رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

قضايا القراءة.. هم يطارد كتاب العالم

الأربعاء 22/نوفمبر/2017 - 10:11 ص
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
أ ش أ
طباعة
تشكل "قضايا القراءة" هما ثقافيا سواء في الثقافة العربية أو الغربية، وقد تكون أحيانا سببا لتناول طريف يتجلى في إبداعات روائية أو آراء وطروحات طريفة مثل الدعوة التي أطلقها مثقف بريطاني مؤخرا لكتابة تاريخ القراءة في فراش النوم ناهيك عن رؤية الكاتب الإيطالي الراحل ايتالو كالفينو لقضايا القراءة والعلاقة ما بين المؤلف والقارئ. 
فمن الطريف أن يقول الكاتب الروائي البريطاني هوارد جاكوبسون إن هناك حاجة "لكتابة تاريخ القراءة في السرير" معتبرا أن ما كتبه الأرجنتيني المولد والكندي الجنسية البرتو مانجويل في عمله الأدبي الشهير والمثير للدهشة:"تاريخ القراءة" لا يكفي في ظل متغيرات الحياة السريعة في العصر الرقمي. 
وفي هذا العصر الذي تعددت فيه "عوامل طاردة لخصوصية القراءة" يطرح هوارد جاكوبسون في جريدة الجارديان البريطانية السؤال:"كم منا مازال يقرأ في السرير" أو فراش النوم ؟! مضيفا إنه كان لاينام قبل أن يقرأ 30 صفحة من قصة والآن فإنه يسهر حتى وقت متأخر أمام شاشة التلفزيون لمتابعة آخر الأخبار.
والقراءة في الفراش عادة حميمة لبعض عشاق الكلمة الذين يأخذون معهم الكتاب للسرير غير أنها تتراجع حتى بالنسبة لكاتب وعاشق كبير للكلمة المطبوعة مثل هوارد جاكوبسون حتى إنه يعترف في هذا الطرح الطريف بأنه لم يقرأ كتابا في السرير منذ وقت طويل.
وهذا الطرح لهوارد جاكوبسون حول القراءة وحميمية اللقاء بالكتاب في السرير في هدأة الليل يعيد للأذهان ماكتبه الإيطالي ايتالو كالفينو في رائعة " لو أن مسافرا في ليلة شتاء" التي توصف بأنها "رواية الروايات" فيما تتضمن صفحات ممتعة حول عادات القراءة.
وبطرافة بالغة يبدأ ايتالو كالفينو هذه الرواية مخاطبا القارىء:"أنت على وشك قراءة الرواية الجديدة لايتالو كالفينو لو أن مسافرا فى ليلة شتاء..استرخ..ركز واحتشد.بدد أية أفكار أخرى...دع العالم حولك يتبدد..أفضل لك أن تغلق الباب فهدير التلفاز لا يتوقف في الغرفة المجاورة..قلها فورا للآخرين"لا لا أريد مشاهدة تلفزيون!"..ارفع صوتك فهم لا يسمعونك إلا إذا رفعت صوتك:"إننى اقرأ! لا أريد ازعاجا"..لعلهم لايسمعونك بسبب كل هذا الصخب..عاليا عاليا ارفع صوتك:" إننى ابدأ فى قراءة القصة الجديدة لايتالو كالفينو!!" أوعلك تفضل ألا تقل أي شىء..مجرد أمل فى أن يتركوك وحيدا".
ويضيف كالفينو الذي قضى في التاسع عشر من سبتمبر عام 1985:"خذ أفضل وضع يريحك: اجلس.. تمدد..تكور أو انبطح..انبسط واستلق على ظهرك، على جنبك، على بطنك، على مقعد مريح، على الأريكة،على كرسى هزاز، على كرسى بلاج،على الوسادة، على ارجوحة النوم لو عندك ارجوحة..فوق فراشك بالطبع أو على سريرك..يمكنك حتى أن تقف على يديك في وضع اليوجا، ومعك الكتاب مقلوب أو في وضع طبيعي".
وإذا كان البريطاني هوارد جاكوبسون يتحدث في طرحه عن القراءة في السرير فاتالو كالفينو يقول في هذه الرواية " طبعا الوضع المثالى للقراءة لن تعثر عليه أبدا..أيام زمان اعتادوا على القراءة وقوفا..اعتاد الناس الوقوف على أقدامهم بلا حراك، يستريحون كما يفعلون عندما يتعبون من عناء امتطاء صهوات الجياد..لا أحد فكر أبدا في القراءة على صهوة جواد، ولا حتى الآن..فكرة الجلوس على السرج، ان وضعت قدميك على الركاب لابد وان تشعر بمنتهى الراحة فى القراءة، فعندما تكون قدماك إلى أعلى يتحقق الشرط الأول لمتعة القراءة". 
ويمضي كالفينو في خطابه للقارىء:" الآن ماذا تنتظر؟..مدد ساقيك لا تتردد وضع قدميك على مخدة على مخدتين، على مرفق الكنبة،على راحة مقعد، على منضدة منخفضة، على المكتب..على البيانو.. على المجسم المتكور..اخلع الحذاء أولا إن أردت فيمكنك أن تصوب قدميك لأعلى، وأن لم تهو فلتضعهما فى الخلف.
ويتابع قائلا:" اضبط الضوء حتى لا تجهد عينيك..افعل ذلك الآن، لأنك بمجرد أن تنهمك فى القراءة لن يزحزحك أي شىء..تأكد أن الصفحة لا ظلال عليها..الحروف السوداء متخثرة على الخلفية الشهباء..مصفوفة كقطيع من الجرذان.. ولكن خذ حذرك وتجنب أن يكون مسقط النور عليها بالغ القوة، ولاتحدق فى برارى البياض القاسى للصفحة..اقضم ظلال الحروف كما لو فى ظهيرة يوم جنوبى..حاول أن تتدارك الآن كل شىء يمكن أن يقطع قراءتك..سجائرك فى متناول يدك وقتما يحلو لك التدخين.
وفي رائعة "لو أن مسافرا في ليلة شتاء" يهمس ايتالو كالفينو لقارىء الرواية " ليس الأمر أنك تنتظر أى شىء بالتحديد من هذا الكتاب بالتحديد..فنوعك أنت من حيث المبدأ لم يعد ينتظر شيئا من أى شىء هناك الكثير ممن هم اصغر منك سنا او اصغر قليلا، يعيشون فى انتظار تجارب استثنائية:من الكتب، من البشر،من الرحلات ،من الأحداث والمجريات،من خبيئة الغد. ولكن ليس انت. انت تعرف ان اقصى امانيك تجنب الأسوأ".
ويمضي ايتالو كالفينو قائلا للقاريء:"هذا قرارك الذى انتهيت انت اليه..من حياتك الخاصة وايضا من مجريات الأحداث العامة، بل ومن الشؤون الدولية وما يجرى فى هذا العالم..ماذا عن الكتب؟ حسنا..بالضبط لأن كل باب آخر قد اغلق فى وجهك وكل مجال مختلف قد أنكرك، أنت تتصور انك مازلت قادرا على أن تمنح نفسك شرعية مسرات الصبا من التوقعات فى منطقة محصورة بعناية مثل مجال الكتب، وهناك قد تكون محظوظا أو سيء الطالع..غير أن خطر الخذلان غير وارد بجدية".
ويتواصل الخطاب الطريف من المؤلف للقارىء " كذلك لاحظت..فى جريدة لو ان مسافرا فى ليلة شتاء صدر الكتاب الجديد لايتالو كالفينو الذى لم ينشر منذ عدة سنوات.ذهبت للمكتبة واشتريت الكتاب.حسنا فعلت..فى واجهة محل بيع الكتب أنت تتعرف فورا على الغلاف من العنوان الذى تبحث عنه.بعد وميض الاطلالة وهذا التتبع البصرى، انت تشق طريقك عبر استحكامات حصن كتب لم تقرأها،ها هى تحملق فيك من الطاولات والأرفف،تحاول ترويعك.. لكنك تعرف بأنه لايجوز ان تسمح لنفسك ابدا بالخوف، وأن بين تلك المعمعة الهائلة من الكتب مالاحاجة لك بقراءته..كتب صنعت لأغراض أخرى غير القراءة.

و لن يملك القارىء سوى أن يبتسم أو يضحك من قلبه وايتالو كالفينو يقول له:"هكذا تتجاوز الشبكة الخارجية للاستحكامات والمتاريس البرانية..لكنك تتعرض عندئذ لهجوم مشاة فى موجات من كتب لو أضيف عمر جديد لعمرك لكنت قد قرأتها أيضا بالتأكيد غير أنه من المؤسف أن أيامك معدودة..بمناورة سريعة تتخطى مشاة الكتب لتتقدم نحو تشكيلات الكتب التى تود أن تقرأها ولكن لديك كتب أخرى يتوجب قراءتها أولا، والكتب هذه الأيام أسعارها غالية جدا وعليك أن تنتظر حتى موسم التنزيلات والبواقى وكذلك الكتب من الطبعات الشعبية ذات الأغلفة غير السميكة، وهناك كتب بمقدورك استعارتها من شخص، وكتب يقرأها الجميع فكأنك قرأتها، ضمن الجميع".
لمراوغة هذه الهجمات والحديث لايتالو كالفينو- تدنو تحت أبراج الحصن هنا قوات أخرى تحصنت بالغواية: الكتب التى تخطط لقراءتها منذ زمان، الكتب التى تطاردها منذ سنوات بلا نجاح الكتب التى تتناول شيئا ما تشتغل عليه ويهمك فى هذه اللحظة..الكتب التى تريد أن تمتلكها وها هى الآن قاب قوسين أو أدنى..الكتب التى يمكنك أن تكتنزها للقراءة هذا الصيف..الكتب التى تنسجم مع كتب أخرى على أرفف مكتبتك
الكتب التى تباغتك.
ويمضي كالفينو في حديثه الطريف للقارىء " أنت فى مكتبك..تضع الكتاب بين أوراق عملك كيفما اتفق في لحظة معينة تحرك احد الملفات فتجد الكتاب امام عينيك،فتحته وانت شارد الذهن،تريح مرفقيك على المكتب،ويديك على فوديك ،تتكوران فى قبضتين،الظاهر انك تركز وتدقق اوراق العمل وبدلا من ذلك تستطلع الصفحات الأولى من القصة.شيئا فشيئا ترجع بظهرك فى مقعدك،ترفع الكتاب الى مستوى انفك،تميل المقعد،تموضعه ليرتكز على قائمتيه الخلفيتين،ها أنت تسحب درجا جانبيا فى مكتبك لتسند قدميك عليه، وضع القدمين اثناء القراءة يحظى بأهمية قصوى،تمدد ساقيك فوق المكتب،على الملفات العاجلة".
ويتابع:" ألا يعد ذلك قلة احترام منك؟ ليس قلة احترام لوظيفتك (لا أحد يزعم أنه يصدر حكما على قدراتك المهنية: نحن نفترض أن واجباتك عنصر طبيعي في نظام الأنشطة غير الإنتاجية التي تحتل مثل هذا الجزء الكبير من الاقتصاد القومىي والدولي)..إنما قلة احترامك للكتاب، والأسوأ أن كنت تنتمى - سواء عن عمد أو غير عمد - لهذه الأرقام التى لا يعنى العمل حقا لها سوى العمل،الأداء،سواء عن قصد او دون سبق اصرار، شىء ما ضرورى او على الأقل ليس عديم الفائدة للآخرين وللذات ايضا،لذا الكتاب الذى تأخذه معك لمكان توظيفك كأنه تميمة او تعويذة يعرضك لغوايات من حين لحين".
"بكلمات أخرى،أفضل لك أن تكبح جماح نفسك وتنتظر لتفتح الكتاب فى البيت..الآن.نعم أنت فى حجرتك مطمئن..تفتح الكتاب على صفحة 1 ،لا،على الصفحة الأخيرة،فأنت تريد اولا ان ترى طوله.ليس بطويل جدا،هذا من حسن الحظ.القصص الطويلة التى تكتب اليوم ممكن ان تكون متناقضة:البعد الزمنى يجرى تحطيمه،ليس بمقدورنا ان نحب او نفكر الا بشظايا من الزمن تنطلق كل منها فى مسير مقذوفها المحتوم وسرعان ماتختفى.بوسعنا اعادة اكتشاف ديمومة الزمن فى قصص تلك الحقبة التى لايتوقف فيها الزمن كما يبدو ولايبدو حتى انه ينفجر،حقبة لم تزد عن مائتى عام".
ولعل القارىء يمضي معه بغبطة وهو يقول له:"أنت تقلب الكتاب بين يديك،تفحص الجمل على ظهر الغلاف بدقة وامعان،عبارات مستلة من الكتاب لا تقول الكثير..هذا أفضل شىء..لا توجد رسالة عديمة البصيرة فجة تزعق بالرسالة التى لابد وأن يوصلها الكتاب ذاته، والتى لابد وأن تستقطرها أنت من الكتاب،مهما كبرت او صغرت.طبعا، هذا الدوران الحوام حول الكتاب،كذلك،هذه القراءة حوله قبل قراءة ما بداخله،جزء من الغبطة التى يمنحها لك كتاب جديد،ولكن مثل كل المسرات التمهيدية،لها اوج ينقضى ان اردت استخدامها كقوة دفع نحو الغبطة الأكثر جوهرية عندما يكتمل الفعل،اى قراءة الكتاب".
وإذا كانت رواية "لو ان مسافرا فى ليلة شتاء" التى تعد رائعة من روائع ادب الحداثة أثارت وتثير تساؤلات عن قضايا الكتابة - القراءة" فلعلها تبرر وتوضح بالفعل سبب تحذيرات لنقاد من استخدام مصطلح "قارىء" بغير حذر بعد أن ظهرت دراسات جديدة حول نظريات القراءة وتصنيفات للقراء الى فئات عدة.
فهناك "قراء نصيون" وهناك قراء خارج النص" وهناك "القارىء الضمنى الذى يعبر عن التصور الموجود في ذهن المؤلف عن القارىء الذى يتمناه"، وهناك "القارىء داخل النص، والماثل فيه والمشارك فى صنعه" مثلما فعل ايتالو كالفينو فى روايته:"لو ان مسافرا فى ليلة شتاء".
وثمة دراسات في نظريات القراءة لأسماء مثل وولفجانج ايزر الذي تناول باستفاضة "القارىء الضمني، وفعل الكتابة وعمليات القراءة بما فيها عملية التلقى بوصفها لعبة من خيال المؤلف وخيال القارىء الفعلى حيث يبث المؤلف خطابه عبر شفرات اجتماعية وثقافية وغيرها ليقوم القارىء الفعلى بحل هذه الشفرات كما يترك المؤلف فجوات نصية فيما يقوم القارىء الفعلى بسدها من خلال عمليات التنبؤ والاستعادة لوحدات النص ".
لكن ايتالو كالفينو تجاوز في "لو أن مسافرا فى ليلة شتاء" هذا المفهوم "للقارىء الضمني الذى لا يظهر مطلقا خلال العمل وإنما يومىء إليه النص عبر سياقاته ومن خلال ايديولوجية المؤلف" كما تجاوز نموذجا اخر للقارىء قدمه جير الدين برنس سماه:" المروى عليه" وهو نموذج اشبه بشهريار فى الف ليلة وليلة حيث يكون "المروى عليه خاصية نصية فاعلة فى النص وتكون له وظائف عدة مثل التوسط بين الراوى والقارىء الفعلي وتشخيص الراوى وتوجيه السرد".
ورواية "لو ان مسافرا فى ليلة شتاء" يتحول فيها القارىء إلى بطل بامتياز، وكأنها تجيب على إشكالية العلاقة بين الكاتب والمتلقى بصنع علاقة جديدة مختلفة كل الاختلاف عن تصورات مستقرة بقدر ماتشير ضمنا لرغبة ايتالو كالفينو فى كتابة جديدة وقراءة جديدة.
صحيح ان كالفينو أظهر فى غير عمل احتفاء بفعل القراءة لكنه فى هذه الرواية يمضى بعيدا في حفاوته بالقراءة والقارىء من البداية للنهاية أن كانت هناك نهاية أو بداية فى عالم يراه ناقصا دوما!.انها رواية عن سعى الانسان للكمال فى عالم ناقص ورغبته فى ان يكون هناك معنى وسط عالم من العشوائية والفوضى فيما القارىء يواصل محاولة العثور على الفصل التالى فى الكتاب الذى يقرأه.
انه الصراع بين خيارات عالم ناقص وهوس الانسان المعاصر بإضفاء معنى على عشوائية وفوضى هذا العالم ويستخدم ايتالو كالفينو فى رواية:" لو أن مسافرا فى ليلة شتاء" تكنيكات ربما لم يعهدها القارىء العربي على وجه العموم فى أي عمل روائي لكنه موعود بمتعة المغاير و"الحوار بين المؤلف والقارىء".
وفي هذه الرواية الاستثنائية ستجد القصة وستجد "قصة القصة" والقارىء لا يزاحم كاتب القصة وانما هما فى شراكة من نوع طريف طرافة هذا الكاتب الذى تجاوز زمنه مبكرا حتى ان القارىء ليشعر بأن هذه الرواية كتبت اليوم وان هذه البنية صنعت اليوم للمستقبل بعقل وروح فنان تحرر حتى من نفسه ليعرف معنى الفن وصيغة المتعة فى القص كما فهمها كالفينو هى: "ان القارىء هو من يجب ان يشعر بالمتعة".
واذا كان ايتالو كالفينو قد قضى منذ أكثر من 32 سنة فإن هناك الآن في الغرب حالة القلق لدى بعض الكتاب جدوى الكتابة ذاتها بل ان البعض منهم لم يتردد في ابداء الندم لأنه اختار ان يكون كاتبا وحتى "ذم الكتابة" وها هو ريك جيكوسكى الكاتب والناقد والاكاديمى والذى تولى من قبل رئاسة لجنة تحكيم جوائز البوكر يكاد يلعن اللحظة التى عرف فيها الكتابة !.
والسبب كما يقول جيكوسكى:لست على ثقة من التأثير الايجابى للقراءة غير اننى متأكد ان الكتابة تخرج اسوأ ما فى مضيفا فى طرح بصحيفة الجارديان: إننا نعيش فى بيئة أدبية غير مريحة وغالبا ما أشعر بالحاجة للتكيف مع متطلبات القراءة ودراسة الأدب الابداعى وهذا امر مفهوم للكتاب والقراء الذين يسعون دوما للتمتع بما يحبونه.
ونوه جيكوسكي بأنه يقرأ لمتعة القراءة ذاتها ولأنه يشعر بالسعادة فى صحبة الكتاب رغم ماينطوى عليه ذلك من انانية لأن القراءة الحقة تعنى العزلة الكاملة حتى عن اولئك الأعزاء الذين يشاركون المرء بيته وحياته ومن ثم فالأمر لايخلو من قدر من التهرب من المسؤوليات التى قد تكون أهم لهؤلاء الأعزاء من خلوة القراءة.
ولاحظ جيكوسكى أن القاص الان هولينغورست اشار الى ظاهرة مماثلة فى سياق حديثه عن اسباب عزلته واكد انه عجز عن التوفيق بين متطلبات القراءة والكتابة والاندماج فى الحياة الاجتماعية كما يعرفها الانسان الطبيعى.
ولاريب ان اسئلة القراءة تشكل هما عالميا وعابرا للثقافات وهاهي الكاتبة الأمريكية ايلي كابلان تتناول عبر منصة "ميديوم" للنشر الالكتروني اهمية القراءة وسبل زيادة معدلاتها مؤكدة على أن "القراءة مفتاح رئيس للنجاح" ومعيدة للأذهان بعض النماذج الشهيرة عالميا كأمثولة للنجاح مثل الملياردير بيل جيتس حيث عمد هذا المبرمج العبقري والمؤسس لشركة" مايكروسوفت" لتكريس حيز كبير من وقته للقراءة.
والأمر المهم عند مثقفة مهمومة بقضايا واسئلة القراءة مثل ايلي كابلان "تحويل القراءة الى عادة يومية" فيما تنقل عن خبراء ومتخصصين في قضايا القراءة انه اذا كان المرء يريد حقا ان يقرأ فسيجد الوقت للقراءة مثلما يجد الوقت "لممارسة الألعاب ومشاهدة التلفاز وتصفح الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي" 
وترى ايلي كابلان ان من فوائد القراءة أنها " تقلل الشعور بالتوتر وتزيد من مستويات التركيز وتساعد على تقوية الذاكرة" لافتة الى ان هناك "الكثير من الأوقات المهدرة او الخفية على مدار اليوم يمكن استغلالها في القراءة". 
وحتى على مستوى الكتابة الرقمية فثمة نصائح فى الصحافة الثقافية الغربية من اجل جذب المزيد من القراء وهى نصائح موجهة للكتاب مثل ضرورة استغلال جوانب القوة فى الوسيط الالكترونى والبحث عن الأفكار المتفردة والملهمة والاهتمام بجماليات الأسلوب والعرض والسعى لاحداث الانفعال المنشود لدى القارىء بكتابة متقنة ومفعمة بالمشاعر مع اتفاق عام على ان الكاتب هو فى نهاية المطاف "محصلة ما يقرؤه".
ولئن كان الجدل حول "دوافع القراءة" يضارع في الثقافة الغربية ذلك الجدل حول "دوافع الكتابة" فمن المثير للتأمل في سياق السعي لتحفيز عادة القراءة أن بعض المكتبات الخاصة في الغرب تتيح حيزا للقراءة المجانية وتبدي اهتماما خاصا في هذا الحيز بالأطفال والناشئة لتسهم بذلك بدور مهم في خدمة قضايا القراءة إلى جانب الدور المشهود للمكتبات العامة.
والكتب ناهيك عن الأعمال الروائية الابداعية التي تتحدث عن قضايا القراءة في الثقافة العربية نادرة حقا ولعل من اهمها ذلك الكتاب الذي صدر منذ اكثر من نصف قرن بعنوان:"لماذا نقرأ"؟ فيما صدرت طبعة جديدة منه مؤخرا وهو يحوي رؤى وطروحات لآباء ثقافيين ومبدعين كبار مثل عباس محمود العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم ويحيي حقي واسماعيل صبري عبد الله وحسين فوزي وحلمي مراد والسيد ابو النجا وجمال العطيفي وصلاح عبد الصبور.
وفي هذا الكتاب الذي يعيد للأذهان "زمن الغرام بالقراءة" والصادر ضمن سلسلة "اقرأ" التاريخية الشهيرة لدار المعارف يلتقي القارىء العربي بهؤلاء المثقفين الكبار في فصول متتابعة حول "القراءة" وخبرات وآراء وانطباعات مثيرة للدهشة بقدر ماهي ممتعة ومفيدة لاستعادة عادة القراءة التي تراجعت كثيرا.
وها هي الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان تطرح اسئلة قلقة حول جدوى الكتابة في ضوء تراجع القراءة فضلا عن استمرار ظاهرة الأمية والعجز عن القراءة فتقول:"لمن يكتب الشعراء المعاصرون والأدباء والمفكرون وكتاب المقال والمدونون الشباب والمتحمسون لفضاءات مستحدثة مثل فيس بوك وتويتر ؟!..فعليا من الذي يقرأ لنا" ؟!.
وتواصل سوزان عليوان التي ولدت يوم الثامن والعشرين من شهر سبتمبر عام 1974 في بيروت طرح اسئلتها المتشائمة والمشككة في جدوى الكتابة لتقول:" أحقا نكتب لجميع الناس ؟ وان كان الأمر كما نأمل وندعي كيف والكثير من الناس يجهل الألف نفسها من ابجدية القراءة" ؟!.
وترى سوزان عليوان التي تكتب قصيدة النثر كما انها صاحبة ابداعات في الرسم ان هناك مساحة شاسعة من العدم تمتد بين الواقع وسقف الكتابة الشاهق "كبرج عاجي متعال في اغلب الأحيان" فيما تعد صاحبة "عصفور المقهى" و"كائن اسمه الحب" ان على الكتاب او النخبة المثقفة التواصل الحقيقي مع الناس في واقعهم.
وصاحبة "كراكيب الكلام" و"بيت من سكر" لا تستثني نفسها ما تصفه "بالوهم الجماعي المهول للكتاب" موضحة:"لطالما سحرتني جماليات اللغة ولكن لم يخطر لي ابدا ان أسهم في محو الأمية نفسها" وكأنها بذلك تتفق دون قصد مع كتاب مصريين أشاروا غير مرة الى "بروز بعض الفجوات بين المثقفين وقطاعات جماهيرية عريضة كنتاج لانتشار الأمية بمختلف أنماطها".
وكان معلقون واصحاب اهتمامات وطروحات ثقافية قد اعربوا عن شعور واضح بالانزعاج حيال مؤشرات وارقام واحصاءات معلنة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء تشير لانخفاض معدلات القراءة في مصر.
ومن بين هذه المؤشرات أن عدد مرات التردد على المكتبات العامة والمتخصصة ومكتبات الجامعات والمعاهد بلغ في العام 2015 نحو خمسة ملايين ونصف المليون شخص وهو رقم اتفق العديد من المعنيين بقضايا القراءة واسئلة الكتاب على انه "رقم ضئيل في بلد يصل مجموع من يعرفون فيه القراءة الى نحو 40 مليون شخص". 
وحسب دراسة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار فإن نسبة قدرها 48 فى المائة من الشباب المصرى فى الفئة العمرية من 15-29 عاما تأتى القراءة فى المرتبة الثالثة ضمن هواياتها كما اظهرت اهمية المكتبات العامة لأن نسبة تصل الى 61 فى المائة من بين هذه الفئة تعتبر الاستعارة من المكتبات هى المصدر الأساسى لقراءة الكتب.
وفسر الشباب مسألة عدم الاقبال على القراءة الحرة بشكل عام الى عدم تشجيع الأسرة وكثرة القنوات التلفزيونية ثم كثرة الأعباء المدرسية وتبين ان 27 فى المائة من الشباب الذين يقومون بالقراءة يخصصون جزءا من دخلهم الشهرى لشراء الكتب ويبلغ المتوسط نحو 34 جنيها شهريا.
وعلى المستوى العربي يفيد "تقرير المعرفة العربي" ان عدد متوسط ساعات القراءة للانسان العربي يبلغ سنويا نحو 35 ساعة من بينها نحو 15 ساعة للمجالات ذات الصلة بالدراسة او العمل كما يوضح التقرير وهو ثمرة لجهد مشترك بين "مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي" ان المتوسط العربي لعدد الكتب المقروءة سنويا يبلغ نحو 16 كتابا من بينها نحو سبعة كتب للمجالات ذات الصلة بالدراسة او العمل.
وذهب معلقون الى ان اغلب الكتب المقروءة عربيا خارج نطاق الدراسة او العمل تتجه لعالم المطبخ وابراج الحظ والطالع والألعاب وصيانة الهاتف المحمول بما يعني انها خارج نطاق الثقافة الجادة والمستنيرة أو المعرفة المفيدة لتنمية القدرات الذاتية وروح الابتكار في مختلف اوجه الحياة لتحسين شروط العيش. 
واذا حق القول بأنه ليس بالوسع التطلع الى التقدم والنجاح في عصرنا هذا دون التسلح بالمعرفة فبلد مثل مصر له ان يفخر بتراثه الثقافي والمعرفي الثري وتأصل القراءة وهو بلد شهد منذ اكثر من قرن كامل تأسيس "لجنة التأليف والترجمة والنشر" التي قامت بأدوار فاعلة في رفد الثقافة المصرية بروائع الكتب.
فهذه اللجنة التي أسستها كوكبة من المثقفين المصريين وكان المفكر أحمد أمين في صدارتها أصدرت حتى عام 1953 مايربو على الـ 200 كتاب وكانت اصداراتها تحظى باقبال كبير من القراء في مصر والعالم العربي ككل وحققت ارباحا عامئذ بلغت أكثر من 60 ألف جنيه.
ولعل هذا النموذج التاريخي بنجاحاته يؤكد على أهمية المضمون او المحتوى الثقافي لجذب القراء بدلا من الركون لمقولة أن أحدا لم يعد يقرأ واتهام المصريين بالعداء للكتاب فيما كان مؤسسو"لجنة التأليف والترجمة والنشر" ينتمون الى مختلف التخصصات والميول والاتجاهات.
ولكن كانت تجمع بينهم سمتان مهمتان: الأولى هي الشعور القوي بالحاجة الى تقديم افضل ثمار الفكر الغربي الحديث باللغة العربية سواء بالترجمة او التأليف والثانية انهم كانوا يجمعون بين المعرفة الحميمة بالتراث العربي والاسلامي وبين الاطلاع على الثقافة الغربية الحديثة ويحملون تقديرا عميقا لكلتا الثقافتين.
ومن الأهمية بمكان التكيف مع معطيات العصر الرقمي لتشجيع القرءة سواء كانت في صيغة الكتاب الورقي او الرقمي ومن هنا تدعو الحاجة لتجارب مصرية وعربية خالصة على شبكة الانترنت لعلها تستفيد من تجربة "موقع جود ريدز" الذي مضى على تأسيسه أكثر من عقد الاشادة حيث يتيح هذا الموقع تعليقات ومراجعات نقدية لكتب في مختلف التخصصات والمجالات المعرفية. 
وإذا كان "تمثال الكاتب المصري" في متحف اللوفر الباريسي قد ذاع صيته في العالم قاطبة كعلم على "قصة الكتابة" في تاريخ الانسانية فان هذه القصة المصرية الأصل هي ايضا قصة القراءة والشغف المعرفي الذي قدم للدنيا مدهشات وعجائب خالدة..انها ابجدية الابداع الانساني وقصة البحث عن المعنى والاحتفال بالخلود. 

الكلمات المفتاحية

"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟