رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

تولستوي.. ثلاث موتات لنبيل الفقراء

الأحد 19/نوفمبر/2017 - 02:13 م
البوابة نيوز
أحمد صوان
طباعة
كان غريبًا على الطبقة النبيلة في روسيا القيصرية أن يتجاهل رجل ينحدر من أسرة نبيلة شاركت في حكم روسيا يومًا أن يضع نفسه في جانب فلاحي ضيعته، ويحيا جزءا غير قليل من حياته بطريقتهم؛ لكن الرجل، الذي صار فيما بعد واحدا من أبرز أدباء ومفكري القرن التاسع عشر، كان قد اختار طريقه بالفعل وهو الوقوف إلى جوار المهمشين؛ ليُخلّد اسمه في تاريخ الأدب العالمي عبر أفكاره وروائعه الأدبية التي يستلهم البعض منها الأعمال الدرامية والسينمائية حتى اليوم.
استقبلت مقاطعة تولا جنوب العاصمة موسكو الصرخات الأولى للرضيع ليف نيكولايافيتش تولستوي في 9 سبتمبر عام 1828؛ وكان والده الكونت نيكولاس تولستوي، وأمه الأميرة ماريا فولكونسكي التي تنتمي لسلالة روريك، وهو أول حاكم ورد اسمه في التاريخ الروسي؛ لكن الأم توفيت بينما لا يزال عمره سنتين، وقامت إحدى قريباته بمساعدة والده في تربيته وإخوته، حتى توفي بدوره في صيف 1837، فتم وضع أطفاله تحت رعاية الكونتيسة الكسندرا أوستن.
في عام 1844 التحق ابن النبلاء بكلية اللغات الشرقية بجامعة كازان ليدرس اللغتين العربية والتركية، حتى يلتحق في النهاية بالسلك الدبلوماسي لأنّه أراد أن يصبح دبلوماسيًا في الشرق، وكان مهتمًا بآداب شعوبه، ورغم أنه كان شغوفا بالقراءة منذ طفولته، إلا أنه لم يستطع التركيز في دراسته عندما أصبح طالبًا، ومع ذلك فقد انغمس في الحياة الاجتماعية بالجامعة، وبعد أن فشل في امتحانات السنة الأولى.
قرر تولستوي أن يغير اتجاهه ويدرس القانون، إلا أنه عاد في عام 1847 ليترك الدراسة دون أن يحصل على شهادته الجامعية، بعد أن جاءته الأنباء بأن تقسيم أملاك الأسرة قد جعلته يرث إقطاعية ياسنايابوليانا، وهي إقطاعية كبيرة فيها أكثر من 330 عائلة من الفلاحين، فأحس أن واجبه يحتم عليه العودة إلى إقطاعيته لرعاية أموره هناك ولتحسين أحوال الفلاحين، وأعد مذكرات دقيقة عن خططه لتحقيق ذلك؛ ولكن مثاليته وشعوره بالمسئولية لم تثبتا أنهما الصفتان المناسبتان للتعامل مع الفلاحين، وبعد مرور صيفين توجه إلى موسكو، وبعد ذلك إلى سان بطرسبورج -ليننجراد- حيث عقد العزم على نيل شهادة جامعية لكنه انغمس في لعب القمار وغرق في الديون.
عندما عاد شقيقه نيكولاس الذي كان يخدم في الجيش الروسي بالقوقاز ليقضي إجازته، صحبه في رحلة العودة عام 1851، وبعد تسعة أشهر انضم إلى الفرقة الروسية القوقازية في القتال ضد قبائل السهول التتارية، وقد سجل جانبًا كبيرًا من انطباعاته التي كونها خلال تلك الفترة في روايته "الحرب والسلام"، وشارك في بعض المعارك ضد جيش المريدين بقيادة الإمام شامل، وفي تلك الفترة ألف ثلاثة كتب هي "الطفولة"، "الصبا"، و"الشباب"؛ واستمر في عمله كجندي حتى عام 1855، حيث اشترك في حرب القرم، وفي حياته هناك أحب بلاد القوقاز وأثر فيه شعبها، وكتب عن تجاربه تلك موضوعات نُشرت في الصحف، وألَّف عنها كتابه "الكوزاك" الذي يحتوي على عدة قصص.
بعد تقاعده من الخدمة العسكرية سافر تولستوي إلى أوروبا الغربية، وأعجب بطرق التدريس هناك، حتى أنه عاد وفتح مدرسة خاصة لأبناء المزارعين، وأنشأ مجلة تربوية تدعى "ياسنايا بوليانا" شرح فيها أفكاره التربوية ونشرها بين الناس؛ وكذلك خالط المزارعين وتعلم أساليبهم في العمل، ودافع عنهم ضد المعاملة السيئة من جانب ملاك الأراضي، وبعد زيارته فرنسا وسويسرا لم يغادر إقطاعيته على الإطلاق وتزوج عام 1862، من الكونتيسة صوفيا أندريفيا برز التي تصغره بستة عشر عامًا، وأنجب منها 13 طفلا مات خمسة منهم في الصغر؛ وكانت خير عون له في كتابته، فقد نسخت مخطوط روايته "الحرب والسلام" سبع مرات، حتى كانت النسخة الأخيرة التي تم نشرها.
كان تولستوي قد تعمق في القراءات الدينية، وقاوم الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا، ودعا للسلام وعدم الاستغلال، وعارض القوة والعنف في شتى صورهما؛ ولم تقبل الكنيسة وجهة نظره التي انتشرت في سرعة كبيرة، فأعلنت تكفيره وحرمانهُ من رعايتها، بينما اعتنق أفكار المقاومة السلمية النابذة للعنف، وتبلور ذلك في كتاب "مملكة الرب بداخلك"، وهو العمل الذي أثر على كثير من مناضلي القرن العشرين مثل المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينج في جهادهما الذي اتسم بسياسة المقاومة السلمية النابذة للعنف.
سيطرت فكرة الموت على ذهن العملاق الروسي، وكان دومًا يتساءل عن سبب الموت وخوف البشر منه، وكتب قصة باسم "ثلاث موتات" يقارن فيها بين موت سيدة ثرية وموت فلاح بسيط وموت شجرة، عبر خلالها عن رؤيته بأنه كلما زاد وعينا انفصلنا عن الطبيعة والمجموعة البشرية ونحن نتألم لهذا الوعي وهذا الانفصال عند الموت؛ وكذلك آمن بالوصايا العشر في الكتاب المقدس، لكنه رفض أي تنظيم أو منظمة دينية وبالتالي فقد رفض الكنيسة، وقال "يجب أن نحيا حياتنا بأقصى وأعمق ما نستطيع وأن نجعل الدنيا نعيمًا لأبناء البشر ونتحمل وحدنا المسئولية بدلًا من إلقاؤها على قوى القدر والغيب".
أضمر العبقري الروسي كذلك احترامًا خاصًا للأدب والثقافة العربية، خاصة الأدب الشعبي، ومنها حكاية "علاء الدين والمصباح السحري"، وقرأ "ألف ليلة وليلة"، وعرف "على بابا والأربعون حرامي"، و"قمر الزمان بين الملك شهرمان"، وذكرهما ضمن قائمة الحكايات التي تركت في نفسهِ بشدة قبل أن يصبح عمره أربعة عشر عامًا، وذكر أنّه أمضى إحدى الليالي في غرفة جدته، وأصغى إلى حكايات المحدث الأعمى ليف ستيبا نفتش، الذي كان يعرف حكاياتٍ عربيةً كثيرةً، ومنها حكاية "قمر الزمان بن الملك شهرمان"؛ ونشر في ملحق مجلته التربوية "يا سنايا بوليانا" بعض الحكايات العربية الشعبية، ويظهر تأثره بألف ليلة وليلة في روايته "لحن كريستر"، كما راسل الإمام محمد عبده، ولكن توفيَّ الاثنان بعد رسالتين فقط.
وتُعد رواية "الحرب والسلام" التي كتبها 1869 من أشهر أعمال تولستوي، وتتناول مراحل الحياة المختلفة، ووصف فيها الحوادث السياسية والعسكرية التي حدثت في أوربا في الفترة ما بين 1805 و1820، وتناول فيها غزو نابليون لروسيا عام 1812؛ ومن أشهر أعماله أيضًا "آنا كارنينا"، الذي عالج فيه قضايا اجتماعية وأخلاقية وفلسفية في شكل مأساة غرامية كانت بطلتها النبيلة الروسية الجميلة؛ كذلك أوضح رؤيته الفنية في كتاب "ما الفن؟"، وأنه ينبغي أن يُوجِّه الناس أخلاقيًا، وأن يعمل على تحسين أوضاعهم، ولابد أن يكون بسيطًا يخاطب عامة الناس.
في أواخر حياته عاد تولستوي لكتابة القصص الخيالية فكتب "موت إيفان إيلييتش"، كما كتب بعض الأعمال المسرحية مثل "قوة الظلام"، وأشهر أعماله التي كتبها في أواخر حياته كانت "البعث" وتلتها قصص "الشيطان، كريوتزسوناتا، الحاج مراد، ووفاة إيفان ايليتش"؛ وكانت قصة " الأب سيرجي" التي نُشرت بعد وفاته توضح عمق معرفته بعلم النفس.
كانت الأعوام الثلاثين الأخيرة من حياة الروائي الكبير مليئة بالقلق المتزايد، وكان يبحث للعثور على إجابة عن مشاكل البشرية، وكان يريد مساعدة الفقير والضعيف، وأعلن الثورة على العنف والحرب، وعلى المُحيطين به، حتى قرر الهرب من مسكنه وأسرته، ما أثر على صحته التي كانت سيئة، رغم أنه كان متماسكا، وقوي الذاكرة في شيخوخته، وفي توجهه لزيارة شقيقته في ديرٍ كانت هي رئيسته، في 20 نوفمبر 1910 مات من الالتهاب الرئوي في محطة قطار قرية استابو، وكان قد بلغ من العمر اثنين وثمانين عامًا، ودفن في حديقة ضيعة ياسنايا بوليانا، ولم يتم دفنه وفق الطقوس الدينية الأرثوذكسية، لأنه رفض أن يُدفن حسب تعاليم الكنيسة أو أن يوضع صليب على قبره لأنه كان رافضًا لزيف رجال الدين والكنيسة وقتها بعدم مناصرتها للفقراء والوقوف مع القياصرة والظلم.
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟