رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
إبراهيم داود
إبراهيم داود

مستقبل نجيب محفوظ

الأحد 19/أغسطس/2018 - 10:59 م
طباعة
بين الحين والآخر يظهر كاتب أو سياسى «نصف لبة» ويدلى بتصريحات تنال من مكانة الأستاذ نجيب محفوظ، آخرهم شخص اتهم صاحب نوبل بالجبن، وقبلها قال أحدهم إنه ممل، ومنهم من ربط حصوله على الجائزة الأهم برضا الصهاينة عنه، هؤلاء لا يستحقون ذكر أسمائهم، لأننا لسنا فى معركة، ولأن الأستاذ بمنجزه الإنسانى العظيم أكبر من كل المتربصين بمصر المبدعة، محفوظ أرَّخ بأدبه للروح المصریة الناهضة، الروح القادمة من أقدم وأول الحضارات، ومع ذلك استعمرتها كل الحركات الشمولیةـ التوسعیة، بدءا من الإسكندر حتى یومنا هذا، فنجده فى البدایة یكتب «عبث الأقدار ورادوبیس وكفاح طیبة»، وهى مرحلة الارتداد للجذور كما یسمیها نقاده المحترمون، ومنها یتجه إلى التقاط الوعى بقاع المجتمع المعاصر، لیجد الماضى قد ترسب فى الذاكرة الجماعیة، یتحكم فى تقالیدنا وعاداتنا تارة ویقاوم القوى التى تسعى لمحو الهویة الثقافیة للمصرى كالانفتاح على الغرب بتقلیده لا بمجابهته وفى الذاكرة الجماعیة رواسب معاییر سلوكیة لم یعمل الوعى الفردى على امتصاصها وتخطیها وأهمها التربیة العاطفیة، والتى إذا اختفت تظهر أنماط سلوك هروبیة تارة، عدوانیة تارة أخري.. فى الثلاثیة مثلا نجد أبناء سى السید أحمد عبدالجواد یمثلون هذه التناقضات: كمال المثالى ومریم التى تسعى إلى الخروج إلى عش الزوجیة، والأخ الأكبر الذى یواصل تمثل المعاییر الزائفة ولا یفهم لماذا یدینه الأب مصدر هذه المعاییر، ویحرم علیه بمنطق التقالید الشكلية ما یبیحه هو لنفسه!، لكن مهما اختلفت أنماط السلوك، فالكل یمثل الخطوة الأولى نحو الخروج من المنطقة الضیقة التى أغلقها التاریخ حولنا، الدائرة الضیقة التى وضع محفوظ عینیه علیها وراقبها من بدایة سلمها فى عناصر الحارة والزقاق وفى الطرز المعماریة المملوكیة والتركیة فى خان الخلیلي، ومنها إلى العالم الخارجى المعاصر.. فى زقاق المدق نجد الخروج للعدوان علي
الخارج بالفشل والسلب أو استدرار عطفهم بأداء تمثیلى یبدأ بصنع العاهات وهو خروج لمحو الوعى بما یحدث خارج الدائرة الضیقة وجذب الخارج إلى الداخل: إلى الكهف الذى لا تمر أمامه حركة التاریخ إلا أنه من هذه الدائرة سوف یخرج قادة المستقبل «كما يرى د. صبحى شفيق»، أى طریق یسلكونه؟ أكثرهم یجمد فى التطابق مع النظام السائد، النظام المجمد لحركة التاریخ، والتطابق هو السعى لإیجاد مكان فى عجلة السلطة الروتینیة داخل أجهزة الدولة، فهى الضمان لاستقرار اقتصادى استطاع محفوظ خلال مسیرته أن یجد أشكالا تتناسب مع عمارة كل زمان، ففى مرحلة ما بعد الثلاثیة الفرعونیة سنجد بذخ التفاصیل والمنمنمات التى تغنى العین قبل الوصول إلى الروح، فى الخمسینیات دخل فى الموضوع مباشرة لأن العین أصبحت خبیرة بعد أن تسللت الصورة فى أشكال أخري.. فى كل عمل كان یقدم شكلا مصریا جدیدا، لدرجة أن الكاتب الموهوب الراحل یحیى الطاهر عبدالله عندما صدرت مجموعة تحت المظلة اتهم محفوظ بأنه سرق كتابة جیل الستینیات كلهاـ وهى التى كانت تسعى للتحرر من أسر الماضى وبلاغته ـ ولكن محفوظ لم ینتم إلى الماضى بالمعنى المعروف «دقة قدیمة»، ولكنه كان معماریا من طراز فرید استوعب كل المدارس من أجل التأسیس لأشكال مستقرة قادرة على الاستیعاب وتضلیل الشمس لكى تملا الروح بدفء غزیر یدفع شخوصه إلى الخروج إلى المستقبل، الأستاذ نجيب فى كل أعماله كان ضد الاستبداد والقمع، ضد التطرف والتمسح بالدين لأهداف سياسية، استهدفته قوى الظلام وحاولت قتله، وخرج الذى حاول من السجن فى عهد الإخوان، وبقى نجيب محفوظ علما فى وجدان الإنسانية، مهما حاول الصغار النيل من مكانته.

الكلمات المفتاحية

"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟