الخميس 06 أكتوبر 2022
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

حتى لا يتحول الدستور إلى وثيقة حكم بإعدامنا

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news
المعارضة تقول إن التيار الأصولي تتراجع شعبيته، و«كريستيان ساينس مونيتور»، وهي الجريدة الأولى لخلط الدين بالسياسة عالميًّا، تتحدث، في المقابل، عن هزائم المعارضة الديمقراطية للأصولية. وأنا، كمعارض لتيار الإسلام السياسي وللأصولية الحاكمة باسمه في مصر، الآن، أقول إن القوة النسبية للطرفين: الأصولي والديمقراطي في مصر، لن تتضح إلا في انتخابات مجلس النواب.

كل تقدم أو تراجع حدث حتى الآن لا يعطي مؤشرًا نهائيًّا.. نعم الدنيا تتغير، لكن في أي اتجاه؟ لم يتضح بعد.. كل ما جرى، حتى الآن، كان تسخينًا للمنافسة الوحيدة التي يعتد بها، المنافسة على مقاعد المجلس التشريعي، وهذه هي التي ستقرر مصائرنا.

المجلس الذي سننتخبه، هو الذي يمكن أن يحول الدستور الحالي إلى وثيقة حكم بالإعدام على الشعب المصري، أو شهادة ميلاد جديدة له.

نصوص الدستور تسمح، في ضوء أغلبية أصولية في البرلمان، بظهور عصابات تقطع الطريق، في الزمالك أو في كفر أبو طشت، وتروع الآمنين، وتدخل البيوت، والمكاتب، والمحلات، والمنتديات؛ للتفتيش، وتبتز الجميع؛ مدعية أنها تفعل ذلك باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي جاهلة بالمعروف وغارقة في المنكر.

نصوص الدستور تسمح، في ظل الأغلبية الأصولية في البرلمان، بأن يتغول البيروقراطيون الجدد باسم الدين، كما تغول بيروقراطيو جمال مبارك وعاطف عبيد وأحمد نظيف باسم شرعية الأمر الواقع؛ ليكرسوا الاحتكار والفساد، وليستكملوا برنامج تحرير الاقتصاد من غير الحساسية الاجتماعية، التي لا غنى عنها لحكومة تريد أن تستقر، ولوطن يريد أن يتداوى من أوجاعه.

ولكن وجود أغلبية ديمقراطية هو الذي يمكن أن يلغي، أو على الأقل يؤجل، ظهور الترويع والابتزاز والاحتكار والفساد، وهو الذي يمكن أن يضيف، ولو بعض مكونات العدالة الاجتماعية، إلى منظومة تحرير الاقتصاد، التي لن يستطيع أحد أن يواصل تأجيلها.

فما هو ميزان القوى بين الطرفين الأصولي والديمقراطي؟ وكيف سيكون تأثير هذه التوازنات على المنافسة المقبلة؟

رغم أنه يصعب التكهن بنتيجة المنافسة البرلمانية من الآن، فأنا أقول: الأصوليون لن يدخلوا هذه المنافسة في موقف أضعف بسبب تراجع شعبيتهم، كما يزعم الديمقراطيون؛ لأن ما كسبه الأصوليون حتى الآن لا يعد أرضية صلبة، يعتمد عليها عاقل في مباراة برلمانية. من صوتوا لصالحهم كانوا يظنون أنهم يصوتون للدين، وليس لعلي ونيس والسيارة في الشارع المظلم، ولا لعصام العريان وتسجيل المكالمات، ولا للبودي جارد الذي يأتي بالسلاح من غزة، ولا لفتوات الإخوان حول الاتحادية، ولا لقرارات رئاسية تصدر وتلغى، ثم تصدر لتؤجل، ثم تصدر لتعدل، ثم تصدر “,”لحد ما نشوف ها نعمل إيه“,”!!

الناس لم تصوت لحكومة هواة، ولا لحكومة فتوات، ولا لمن يرهّبون الشرفاء باتهامات بالتآمر، ولا لنسخ متأسلمة من الاحتكاريين “,”بتوع زمان“,” (هؤلاء موجودون، ولما ربنا يفك سجنهم ممكن يربوا دقونهم مش مشكلة)، وقد لا تكون هذه القضايا ماثلة في استفتاءات على الدستور، يخوضها شعب محروم من الحكم الدستوري منذ فجر الحضارة، أما في انتخابات البرلمان فالأمور سوف توزن، أو يفترض أن توزن، بميزان العقل والمصالح، أكثر مما توزن بميزان الشعارات والكلام “,”العايم“,”.

لهذا انفض من انفض عن الأصوليين، وتغيرت ترتيبات وتحالفات الإخوان والسلفيين، وسوف نرى ما تسفر عنه الانتخابات البرلمانية، لكني أقول للإخوان إن الحذر مع كثير من التيارات السلفية واجب؛ حتى لا ينزل الخطاب السياسي، لجماعة في الحكم، من مستوى إدارة دولة إلى مستوى المهوّشين، الذين يسيطر كل واحد منهم بتهويشاته على قرية أو حي شعبي يسترزق منه.. أنصح الإخوان، لأني أعلم أنهم قادرون، إن تعقَّلوا، على تكييف مصالحهم مع المصلحة العامة.

أما المعارضة الديمقراطية فلا شك أنها حققت انتصارًا تاريخيًّا عندما جمعت كل هذه الأصوات من غير صفقات مع مباحث أمن الدولة أو غيره من الأجهزة.. يا جماعة: أنتم أول معارضة تولد في الشارع من سنة 1918، هذا إنجاز مشرف، لا تصدقوا أن الإخوان كانوا معزولين؛ فمن أيام تحالف اللواء النبوي مع الشيخ عمر التلمساني والنظام يعد التيارات الدينية (وليس بالضرورة الإخوان) لحكم مصر.. أقول النظام ولا أقول السادات أو مبارك، فالطربوش الموضوع على العرش ليس كل شيء كما قد يبدو، وتغيير الطرابيش لا يعني أبدًا تغيير النظام.

في المقابل، فالتيار المستقل الديمقراطي، الذي لا يقوم إلا على عقل ومنطق ومصلحة وطنية عملية، حاربته الدولة المصرية في كل العصور؛ لأنها لا تفهمه، ولهذا فما أنجزتموه عظيم بكل المقاييس، لكن هذا لا ينفي وقوع أخطاء يعلمها الجميع: الخطاب الأيديولوجي، التصعيد غير المحسوب، ثم التشرذم الذي يبدو أنه يقترب من نهايته بظهور جبهة الإنقاذ.

قد يحقق الأصوليون معدلات تسمح لائتلاف يشكلونه بأن تكون له الحكومة، وتبقى مصر كلها لابسة إسدالاً أصوليًّا، وعندها يمكن تنفيذ حكم الإعدام فينا جميعًا، وربما تأتي الانتخابات البرلمانية بقوى ديمقراطية تتحالف وتشكل حكومة ديمقراطية في ظل رئيس أصولي، ويمكن عندئذ لحوار عاقل أن يفرض نفسه.. أيًّا كان الأمر؛ فالمباراة البرلمانية القادمة لا يجب أن تكون مواجهة أو معركة أو أي شيء غير منافسة، مباراة في دوري طويل، اسمه الدوري السياسي المصري، الذي قضينا عامين منه في التسخين.

كفاية تسخين، لأني أشم رائحة “,”شياط“,”، ولنبدأ لعبة المنطق والعقل والمصالح الوطنية العملية.. موعد المباراة يقترب، و“,”الوقت داهمنا“,”- “,”زي ما بيقولوا في قناة الجزيرة“,”.