الإثنين 02 أغسطس 2021
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
رئيس مجلس الادارة والتحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

آراء حرة

بُقَعٌ سَوْدَاء عَلَى ثَوْبِ الوَطَنِ الأَبْيَض


شهدت الدولة المصرية انتكاساتٍ هائلة فى أعقاب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، فقد تحولت الثورة التى قامَ بها الشبابُ الحالم بمستقبلٍ أفضل للوطن تسودهُ الحرية والعدالة والكرامة إلى رُكَام. وبعدَ الأيامِ الثمانية عشرة الأولى للثورة والتى تجسدت فيها وحدة المصريين وتماسكهم، قفزت جماعةُ «الإخوان» على الثورة ليحولوا هذا التماسك الوطنى لفئاتِ المجتمع إلى شِيَعٍ يُذيقُ بعضُها بأسَ بعض؛ فهذا ليبرالى.. وهذا علمانى.. وهذا يسارى.. وهذا إخوانى.. وهذا صوفى.. وهذا سلفى.. وهذا ناشط.. وهذا شبابٌ ساخط لا يملأ عينه إلا التراب، ولولا رحمةُ الله لتحولَ هذا الوطن إلى كَوْمَةٍ كبيرة من التراب.
وعندما أُجريت الانتخابات الرئاسية ودخل مرسى وشفيق مرحلة الإعادة، وجرت الانتخابات فى جوٍ غير مسبوق من الاستقطاب، مارس «الإخوان» ديمقراطيتهم بالتهديد بحرق مصر إذا لم ينجح مرشحهم، بل إنهم استبقوا الإعلان الرسمى للنتيجة بعقد مؤتمر فجر اليوم التالى ليُعلنوا فوزَ مرشحهم، ما كان يعنى أنهم أصبحوا دولةً داخل الدولة، ولم تبدُ الدولة المصرية بهذه الهشاشة يومًا ما إلا فى ذلك العهد البائس للجماعة، التى تربت على الاستبداد والطغيان والإرهاب والحَلِف على المصحف والمسدس لأعضائها الجدد منذ حسن البنا وحتى مرشد «التمكين» محمد بديع.
وتسلمَ محمد مرسى رئاسةَ الدولة وهى ممزقة بفضل جماعته فزادها تمزيقًا، تسلمها متهاويةً مترنحةً داخليًا وخارجيًا فزادها ترنحًا وقادها إلى أغوارٍ سحيقة غير مسبوقة، لقد كان كل يوم فى رئاسته تغرق الدولة أكثر دون أن نرى القاع، فهو سقوطٌ حر لا قاعَ له، وكادت الدولة تنهارَ فى عهدِه البائس، وكادت حياةُ الناس تتوقف؛ فالكهرباء تنقطع بالساعات والأيام وتحولت البيوتُ إلى سَوَادٍ مظلم وكأن الناس أصبحت تعيش فى القرن التاسع عشر قبل دخول الكهرباء، بل إننى رأيتُ بأمِ عينى على ناصية شارع محيى الدين أبو العز فى منطقة الدقى إحدى البائعات، وهى تبيع «اللمبة» الزجاج التى تعمل بالجاز، وهو ما لم أراه منذ أن كنت طفلًا.. لقد أعاد مرسى وجماعتُه مصر إلى الوراء عشرات السنين فى عام حُكمه الأسود.
ليس هذا فقط، بل كُلُنَا لا ينسَ الطوابيرَ الطويلة التى لا تنتهِ على محطاتِ البنزين فى كل محافظات مصر، فى حين أن البنزين والسولار كان يتم تهريبه إلى غزة عبر الأنفاق ليتم بيعهما هناك بشكل علنى صريح، وكان أهل غزة يقبلون عليهما لأنهما أرخص سعرًا من البنزين والسولار الإسرائيلى، فقد كان الدعم الذى تدفع فاتورته الدولة المصرية يذهبُ جزءٌ كبيرٌ منه لأهل الرئيس وجماعته فى غزة، وليذهبُ المواطنُ المصرى إلى الجحيم.
ومثلُ هذه الأفاعيل والأزمات هى التى «هرت» أكبادَ المصريين من حكمِ مرسى وجماعته التى كنا نلتقى أعضاءَها أصدقاءَ الأمس مطأطأى الرأس فى تمثيلٍ مُتقن لدور الأتقياء الورعين المتواضعين، لنجدهم فى المدرسة والجامعة ووسائل المواصلات فى المترو والميكروباص لنقولَ لهم إنه لو استمرت الأوضاع فى ظل حكمهم البائس فسوف يخرج الشعب المصرى ليُزيحهم من السلطة، فكانوا يتخلون عن ورعهم وتقواهم وتواضعهم ولغتهم الرقيقة ليقولوا للناس: «لن نرحلَ من حكم مصر إلا بعد ٥٠٠ سنة أو لما تشوفوا حلمة ودنكم»!
وبعد سقوطِ الجماعة المُدوى فى أعقاب ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، وبيان القوات المسلحة فى الثالث من يوليو، وبعد فض اعتصاميْ رابعة والنهضة، شرعَ «الإخوانُ» وأشياعُهم فى حرقِ الوطن وتدمير مقدراته واستحلال دماءَ أبنائه من الجيش والشرطة والأقباط والقضاة والمدنيين المسالمين الذين يؤدون الصلاة فى المساجد، وحاولوا بثَ الفُرقة والفتنة والاستقطاب بين أبناءِ الشعبِ الواحد، وعملت ماكيناتُ شائعاتهم على شبكات التواصل الاجتماعى على ترويج الأكاذيب دون هوادة، وتم إطلاقُ أذرعَهم الإعلامية فى قطر وتركيا وبريطانيا وأمريكا لتشويهِ كلِ إنجازٍ يحققه الوطن.
ومنذ أن تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليدَ الأمور فى مصر بذل كل الجهد الذى لا يقدر عليه بشر فى حوالى أربع سنوات لاستعادةِ الدولة المصرية، وهو جهدٌ يستأهل ليس أربعَ سنواتٍ فقط بل أربعين عامًا.. «شوفوا مصر دلوقت بقت عاملة ازاي»، الكهرباء لا تنقطع.. مصانع جديدة.. السياحة تعود.. الاقتصاد تم إصلاحُه وإعادة هيكلته والاحتياطى النقدى ارتفع.. سعر الدولار آخذ فى التراجع.. مشروعات قومية كُبرى غير مسبوقة فى منطقة القناة والعشوائيات وهضبة الجلالة واستصلاح الآراضى وعاصمة إدارية جديدة.. وحقول الغاز الجديدة والاستكشافات التى لا تتوقف للشركات العاملة فى مصر.. محاربة فيروس سى الذى يأكل أكباد المصريين وعلاجُ ملايين المصريين منه.
كلُ هذه إنجازاتٌ لرجلٍ لا يدخر جهدًا فى خدمة وطنه، إنها إنجازاتٌ تم تحقيقها ليس بعقليةِ رجلٍ سياسى بل بروح مقاتل تعلم معنى أن يزودَ عن حِيَاضِ الوطن ويحميه من أعدائه فى الداخل والخارج. هذا الرجل آمن بشعبه وقدرته على تحقيق الإنجاز بالاصطفاف من أجل الوطن، فآمن به الشعب وضحى من قُوتِه من أجل بناء مصرَ الجديدة التى نحلم بها لأبنائنا. هذا الرجل كان يجبُ أن نقفَ جميعًا إلى جواره، ونصطفُ معه من أجلٍ الوطن، إلا أن أهلَ الشر لا يُعجبهم أن تنهضَ مصر، لأن نهوضَ مصر يؤرقهم على مدارِ تاريخِنَا المعاصر.
انظروا كيف تآمر الغربُ على مصر بعد انتصاراتِها المُدوية على الإمبراطورية العثمانية، فتحالف العثمانيون مع الغرب لإغراق الأسطول المصرى فى موقعة «نوارين» وأجبروا «محمد علي» على توقيع «معاهدة لندن» عام ١٨٤٠، وكان أولُ بنودِها «ألا يزيدُ عددُ أفرادِ الجيشِ المصرى على ١٨ ألف فرد»، انظروا كيف تآمرت القوى الغربية على مشروع «عبد الناصر» مرتيْن فى ١٩٥٦ و١٩٦٧، وانظروا كيف يتكالبُ أعداءُ مصرَ فى الخارج وحلفاؤهم فى الداخل لتقويضِ مشروع «السيسي»، وهو المشروعُ النهضوى الجديد للأمةِ المصرية، ولن يسمحَ المصريون لأحدٍ أيًا كان بالمساس به أو إجهاضِه.
وفى الأونة الأخيرة، وجدنا بعض المناوشات للتشويش على هذا المشروع فى محاولةٍ يائسة للنيْلِ من الرئيس، خاصةً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، وهذه أفاعيل لا تليقُ بمن يجب أن يكونوا فى صف الوطن إن لم يكونوا فى صفوفه الأولى، إلا أنهم للأسف ارتضوا لأنفسهم أن يؤدوا أدوارًا مرسومةً لهم، لكى يُصَدروا صورةً سيئة عن الوطن، ويُصَوروا للعالم بأن فى مصر صراعاتٍ وانقسامات، هؤلاء اختاروا الخروج من معادلة المستقبل، وأصبحوا جزءًا من الماضى الغابر الذى لن يعود.
إن هؤلاء ليسوا سوى بُقَع سَوْدَاء على ثَوْبِ الوَطَنِ الأَبْيَض، ولن يُضِيرَ الوطن أن يقومَ بإزالتها من على هذا الثوب ليمضى فى طريقِه ليُحَقِقَ مَزيدًا من الإنجازاتِ لأبنائِه.