤثر علينا ما فى لهجته الشديدة بشىء ما دام أمامنا الاستئناف، وفى اعتقادنا أنه سينصفنا، ويصبح حكم القاضى الابتدائى أشبه بمقالة من جملة المقالات التى قرأناها فى بعض الصحف ونسيناها».
ثم قدم الشيخ على يوسف والسيدة صفية استئنافا ضد الحكم إلى المحكمة الشرعية العليا فحكمت بتأييد الحكم الابتدائى.
وبعد أن انتهت القضية على هذا النحو، وشعر الشيخ السادات بأن كرامته ردت إليه، قبل بزواج الشيخ على يوسف من ابنته بعقد جديد، وبالفعل عادت صفية إلى بيت زوجها.
المفارقة فى تلك القضية التى هزت الرأى العام المصرى لشهور أن الزوجين لم ينعما بالسعادة الزوجية، فكانت الزوجة صغيرة السن «نكدية» كما وصفتها بعض الصحف، أرهقت زوجها ونغصت عليه حياته لدرجة أنه كان يبقى فى الجريدة لما يقرب من عشرين ساعة يوميا.
انتقل الشيخ على يوسف إلى رحاب الله سنة ١٩١٣ وكانت صفية لا تزال فى عز شبابها، ومن المفارقات أيضا أنها تعرفت على «مشخصاتي» وهو الممثل زكى عكاشة وتزوجته.

الكلمات المفتاحية

"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟