رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
اغلاق | Close

في ذكرى جلاء الإنجليز.. خزائن أسرار أسطورة الكوماندوز "شزام" لا تنتهي

الأحد 17/يونيو/2018 - 07:36 م
البوابة نيوز
كتبت- أميره عبدالحكيم
طباعة
سطرت مصر تاريخها بحروف من ذهب، وبين ألف حكاية وحكاية، استمر نضال المصريين على مر العصور، ومنذ عهد مينا، كتب المصرى قصص النضال بدمه، وفى ١٨ يونيو من كل عام يحتفل المصريون فى جميع ربوع مصر بذكرى جلاء الاحتلال البريطاني، ورحيل آخر جندى إنجليزى من منطقة قناة السويس، بعد استعمار دام نحو ٧٣ سنة و٩ أشهر و٧ أيام، وهنا نعيد إلى الذاكرة صورا من نضال الشعب المصرى وأبطال المقاومة الشعبية وتضحياتهم.
«البوابة نيوز» تلقى الضوء على أسطورة الكوماندوز شزام، الغائب الحاضر ببطولاته، التى لن ينساها التاريخ، وحفرت فى قلوب أبناء الإسماعيلية ومدن القناة طوال فترة حياته وحتى وفاته فى ٧ سبتمبر ٢٠١٥، واليوم يحملها نجله عبد الله ليرويها لكل أبناء جيله.
أطلق الإنجليز عليه «شزام» بعد عدة عمليات، كان يقفز خلالها عليهم من الأشجار، بعد إعداد كمائن لاستيقاف عرباتهم، فتفاجأ فى إحدى المرات بقائد إنجليزى يشير له قائلًا باللغة الإنجليزية «انظروا شزام» ليصبح اسمًا له بعد ذلك.
البطل الخرافى
و«شزام» هو اسم أحد الأبطال الخارقين فى الستينيات، مثل البطل الخرافى «سوبر مان»، كما أنه اسم لطائر أسطورى قوى الانقضاض وسريع التحرك كالأشباح على غرار العنقاء.
اسمه الحقيقي، محمد محمد خليفة، الشهير بـ«كوماندوز شزام»، وهو أحد أبطال حرب أكتوبر، والمحارب الفدائى الذى قهر الإنجليز بأعماله الفدائية وعبر قناة السويس فى حرب أكتوبر. ويجسد «شزام» الكثير من حكايات منطقة القنال عن مقاومة الاحتلال التى كان أبرز وجوهها، بل كان قائد مجموعات المقاومة بالمنطقة.
وولد «شزام» فى عام ١٩٢٨، واشتهر بارتدائه خوذته وحلته العسكرية المزينة بالميداليات والأنواط العسكرية، وكان يتجول فى الشوارع بدراجته البدائية حاملا مذياعا صغيرا يحيى به المارة ويحكى به قصة كفاح المدينة، كما كان حريصا على الحضور بمظهره اللافت فى كل المناسبات العامة والرسمية ليصافح الضيوف الرسميين والشعبيين قاصدا تذكير الجميع بتاريخ المقاومة الوطنية.
كان شزام يفتخر بأن جده لوالده هو محمد زهران أحد شهداء مذبحة دنشواى الشهيرة، التى قام بها الإنجليز وأعدموا عشرات من شباب القرية.
قلم من ذهب
يعتز شزام كثيرا بقلم من الذهب الخالص أهداه إليه أحد أمراء المملكة العربية السعودية، فى أعقاب حرب أكتوبر، فأهداه للرئيس الراحل أنور السادات ليستخدمه الأخير فى توقيع معاهدة السلام.
بطولات خارقة
يقول عبدالله، نجل البطل شزام، إن القصة بدأت عندما كان الكوماندوز شزام يترجل ليلا فى منطقة السلطان حسين بالإسماعيلية وعند مروره أمام أحد الملاهى الليلية، التى كان يتردد عليها الإنجليز، وجد اثنين من العساكر الإنجليز يمسكان بسيدة فلاحة فى محاولة منهما لاغتصابها أمام زوجها، ويتذكر جيدا هذا المشهد الذى رواه له والده أن السيدة كانت ترتدى «ملس» وعقد كهرمان أصفر ذكرته فى حينها بوالدته، فظل يراقب المشهد صامتا حتى استغاثت به السيدة قائلة: «أنت واقف بتتفرج عليا»، وقعت عليه هذه الكلمات كالصاعقة وبدون تفكير انقض على العسكريين وتهجم عليهما بالضرب حتى لفظا أنفاسهما الأخيرة، ومن هنا كانت البداية.
وبعد فترة من الهروب بالقاهرة عاد مرة أخرى ليشارك فى العمليات الفدائية ضد الإنجليز، فى إحدى عملياته قام بجمع مجموعة من الأغنام أسفل شجرة فى انتظار وصول سيارة أسلحة إنجليزية، وفور وصولها ضرب الأغنام بالحجارة ليقطع الطريق ويقفز من أعلى الشجره عليهم ويقتل قائدها، ويغنم السيارة بالأسلحة، وأطلق عليه الإنجليز من وقتها «شزام».
خطف مورا هاوس
وتشكلت مجموعات للمقاومة المنظمة بمنطقة القنال بمساعدة الضباط سامى حافظ وكمال رفعت وسعد عفرة وعمر لطفى وغيرهم، وشارك فى خطف مورا هاوس ومحاولات اغتيال اكسهام، قائد القوات البريطانية فى المنطقه بقنبلة وضعها فى «ساندوتش».
كما شارك الكوماندوز شزام بحسب ما ذكره نجله فى عملية عرفت بـ «عربة البرتقال» التى قامت بها المقاومة ضد الإنجليز، وفجرت عربة برتقال وقتل فيها عدد من الجنود البريطانيين على كوبرى سالا بالإسماعيلية، وخطف الجنود الإنجليز تلك العملية التى زلزلت القيادة البريطانية لسقوط عدد كبير من الجنود الإنجليز، حيث أعد أحد الفدائيين قنبلة مصنوعة من أسطوانة غاز وقاموا بإخفائها بعربة تجرها الحمير مليئة بالبرتقال عند كوبرى سالا، ومع تجمع الجنود الإنجليز عليها قام واحد بالتحدث مع البائع قاصدا إبعاده عن موقع التفجير، وانفجرت العربة ماحية معها الجنود من حولها، وهو الأمر الذى أدى بعد ذلك لمعركة الخامس والعشرين من يناير، كما شارك مع زملائه الفدائيين أثناء العدوان الثلاثى فى بورسعيد حتى تحقق الجلاء.
استمرت العمليات الفدائية واستهداف المعسكرات والجنود الإنجليز، كما استمر التضييق على الجنود الإنجليز ومنع التعامل معهم مما دفعهم للإضراب.
إضراب إنجليزى
فى ٢٦ مايو ٥٤ شهدت قاعده قناة السويس العسكرية إضرابًا لجنود القوة المعروفة باسم «الموريشيان» صاحبة عمليات تخريبية وفوضى داخل المعسكرات الإنجليزية، مما اضطر السفارة البريطانية لإصدار بيان فى السابع والعشرين من الشهر نفسه أكدت فيه سفر اثنين من الكولونيلات هم لويس وتاكر لمنطقة القنال لمقابلة القائد العام للقوات، هناك وعلى إثر السفر تم إجلاء جميع جنود «المورشيان» من قاعده قناة السويس بعد أوامر القيادة العامة لمنطقة الشرق الأوسط.
ليشهد يوم ٢٣ يونيو إضرابا جديدا شل جميع المعسكرات الإنجليزية بعد امتناع العمال المصريين والأجانب على حد سواء من أداء أى وظيفة، كما كانت المقاطعة التجارية قد كبدت بريطانيا خسائر كبيرة حتى وصل الأمر بتسول الجنود للطعام ولو بالتخلى عن أسلحتهم.
ثم انتقلت القيادة البريطانية بمدن القنال إلى «قبرص» فى ٢٥ يونيو، لتقرر وتبدأ فى ٢٧ يونيو ٥٤ بهدم منشآت ميناء الأدبية بالسويس من المخازن والمستودعات، رغم أن الميناء هو مصدر الإمداد والتموين الرئيسى للقوات البريطانية، خطوة اكدت اقتراب لحظه الحسم والانتصار، وفى ظل تصاعد الأحداث تم استئناف مفاوضات الجلاء فى ١١ يوليو ١٩٥٤
بعد طلب بريطانيا بنفسها وللمرة الأولى مع مصر على إثر وصول رسالة من «سلوين لويد» مفادها أن بريطانيا ترى أنه من المفيد استئناف المفاوضات وتأمل فى تعاون مصر وضبط المسئولين عن الأحداث الخطيرة خلال الفترة السابقة قاصدًا الفدائيين».
انتصار المقاومة
فى يوم ٢٧ يوليو ١٩٥٤، لتعلن أخيرًا عن انتصار المقاومة فى حرب التحرير الوطنية وتحرير مصر، بتوقيع اتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانيا بالأحرف الأولى.
ونصت الاتفاقية على جلاء القوات البريطانية جلاء تامًا خلال ٢٠ شهرًا من تاريخ توقيع الاتفاقية، وإلغاء معاهدة التحالف الموقع عليها سنه ١٩٣٦ بشكل رسمي، على أن تبقى أجزاء من قاعدة منطقة القناة فى حالة صالحة للاستخدام من قبل القوات البريطانية، فى حالة وقوع هجوم مسلح من دولة خارجية على مصر أو أى دولة طرف فى معاهدة الدفاع المشترك العربية، وتقدم مصر التسهيلات اللازمة لتهيئة القاعدة الحربية وإدارتها وأن تسرى مدة هذه الاتفاقية ٧ سنوات، لتعم الأفراح بهذا الخبر جميع البلاد.
وأصبح الحلم حقيقة فى يوم ١٨ يونيو ١٩٥٦ تم جلاء آخر جندى بريطانى عن مصر، ورفع العلم المصرى على معسكر «الشلوفة» ومبنى «البحرية» فى بورسعيد كآخر معقل للقوات البريطانية بمصر، لينتهى بذلك احتلال دام أكثر من سبعين عامًا.. لكن تلك لم تكن نهاية القصة.
ويستكمل عبد الله شزام بأن لحظة جلاء الإنجليز كانت حلما بعيد المنال ولم يصدقه أحد وحكى له والده أن المصريين كانوا يبكون فرحا فى الشوارع وهم يشاهدون الجنود الإنجليز يغادرون منطقة قناة السويس وأقيمت الأفراح والجميع التف حول القيادة المصرية التى اكتسبت ثقة ورضاء الجماهير وقتها، وكان يقال عن إمبراطورية بريطانيا العظمى «الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس» لذلك كان الفدائيون المصريون يقاومون بكل ما لديهم من قوة للخلاص منها.
استمرار النضال
لكن بدخول الاحتلال الإسرائيلى الأراضى المصرية عقب أحداث نكسة ١٩٦٧ كانت خيبة الأمل الكبيرة فى نفوس المصريين وكارثة بكل المقاييس، وما آلت إليه الإسماعيلية من دمار وخراب بسبب الهجمات الشرسة من الطيران الإسرائيلى على المدينة الآمنة، وعندما تأكد الفدائى شزام من خبر احتلال سيناء وشاهد بعينه تقهقر الجيش المصرى لغرب القناة، ركض نحو شط القناة ليرى بعينه احتلال سيناء، رفض الهجرة من منطقة القناة فى ذلك الوقت مثلما فعل الكثير من أبناء المنطقة.
ويشير عبدالله إلى أن الفدائى شزام توجه إلى مكتب القادة العسكريين للسؤال عن الطيران الإسرائيلى الذى يقصف منطقة القناة، وجد أحد الضباط جالسا بـ «البيجاما» ويقول له، إن الطيران المصرى هو من يقوم بالهجوم، وعلى الفور انهال عليه شزام ضربا، وقال له أعلم جيدا الطيران المصرى، وما يحدث هو احتلال جديد لمصر، ثم توجه بعد ذلك لمخزن الأسلحة واقتحمه ووزع على زملائه الفدائيين السلاح، وانتقلوا جميعا إلى ضفة قناة السويس ليتولوا حمايتها من أى تسلل لقوات العدو، وظل واقفا على الجبهة أكثر من ٧ سنوات قائدا لصفوف المقاومة الشعبية، يحلم بساعة الصفر لعبور الضفة الشرقية لقناة السويس وتحرير سيناء
فى مساء ٦ أكتوبر شاهد شزام بعض القوات المصرية التى لم تتمكن من عبور قناة السويس بمنطقة القنطرة والفردان، وأمر أحد قادة فرق المشاة القوات بالتسلل عبر مياه القناة حاملين عبوات البنزين لإشعال موقع المدفعية الإسرائيلية. هنا استطاع شزام الزحف على التبة المرتفعة دون أن يشعر به الجنود الإسرائيليون ووصل لفتحات التهوية وأفرغ بها البنزين وبعد دقائق كانت قاذفات اللهب تشتعل بالموقع الحصين الذى استولينا عليه فيما بعد وأقمنا به دشمة حصينة.
وفى ٩ أكتوبر شارك الكوماندوز شزام فى موقعة الجبل المر بالسويس، ذلك الجبل الذى أذاق مدينة السويس خلال حرب الاستنزاف (١٩٦٨- ١٩٧٠) الويل والدمار، فكانت المدينة تحترق يوميا تقريبا بسبب ما تصبه عليها القوات والمدرعات الإسرائيلية التى كانت تخرج لتضرب المدينة ثم تعود للاختباء بحصونها المنيعة بالجبل. وعندما بدأت الحرب استخدمته القوات الإسرائيلية للسيطرة على الجيش الثالث، وكان الجبل منيعا وبعد معركة شرسة ضد العدو تم تدمير دبابة بسلاح آر بى جى وقام بمطاردة ١٢ دبابة أخرى حتى هربت من موقع العمليات واستطاعت القوات المصرية الاستيلاء على جبل المر.
٢٥ يناير.. و٣٠ يونيو
ويضيف نجل البطل أن من أهم الأحداث التى عاصرها الفدائى شزام أيضا اندلاع مظاهرات ٢٥ يناير وحرص على ارتداء بدلته العسكرية والمشاركة، وكان يقف إلى جانب عناصر القوات المسلحة إيمانا منه بما قدمته من دور وطنى وانحيازها للمتظاهرين، وكان أيضا من مؤيدى ٣٠ يونيو، وقال وقتها، لابد أن يكون رئيس جمهورية مصر بحجم هذه الدولة العظيمة، وكانت هذه الفترة اشتدت ذروة اشتباكات الإخوان مع الشباب المتظاهرين.
وقال عبدالله، إنه بنهاية عام ٢٠١٤ اشتد المرض على الفدائى شزام، وكان لا يقوى على الحركة، لكنه كان متابعا جيدا للأحداث، خاصة مشروع حفر قناة السويس الجديدة، الذى تمنى أن يطيل الله فى عمره ليحضر حفل افتتاحها، لكن لم تشأ الظروف، لذلك وكان يتساءل عن كل التفاصيل بالمشروع، ويقول «الله حبا مصر الخير فى مياه قناة السويس، كما جعل أيضا طمع العالم كله بها»، وأضاف أنه كان يرى ثمار تعب المصريين تجنى فى المشروعات القومية وتعمير سيناء التى ارتوت بدماء خير أجناد الأرض.
حصل شزام على عشرات الميداليات والأنواط العسكرية، أبرزها نجمة سيناء التى منحها له الرئيس الراحل أنور السادات، ورغم انتهاء الحرب وتحرير سيناء فإن شزام ظل يرتدى الحلة العسكرية التى زينها بالنياشين، ووضع بجانبه مسدسا ألمانى الصنع كان قد اغتنمه من أحد الأسرى الإسرائيليين السبعة، الذين تمكن من أسرهم فى حرب أكتوبر.
ورفض شزام خلع ملابسه العسكرية، حيث ظل يعتقد أن حرب التحرير لم تأت بعد، فما زالت فلسطين محتلة، شزام الطائر الجارح الذى قهر الإنجليز وأسر اليهود أجل مشروع زواجه حتى بلغ الستين من عمره.
"
من تتوقع أن يفوز بكأس أفريقيا؟

من تتوقع أن يفوز بكأس أفريقيا؟