رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

الكنيسة المصرية.. تاريخ من النضال (ملف)

السبت 30/ديسمبر/2017 - 04:45 ص
الكنيسة المصرية
الكنيسة المصرية
ريمون ناجى
طباعة
رفض التدخلات الأجنبية والوصاية عبر الزمان
البابا شنودة لوزير خارجية أمريكا: « نرفض أى تدخل أجنبى فى شئون مصر»
البابا تواضروس: نحن لا نستقوى إلا بالله

يترنم المسيحيون عادة «كنيستى القبطية كنيسة الإله»، على مدى الزمن والعصور ظلت الكنيسة القبطية ترسًا للوطن وحصن لأبنائه، بدأ من إيواء المناضلين ضد الاحتلال، مرورًا برفض الباباوات والبطاركة مساعى دول خارجية اختراق الدولة المصرية بمسميات حماية حقوق الأقباط أو الأقليات ليتثنى ترتيل كنيستنا المصرية منبعا للوطنية.
الأقليات وحقوق المسيحيين ورقة يجيد اللعب عليها ما بين الحين والآخر من يستهدفون فرض وصايتهم على المصريين وتُشرع تواجدها فى البلاد، احتلال مقُنن بغلاف اسمه «حماية الأقباط».
الكنيسة الصلبة لم تتهاون فى ردع الطامحين والمتربصين بالبلاد، عادة ما تكون حائط صد للتدخلات، بل وسفيرًا للحديث عن مصر بين البلدان، مهما كلفها الأمر من معاناة.
ولعل الدليل القاطع، رغم جراح المسيحيين من حرق وتدمير عدد لا يستهان به من الكنائس ودور العبادة بيد الإرهابيين لم تأن، ووسط الركام تحدث قادتها كسفراء عن مصر دفاعًا عنها لمواجهة أكاذيب الإخوان وتابعيهم، ورغم آلام الأقباط وبطريرك الكنيسة تسمع صوتًا واحدًا بعدة أوتار ونغمات «نرفض التدخل فى شأننا المصرى وحمايتنا فى يد الله».
سبق وأن قالها البابا بطرس الجاولى، لموفد قيصر روسيا «نحن فى حماية ملك لا يموت»، مرورًا بمقولة البابا شنودة لوزير خارجية أمريكا «نرفض أى تدخل أجنبى فى شئون مصر» وصولا للبابا تواضروس «نحن لا نستقوى إلا بالله فوق، وبإخواننا المسلمين على الأرض».
الكنيسة المصرية..
محاولات أمريكية
مع تجديد محاولات أمريكا للتدخل فى الشأن المصري، طرح مشروع قانون إلى الكونجرس الأمريكى تحت مسمي «دعم الأقباط»، الذى قدمته منظمة التضامن القبطى «كوبتك سوليدرتى»، وقوبل بالنقد والاستنكار على جميع الأصعدة الكنسية والشعبية، رغم تزامنه مع اعتداء بعض المتطرفين على مبنى كنسى بأطفيح.
ولم يتعلم الجانب الغربى الدرس، بأن الكنيسة المصرية وطنية حتى النخاع، برفضها القاطع لتهويد قضية القدس، ورفضها المعلن للقاء نائب الرئيس الأمريكى عقب قرار «ترامب»، أو من التاريخ العريض لمجابهة كل صور التعنت أو استغلال ورقة الطائفية لفرض الوصاية.
جاء رد البابا تواضروس الثانى، عمليًا، حال لقائه بشيخ الأزهر الذى زاره للتهنئة بالعيد، بقوله: «العصر الفرعونى ممتد ومتداخل، وكذلك المسيحى والذى له نكهته التى تميزه، وكذلك الإسلامى الذى ينفرد بالاعتدالية والوسطية».
وأضاف بابا الكنيسة: «نحمل لكم كل محبة واحترام وتقدير، ونسعد بزيارتكم، وربنا يديم هذه المحبة الفائقة، والتى هى صمام أمان الحياة المصرية، ويوجد تناغم مصرى بيننا، فموقف القدس مثلا متفقين فيه دون أن نتكلم».
وأوضح البابا تواضروس، أنه حين سألوه عن هل المسيحيون سيستقوون بالخارج؟، قال، «كانت إجابتى نحن لا نستقوى إلا بالله فوق وبإخواننا المسلمين هنا على الأرض، وأى محاولة للعبث بهذا الرباط الذى يجمعنا ينتهى بالفشل، والله يحفظ الوطن من كل شر».
الدكتورة عايدة نصيف
الدكتورة عايدة نصيف
انتقادات مغلوطة
انتقادات من بعض الشباب على صفحات التواصل الاجتماعى وغيرها، تعرض لها البطريرك على خلفية تصريحاته التى تغلق الباب أمام محاولات التدخلات الخارجية لرؤيتهم بأنها تضيع حق المطالبة بأى حقوق للأقباط داخليًا، سواء متعلقة بالكنائس أو غيرها.
فيما توافقت الرؤى للمفكرين ورموز قبطية حول مفهوم البطريرك ومقصده ومواصلة دور الكنيسة الرائد بالوطنية، وقالت الدكتورة عايدة نصيف، أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة القاهرة فرع الخرطوم، إن الكنيسة المصرية تدرك أهمية اللحمة الوطنية، وحافظت على ذلك طوال التاريخ بداية منذ عهد الأوائل من البطاركة.
وأكدت، أن حفاظها على اللحمة المصرية جعل مصر صامدة أمام الكبوات والأزمات التى تعرضت لها من الاحتلال البريطانى وحتى الآن، مشيرة إلى أنه خلال عهد البابا إثناسيوس، دافعت عن الإيمان المسيحي، وفى نفس الوقت كانت مدافعة عن الهوية المصرية.
وأستطردت: «إن العصر الحديث يحمل مواقف عديدة، أبرزها مواقف قداسة البابا شنودة العديدة لتماسك مصر، وتماسك الوطن، ونفس النهج يسير عليه قداسة البابا تواضروس الثاني، لاسيما أن الكنيسة المصرية الوطنية تدرك أهمية الوطن وأن بقاءه فى الوحدة والتماسك للحفاظ عليه».
وعن المنتقدين للبطريرك على خلفية تصريحاته، وجهت رسالة: «يجب الرجوع لتاريخ الكنيسة ليتعلموا من منهجها الوطني، والعلم بالتاريخ بات مفقودا مما يؤدى لتلك الانتقادات، ولزاما العودة للتاريخ وقراءة مواقف البطاركة والباباوات الوطنية».
وبشأن القانون المطروح أمام الكونجرس، انتقد القمص صليب متى ساويرس، راعى كنيسة مار جرجس الجيوشى بشبرا، قائلا: «مناقشة القضايا الداخلية لا مجال لطرحها خارج البيت المصري».
وأوضح أن البعض من المدفوعين يحاولون إثارة الأمر لاعبين بورقة الأقباط، ليردوا على الصفعة التى تلقوها من الجمعية العامة للأمم المتحدة وموافقة 128 دولة على مشروع القانون المصرى المطروح بشأن القدس،
وأنهى حديثه قائلا، إن «المسيحيين فى مصر فى حماية الله وإخوانهم المسلمين فى مصر، والمسلمين فى مصر فى حماية الله وإخوانهم المسيحيين لأننا كتلة واحدة لن يقوى عليها أحد».
البابا شنودة الثالث
البابا شنودة الثالث
تاريخ وطنى
يزخر تاريخ الكنيسة بالمواقف الرافضة للتدخلات السافرة فى الشئون المصرية، ولعل أولها زيارة أميرا موفدا من قيصر روسيا، للبابا بطرس الجاولى، ليسأله عن حالة الكنيسة، وبدوره أجاب البطريرك: «إنها بخير ما دام الله يرعاها»، بينما حاول مندوب روسيا أخد موافقة بالحماية للأقباط، فسأله البابا «هل ملككم يحيا إلى الأبد؟» أجابه الأمير: «لا يا سيدى الأب، بل يموت كما يموت سائر البشر»، عندئذ قال البابا: «إذن أنتم تعيشون تحت رعاية ملك يموت، وأما نحن فنعيش تحت رعاية ملك لا يموت وهو الله».
وحينها ترك مندوب روسيا بابا الأقباط، وزار محمد على باشا، والذى سأله عن رأيه فى مصر، قال الأمير الروسي: «لم تدهشنى عظمة الأهرام ولا ارتفاع المسلات وكتابتها، ولم يهزنى كل ما فى هذا القطر من العجائب، بل أثر فى نفسى زيارتى للرجل التقى بطريرك الأقباط».
البابا شنودة
ويسجل التاريخ للبابا شنودة الثالث خلال عام 1998، ولقاءه مع النائب فرانك وولف، عقب موافقة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكى على تعديل قانون الاضطهاد الدينى الذى يسمح لأمريكا بالتدخل فى شئون بعض الدول بدعوى حماية الأقليات المضطهدة، أكد بابا الأقباط، أن الكنيسة المصرية لا تقبل فرض عقوبات على مصر تحت أى بند.
وأضاف شنودة الثالث، «لكل دولة الحق فى أن تشرع ما تشاء من قوانين لتطبقها لديها، لا لتفرضها على دول أخرى»، مؤكدًا أن أقباط مصر يرفضون أن يمارس أحدا وصاية عليهم، كما أنهم لا يقبلون أية حماية من أية دولة أجنبية، وأن من يحمى مسيحيى مصر هم مسلموها والحكومة والقيادة فى مصر.
كما حاول خلال تلك الحقبة وزير الخارجية الأمريكي، مقابلة البابا لمناقشة أوضاع الأقباط فى مصر، إلا أنه اعتذر عن لقائه قائلا: «نرفض أى تدخل أجنبى فى شئون مصر».
كذلك عام ،2010 رفض البابا شنودة استقبال وفد لجنة الحريات الدينية فى الولايات المتحدة للحديث عن المشاكل التى تواجه المسيحيين فى مصر، معتبرا ذلك تدخلا سافرا، وخلال عام 2014، رفضت الكنائس التوصية التى أصدرتها اللجنة الأمريكية للحريات الدينية فى تقريرها السنوي، بتوجيه جزء خاص من المعونة العسكرية لمصر لحماية الأقليات والأقباط.
وعقب إقصاء الإخوان من سدة الحكم، حاولت أمريكا عام 2016 التدخل بشكل جديد فى الشأن المصري، عندما حاولت إثارة ملف ترميم الكنائس المتضررة من الإرهاب، وردت الكنيسة بصفعة جديدة ورفضت القانون الأمريكى، مؤكدة بأن الرئيس المصرى أوفى بوعوده وأصلح الكنائس.
 إسحاق حنا، الأمين
إسحاق حنا، الأمين العام للجمعية المصرية للتنوير
قراءة التاريخ
يقول إسحاق حنا، الأمين العام للجمعية المصرية للتنوير، التى أسسها فرج فودة، إن الكنيسة القبطية وطنية ليس تجملًا، بينما تكوينها المصرى وجذورها الوطنية ونبتتها الخالصة لا مجال فيه للمغالاة على كيانها الوطنى الفريد.
وأضاف، أن التاريخ ممتلىء بالمواقف الشاهدة على وطنية الكنيسة القبطية، وهى غاية العمق والقوة، وليست مفتعلة على الإطلاق، لأنها كنيسة مكونة من طين أرض مصر، وصلواتها لبلادها دائمًا وأبدا بالخير والسلامة.
وأكد أن المسيحيين المصريين وطنيون بطبعهم، ولا يعرفون سوى سلامة البلاد، واصفًا الداعين لقانون بالكونجرس يهدف لحماية الأقباط وما شابه بـ«أصحاب الدعوات الخائبة والرؤى الغائبة وفاقدى الوطنية».
وقال، «إن هؤلاء وأمثالهم لا يعرفون معنى الوطن، أو كيف نعالج مشكلاتنا، لأن هموم الوطن ومشاكله وعلاجها دائما بالبيت المصرى وبأيد مصرية لا بتدخلات خارجية، موضحا أن تدخل أى طرف للحل فى هموم البيت المصرى يكون قاصدا مصالح شخصية فحسب».
وعن انتقادات البعض لتصريحات البابا الأخيرة، قال «حنا»، «إن البطريرك يقصد أن الأقباط حمايتهم فى الله والوطن، ولاسيما أن حمايتنا بالوطن والمواطنة والقانون، وأننا نحتمى بالوطن الذى يضم إخواننا المسلمين وغيرهم».
ودعا شباب الأقباط لقراءة تاريخ الكنيسة وأيضا الثورات، وأضاف، «فى أعقاب الثورات عادة ما تحدث مشكلات اجتماعية كبرى تتلاشى بمرور الزمن، وهو ما يستلزم المعرفة، وعلى الشباب استصقاء المعلومات من مصادرها المتخصصة وعدم الهجوم دون قراءة واطلاع».
"
هل تؤيد حجب الألعاب الإلكترونية الخطرة؟

هل تؤيد حجب الألعاب الإلكترونية الخطرة؟