السبت 31 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
رئيس مجلس الادارة والتحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

آراء حرة

ويبقى المجد للشهداء.. والعار للإرهابيين الجبناء


يعتقد الإرهابيون الجدد أن التاريخ لن ينساهم، وأنهم بترويع الآمنين فى أوطانهم يسجلون وحشيتهم بحروف من دماء ضحاياهم، وأن الإعلام سبيلهم إلى نشر العنف والترويع حتى تكون مهمتهم أسهل بعد ذلك فى تحقيق أهدافهم الخبيثة والممولة من أطرافٍ تؤمن بأن الإرهاب هو الطريق الوحيد لإسقاط الدول لإقامة ما يعتقدون أنها دولة الإسلام المزعومة.
لقد حاول تنظيم القاعدة وعلى رأسه أسامة بن لادن ومن بعده الظواهرى أن يبث الرعب فى أوصال الدول العربية من خلال أشرطة الفيديو المتلفزة التى كان يرسلها إلى منصة إعلام الإرهاب المتمثلة فى قناة «الجزيرة» التى كانت تنصب من نفسها بوقًا دعائية لتنظيم القاعدة الإرهابى، ولم يقاوم بن لادن ومن بعده الظواهرى وأبو مصعب الزرقاوى أضواء الكاميرات والإعلام عندما تعمدوا جميعًا أن يقفوا أمامها طلبًا للدعاية لأنشطتهم الإرهابية وتجنيد عناصر جديدة تضيف وقودًا إلى نار الإرهاب المستعرة.
ويختلف داعش عما قبله فى أنه تنظيم ولد فى عصر المعلومات والإنترنت، ومن هنا فقد تبنتى أساليب دعائية جديدة يأتى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى فى القلب منها، ويأتى التصوير السينمائى الأقرب إلى الإخراج والمؤثرات الهوليوودية على رأسها، ولكن على الرغم من ذلك فإن داعش عمل على تبنى منظومة إعلامية متكاملة يوجد بها وزارة إعلام افتراضية ووزير إعلام يمارس دوره فى تصدير كل جديد عن التنظيم إلى وسائل الإعلام علاوة على إصدار صحف مطبوعة وإلكترونية وإطلاق إذاعة تبث أخبار التنظيم. وتتمثل مرجعية التنظيم الأيديولوجية فى كتاب «إدارة التوحش» الذى يصف كيفية إسقاط الدول بدءًا من مرحلة الإنهاك مرورًا بمرحلة إدارة التوحش التى يتم بمقتضاها استيعاب التنظيم لانفلات البشر وتوحشهم بعد إسقاط الدولة ثم مرحلة إدارة التمكين والتى يتم بمقتضاها إحلال التنظيم مكان سلطة الدولة.. فعلوا ذلك فى العراق وفعلوا ذلك فى سوريا.. والآن جاء الدور على مصر.
ولكى ينال التنظيم من مصر لا بد من إنهاكها فى البداية ومحاصرتها من كل اتجاه؛ لذا لا تستغرب ما يحدث فى سيناء بعد ثورة ٣٠ يونيو وإسقاط الشعب المصرى لجماعة الإخوان ورئيسها، ولا شك أن العبارة الشهيرة التى أطلقها محمد البلتاجى أثناء اعتصام رابعة من «أن ما يحدث فى سيناء ينتهى فى اللحظة التى يعود فيها الرئيس محمد مرسى إلى قصر الاتحادية» تحمل دلالة قاطعة على أن لجماعة الإخوان الإرهابية الولاية على كل التنظيمات الإرهابية التى خرجت من عباءتها بما فيه داعش، والدليل على ذلك أن كتاب «إدارة التوحش» المرجعية الأساسية لداعش يصف جماعة الإخوان بأنها الجماعة الأم لكل الجماعات والتنظيمات الأخرى.
ومن بين فلسفة تنظيم داعش فى النيْل من الدول إرهاقها وإنهاكها فى أطرافها، ومن هنا نجد أن للتنظيم وجودا فى سيْناء وهى تمثل البوابة الغربية لمصر، وتحرك التنظيم فى الآونة الأخيرة بعد الضربات المتلاحقة التى تلقاها فى العراق وسوريا إلى ليبيا كملاذ آمن فى ظل حالة الانفلات التى تضرب الدولة الليبية وعدم السيطرة على الأحوال الأمنية فيها فى ظل تصارع الجماعات المسلحة وفى ظل تدخل أطراف خارجية فى الصراع الليبى بعضها داعم للإرهاب منها قطر وتركيا. وقد اتخذ تنظيم داعش معقلًا له فى درنة يقود منه عملياته المناوئة للسلطة فى ليبيا، وكذلك يدير عملياته ضد مصر التى تمولها قطر وتركيا.
ولا شك أن درنة موقع استراتيجى مهم فى هذه المعركة التى يخوضها التنظيم ضد مصر؛ لأنه يمكنه من تجنيد الإرهابيين الذين يعملون لصالحه من على الحدود الغربية الملاصقة لمصر، والتى يصعب السيطرة عليها لأنها تمتد مئات الكيلومترات، ولأن التنظيم يمارس تمويهًا على الدولة المصرية التى تنتظر طوال تاريخها البعيد والقريب الخطر من الشرق عبر سيناء التى جاء من خلالها الهكسوس والتتار والمغول واليهود، ليفاجئوا الدولة المصرية بخطر أعظم قادم من الغرب من ليبيا، وهو ما يدخل فى إطار المفاجأة الاستراتيجية غير المتوقعة كما يعتقد التنظيم، كما تمثل درنة نقطة مهمة لجمع المعلومات الخاصة بالعمليات الإرهابية من الداخل المصرى ووجود عدد كبير من المصريين فى ليبيا ممن يمكن تجنيدهم، كما يسهل من درنة شن عمليات إرهابية على أطراف الدولة المصرية من موقع آخر بالإضافة إلى سيناء، وهى محاولة إنهاك متعمدة للدولة من الشرق والغرب.
والذين يسخرون من مقولة وزير الثقافة الأسبق القطرى الذى تحدث عن احتلال مصر إذا كشر تميم عن أنيابه، ويسخرون من هجوم الرئيس السودانى البشير على مصر، يجب ألا يأخذوا هذا بمحمل السخرية، لأن هذا يعنى أن ثمة مخططات قطرية لتمويل الإرهابيين وتنظيم داعش ودعمهم لوجيستيًا لخلخلة سلطة الدولة المصرية، وما حادث المنيا إلا مقدمة فى سلسلة طويلة من الحوادث التى يُخطط لها بليلٍ الآن فى مقار أجهزة مخابرات تستهدف الدولة المصرية. ولا نستغرب إذا بدأ إرهابيون يتخذون من الأراضى السودانية منطلقًا لهم فى الفترة القادمة للنيل من الأطراف الجنوبية للدولة فى محاولة حثيثة لإنهاك الجيش وإثارة الفتن ضده.
ويمثل حادث المنيا الإرهابى جزءًا من استهداف مصر حيث سعى إلى ضربها فى لُحمتها وتماسكها ووحدتها، ويعلم هؤلاء الإرهابيون أن النيْل من الإخوة الأقباط فى ظل التراث المتراكم من الأحداث والفتن الطائفية التى بدأت فى منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر حتى الآن يمكن أن يؤدى إلى تفتيت وحدة المصريين على المدى الطويل. ومن هنا بدأ استهداف داعش للأقباط عام ٢٠١٤ عندما ارتكب مذبحة فى حق ٢١ مصريًا قبطيًا على شاطئ البحر فى ليبيا، وللمصادفة التى قد تبدو متعمدة كان هؤلاء الأقباط معظمهم من محافظة المنيا، ثم تلا ذلك حادث الكنيسة البطرسية فتفجير كنيستيْ طنطا والإسكندرية وآخرها حادث المنيا.
والخطير فى حادث المنيا الإرهابى أن داعش حول ما درجنا على تسميته بالأحداث أو «الفتن الطائفية» إلى مصطلح جديد علينا وقد يتكرر على أسماعنا الفترة القادمة، وهو «الصراع الطائفى»، حيث عمد من ارتكبوا «مجزرة» المنيا إلى سؤال الضحايا عن دينهم وعرضوا عليهم نطق الشهادتيْن، ولما رفضوا كان تمسكهم بدينهم هو السبب فى مقتلهم، وبالتالى جلب داعش إلى مصر صراعًا طائفيًا يمكن أن يُقتل الفرد فيه بناءً على هويته ودينه.
إن ما تواجهه الدولة المصرية هو جد خطير، وحسنًا فعل الرئيس عبدالفتاح السيسى بتوجيه ضربة عسكرية لقيادة تنظيم داعش فى ليبيا، ويجب أن تعقب هذه الضربة ضربات أخرى، انتقامًا لشهدائنا من الأقباط فى كل الحوادث الإرهابية الأخيرة، ولإجهاض كل ما يخططه التنظيم ضد الدولة المصرية بدعم وتمويل قطر وتركيا.
إن مصر تدفع من دماء أبنائها من الجيش والشرطة والأقباط ثمنًا باهظًا فى مواجهة مخططات النيٍل من هيبة الدولة ومن تماسك ووحدة المصريين، ورغم هذا الثمن الباهظ فإن السيناريوهات البديلة التى تحاول مصر القفز فوقها لحماية أركان الدولة مرعبة.
ورغم الدماء الذكية التى أُريقت على أرض مصر، فإنه يبقى المجد للشهداء.. والعار للإرهابيين الجبناء.. حمى الله مصر.. حمى الله الجيش.. حمى الله الشعب الذى يقف حائط الصد الأخير ضد كل ما يُراد بدولته وجيشه.