رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
ads
ads

عطلة من الأدب وفرصة للسعادة.. روح نجيب محفوظ تتجلى في شبرد

الثلاثاء 03/أكتوبر/2017 - 09:22 م
كتاب ليالي نجيب محفوظ
كتاب "ليالي نجيب محفوظ في شبرد"
شيماء عيسى
طباعة
أصدرت مؤسسة "بتانة" الثقافية مؤخرا الجزء الثاني من كتاب "ليالي نجيب محفوظ في شبرد" والتي أعدها الناقد إبراهيم عبدالعزيز، عن مشاهداته لصالونات أديب نوبل.. هناك حيث التقى مع محبيه من "الحرافيش" يتجاذبون الحديث عن فنون الدنيا والتاريخ وعبره.
والناقد هو صاحب أحد أهم الكتب عن محفوظ باسم "أنا نجيب محفوظ". أما الكتاب الضخم عن "ليالي محفوظ" فيقع ‎في 1600 صفحة من القطع الكبير، ينقسم إلى جزءين يمتدان لتغطية 122 ليلة من ليالي الأديب الكبير.
صالونات محفوظ 
في مقدمة الكتاب الأول آثر المؤلف أن يأتي برأي محفوظ نفسه في الصالونات، وهو الذي فاته صالون العقاد لأنه كان آنذاك لا يزال "مستغرقا في أعماله، لا يزور أحدا" ولما أصبح لمحفوظ صالون جعله بالمقاهي العامة، وكل شخص من الحاضرين يقول ما يريد بغض النظر عن مركزه، بعيدا عن "المنظرة الاجتماعية" التي تحولت لها صالوناتنا.
ويكشف المؤلف أن محفوظ كان لا يحب إذاعة حياته الخاصة على الملأ، حتى لو كانت مشرفة كأعمال الخير التي تبناها تجاه المحتاجين، منها تيسير الحج لمائتي شخص تعويضا عن عدم قدرته على الحج لظروف صحية، وهو من كتب على لسان "رضوان الحسيني" بـ"زقاق المدق": "أخي أموت شوقا إلى استطلاع أفق مكة، والإنصات لهمس الزمان بأركانها، والسير في مناكبها، والانزواء في معابدها، وإرواء الغلة من زمزمها، واستقبال الطريق الذي مهده الرسول بهجرته فتبعته الأقوام منذ ثلاثمائة وألف عام ولا يزالون، وثلوج الفؤاد بزيارة القبر النبوي، وأن بقلبي من مكنون الهيام ما يقصر الزمان عن بثه"
ومن عادة محفوظ ألا يرد على منتقديه، ويجلس بين المتصارعين من تيارات مختلفة فلا تعرف انحيازه، ومن المواقف القليلة التي انفعل فيها هي التي يرويها المهندس محمد الكفراوي أحد الحرافيش، وتعود لأيام اتفاقية كامب ديفيد حين أصدر الناقد محمد عطية كتابا وقال ما معناه أن محفوظ أحد عملاء أمريكا، لأنه أيد معاهدة السلام، وحين رآه محفوظ بصالونه انفعل قائلا: ناقشني قبل أن تشتمني. 
يقول محفوظ للناقد سامي خشبة: اعتقادي أن العمل الذي لا يستطيع أن يدافع عن نفسه أفضل له أن يموت،بل أفضل للإنسانية كلها. وهكذا فهو يرى أن أعماله إن لم تعش بوجدان الناس، فقد أسعدته مدة ثم "مع السلامة"! بل إن سليمان فياض يتذكر أن محفوظ قال أنه لا يهمه أن تلف بأوراق قصصه أقراص الطعمية، مادام الناس قد قرأوها.
ويستعيد الناقد اسم الحرافيش وقد أنشأه الفنان أحمد مظهر، حين كانوا يقرأون ذات سهرة كتاب الطهطاوي "تخليص الإبريز" وفيها أن مقاهي باريس كان يؤمها علية القوم والحرافيش، فجلجلت ضحكة أحمد مظهر ونطق: "انتم الحرافيش"ومن يومها وهذا هو اسم الشلة، بعد أن كان اسمها القديم هو "اجتماع الدائرة المشئومة".
حضارة مصر
في إحدى ليالي سمره مع أصدقائه، يستدعي الحاضرون كلمة محفوظ لمعرض فرانكفورت والتي أبرزت عراقة الحضارة المصرية القديمة والتي لم تعرف نظام العبيد ولا القرابين البشرية، واعتبرها الأديب رافدا هاما للثقافة العربية، وجعل الإسلام المصدر الثاني لحضارتنا.
أما رسالته للفيفا في دعم ترشح مصر لاستضافة المونديال، فيقول بها: "حضرة المحترم".. مصر صاحبة حضارة عمرها 7 الاف سنة، ومن "عبث الأقدار" ألا تحظى بشرف تنظيم المونديال.. لقد عرفنا "الطريق" ونسعى بشرف إلى ذلك، نأمل أن تنظروا إلى هذه المسألة بعين الاعتبار وألا يكون حيادكم مجرد "السراب".
كما تحدث محفوظ بإحدى جلساته عن تفريق جيل الكتاب العظام بمصر الليبرالية قبل الثورة، بين الفكر والسياسة؛ فالعقاد مثلا كان برأيه أكبر كاتب مناهض للاستعمار ولكنه في الوقت نفسه كان أكبر مدافع عن الأدب السكسوني.
طقوس
ويرد محفوظ على الكفراوي حول طقوسه بالكتابة، فيكشف أنه يحب الموسيقى، ووقت كتابة الرواية يمكن أن يفتح الراديو بصوت خفيف في الخلفية. وأنه لا يستشير أحد في رواياته قبل صدورها. وهو لا يندم على شيء كتبه، فقد "سوّد وبيض وفعل كل شيء".أما أحب شخصية إليه برواياته فهي "أحمد عبدالجواد"، وهو يقسم وقته في القراءة بين الفلسفة والتاريخ والأدب. 
رمضان زمان
وعن ذكرياته من شهر رمضان، تلح على الأديب صورة الأب الذي كان يأتي بالمشايخ لمنزل الأسرة في بيت القاضي احتفالا بشهر رمضان، وكان هذا مظهرا مصريا للاحتفال في ذلك الزمن، وكانت أقصى سعادته حين سمع المسحراتي يذكر اسمه للاستيقاظ فهو اعتراف رسمي بأنه صار بين قائمة الصائمين.ومن عاداته اللاحقة بهذا الشهر أن يفطر مع الأسرة ثم يسهر بقهوة الفيشاوي ويتسحر هناك، حتى أذان الفجر، فيعود من شارع الجبل ويقضي نهاره بالقراءة، ولكنه لا يكتب في رمضان. ودعا لأن تذهب أموال موائد الرحمن كتبرعات للمستحقين والأطفال المرضى بدلا من حالة "المظهرية".
لا للحكم الديني
ومن أجواء الجزء الثاني، يتحدث ميلاد حنا عن مصر ذات الخصوصية الثقافية التي يستحيل معها أن تخضع لحكم ديني من الإخوان أو غيرهم، وهكذا أيده محفوظ بلقاء نسقه مؤلف هذا الكتاب، بعد أن كتب يعارض إعلانه للهجرة.
وفي الليلة الثامنة عشرة بعد المئة، ينفي محفوظ ما يسمى بالغزو الثقافي، لأن الثقافة انتقاء، فلا شيء يخيفنا، شكسبير إنجليزي وجوتة ألماني في آدابنا ما ضرره. وهو يتذكر أنه في شبابه انتهى لليبرالية والاشتراكية، والأدب والفن كله، كان منفتحا على كل شيء. وهو لا يرى تناقضا بين رسالة الإسلام وهذه المباديء الليبرالية. 
المعارضة التي نتمناها
وفي ليلة أخرى جرت في يونيو 2006، يتحدث محفوظ عن المعارضة، وهي في أسوأ أحوالها خير من الاستبداد في أحسن أحواله، وهو لا يعني تحبيذ أسلوب الإثارة والانفعال، وهو يتمنى أن تنتصر المعارضة على نفسها قبل أن تنتصر على خصومها، بحيث تتحول من محطة النضال البلاغي الحماسي للفعل والخلق والإبداع والقيادة الشعبية، ورجا أن يفسح المسئولون صدورهم ويروضوا أنفسهم على معايشة مُر النقد قبل حلوة، فهو جزء من الأمانة التي يحملونها.
وفي إحدى صالوناته بشبرد يقول: إن أمريكا انقضت على التجربة الديمقراطية بالعالم العربي، منتقدا غزو العراق وأفغانستان. أما في مصر فأكثر ما يثيره هم من يقولون بأننا غير مؤهلين للديمقراطية، رغم أن تاريخ الإنسانية يقول بأن الشعوب المتحضرة اصبحت هكذا بعد أن اختارت هذا الطريق ومضت فيه، وأنها لم تخلق هكذا.. ولذا علينا ان نلقي بأنفسنا فيها ونصارع مختلف أمواجها.وحين يعود لزمن صباه يؤكد أن كل المصائب التي حدثت كانت بسبب دستور 23 الذي أعطى كل السلطات للملك. ويصف كل الملوك الذين جاءوا حتى ثورة يوليو بأنهم "طراطير" للمستعمرين.
وجاءت إحدى الليالي للحديث عن العنف، وما يجري بالعالم العربي، وأهمية إرسال الجيوش لنصرة فلسطين، فقال نجيب: حاربنا أيام عبدالناصر وضاع كل شيء. 
أولاد حارتنا
وعن روايته "أولاد حارتنا" يتذكر محفوظ بإحدى لياليه في "شبرد" أنه لما جاءت فتوى الشيخ عمر عبدالرحمن بتكفيره، رفض أديب نوبل حماية البوليس، مازحا مع ضابط البوليس: سيقتلني الحارس الذي سترهقه كثرة تنقلاتي. وقد ظل يمشي في الشارع دون خوف رغم التحذيرات، حتى ضُرب. وهو يؤكد أنه لم يطلب موافقة الأزهر على روايته التي تباع بالفعل على الرصيف وإنما تحدث عنها. 
ويشير محفوظ بليلة أخرى إلى أن حلم العدالة هو باعثه لكتابة "أولاد حارتنا" وأيد نظرة الناقد توفيق حنا بدراسته عن الرواية، والتي تحمل صرخة ضد ألوان القهر بعد ظهور طبقة انتهازية جديدة وعودة الإقطاع الذي أصاب نجيب محفوظ بخيبة أمل قوية في ثورة يوليو.ولهذا خاطبت الرواية البشر والحكام على السواء عام 1959.
يقول إبراهيم عبدالعزيز الذي رصد كتابا يضع حوارات محفوظ بصالوناته كما هي لا نقلا عنه: على المقعد نفسه يجلس نجيب محفوظ بالضحكة العريضة المجلجلة نفسها يسعد حياتنا مساء كل خميس، فهي إحدى متناقضات النفس البشرية التي يحار الإنسان في فهمها، إن كل هذه الجدية والصرامة مركبة في نفس رجل أشد الناس حبا للمرح وقدرة على الضحك، ومن أسرعهم بديهة وأحضرهم نكتة وقافية " والغريب ما يرويه عادل كامل أحد حرافيش محفوظ بأن الأستاذ كان يعتبر اللقاء "عطلة من الأدب" وفرصة للسعادة.وقد سمعه ذات يوم يقول "أقمت حياتي على حب العمل، وحب الناس، وحب الحياة، وحب الموت".

الكلمات المفتاحية

"
هل تؤيد حجب الألعاب الإلكترونية الخطرة؟

هل تؤيد حجب الألعاب الإلكترونية الخطرة؟