البوابة نيوز : سيكولوجيا المهرج العارف فذلكة (طباعة)
سيكولوجيا المهرج العارف فذلكة
آخر تحديث: السبت 12/01/2019 08:44 م
فيصل الأحمر فيصل الأحمر
هنالك شعور دائم بأن الحاضر أقل وهجا من الماضي، وبأن ما سوف يأتى ليس بقدر جمال ما قد مضى ولا أهميته. لا أحد يستطيع تحديد النقطة التى تدفعنا صوب شعور كهذا. يكتفى «جان بول سارتر» بالنظر إلى تاريخ الفكر البشرى والقول: «نحن لسنا أهلا لكل هؤلاء الأسلاف». موقف نهائى تعميمي. الغالب أنه لا يعول عليه. بقدر ما لا يعول على يسارية سارتر التى أفضت به على كثير من الأخطاء التى أشار إليها مرارا فى أحاديثه، غريمه الوفى «ريمون آرون» قائلا: «كل ما قلته اتضحت صحته وكل ما قاله سارتر اتضح خطؤه».. ولكن الجمهور الطلابى فى باريس صرخ فى وجهه بشكل قاتل: «نفضل أن نكون على خطأ مع سارتر على أن نكون على صواب معك!!».
هل تعتز كل مرحلة بأخطائها أيضا؟.. يبدو ذلك. الخطأ أيضا يصبح جزءا من التجارب التى نحتفى بها. ونقفز بسرعة على رغبة المراجعة صوب رغبة التعظيم والإكبار. نزعة تنسينا الحلم القديم المسمى «الحكمة» المتعالية المطلقة، لكى نعوضها بفكرة أقل ثقلا على قلوبنا. وبسرعة كبيرة نقول: «لا علينا...لكل مرحلة ابستيماتها ودوكساتها...لا قلق ولا حرج علينا!».
تنويعات
زمننا مولع بالمرور السريع على الأشياء. الإنسانية نفسها تعمل على تحقيق حلم «جاك أطالي» بما يسميه «البشرية المرتحلة» أو ربما «بشرية الشتات».. وقد يحسن أن نستعير صورة البئر والسحابة للتعبير عن هذا المعنى. فبعدما كنا إنسانية الآبار التى تحفر بحثا عن ماء فى أعماق الأرض تبلغه بعد عنت (حفر- بحث- عمق- بلوغ.. كلها كلمات تحيل على رؤية صوب العالم وليس على صورة بلاغية تيمم بأطراف الفلسفة)... صرنا إنسانية السحاب التى تتهاطل عليها مياه المعانى من السماء دون أن تطرح كثيرا من الأسئلة.. إنسانية غير ملتزمة بأى شيء. بنت لحظتها التى لا تفكر فى غدها. التاريخ والمستقبل بالنسبة إليها معطيات مبهمة ومفاهيم ميتافيزيقية.
فى مسار ما نحن بصدده كان الدين هو الضحية الأولى. الدين يفرض الالتزام ولا يتحول عنه كثيرا. ثابت مثل البئر يتفرج على السحاب تحركه رياح التغيير (يا له من تعبير جميل!)...
ولسائل أن يسأل فلسفيًا: ما الالتزام؟.. سيجيبه أى مهتم بالفلسفة مثلي: «هو مهام ملحقة بالموضوع (الأدب الملتزم/ الالتزام الاجتماعى أو السياسي) لكى يتعين بعيدا عن أدبيات تعلمناها فى المدارس بأن الالتزام مسألة حياة أو موت.. مسألة مصير!
ولكننا فى إطار ما يحلم به جاك أطالى نبحث عن التزام مخفف. التزام light... مثل الأطعمة المتخففة من الدهون ومثل السجائر المتخففة من النيكوتين أو المشروبات المتخففة من السكريات... حياة كلها لايت...
يأتى الكاتب الذى ورث بلاغة القدماء وورث الحس المأساوى بالعالم معتقدا بضرورة إشاعة وعى ما ببلاغة تستعيد ثقل الأشياء التى حكم عليها ميلان كونديرا بالخفة التى لا تطاق. وكان حكمه نهائيا غير قابل للطعن. يتساءل صديقنا الكاتب «الجاد» (ويا لها من كلمة ثقيلة على المعدة المتعودة على كل ما هو light)... يتساءل عن موقع الكتابة، فيفاجأ بأن الإجابات كلها تدور حول المتعة والتسلية... قارئ اليوم يبحث عن حياة بلا ذاكرة، عن بهجة الهشاشة، ولذة العابر، كل شيء سحابة عابرة... من الأحسن لها أن تمطر مطرا خفيفا يصلح لتصوير فلم إشهارى أو فلم تصويرى لأغنية ولا يهم أن يكفى لسقاية الأرض والمواشي. الماء مسألة سياسية لم يعد مسألة مرتبطة بالسماء!
الواقع هو أن الحياة أفقية وغير معنية بشيء عدا الاستمرار الأفقى على سطوح ناصعة عبر مسارات معدة سلفا.
السؤال الذى يتبادر إلى الذهن: هل يكون الموت بهذا الشكل عموديا؟
من أجمل المفاهيم التى تلخص هذا الزمن مفهوم «الشعور الفلسفي» الذى اجترحه «جيل دولوز» بديلا عن «الوعى الفلسفي»... حتى الفلسفة التى هى «أم العلوم» لم تعد تطمع فى الإنجاب. تريد أمومة متخففة. تتماشى مع زمن السحاب والرحالة... ولن يتساءل أحد عما سيخرج آنذاك من «الأرحام الاصطناعية» للفلسفة..
الشعور الفلسفى هو تفكير غير ملتزم بثمار. شيء يشبه شجرة الزينة التى تعوض الأشجار المثمرة. سيسأل صديقنا الأديب صديقه الفيلسوف: ولكن كيف نأكل إذا غرسنا أشجارا للزينة؟
وسيجيبه الفيلسوف المتعود على العقل التهكمى كما يسميه «بيتر سلوتردايك»: عالم اليوم يأكل من محلات السوبر ماركت. الصناعى هو الذى يطعم الناس اليوم، أما الفلاح فلا أحد يريد أن يراه ولا واحد يتمنى أن يكونه. الفلاح رمز البقاء فى الأرض. وهذه آفة زمننا.
يقف بعد ذلك صديقانا المتحاوران متأملين الكارثة.
متى بدأ كل هذا؟
سيجيب بيتر سلوتردايك: يوم أن زار سارتر هايديغير فى بيته، وكان متحمسا جدا لهذا العقل الكبير الذى ملأ الدنيا وشغل الناس، ثم عاد خائبا بعدما رمى باقة الورود التى أهداها إياه أهل هايديغير فى محطة القطار. وعلق فى مقهى الفلور الباريسى مع أصدقائه: قابلت فلاحا ولم أقابل فيلسوفا...
بعد قرابة عشرين سنة من هذه الحادثة سيقف سارتر على دبابة تذرع شوارع باريس فى إطار احتجاجات الطلبة ومظاهرات ١٩٦٨، فيما يكون هايديغير بصدد العمل على التأويل. الدبابة تمر مر السحاب ولن يكون سارتر يومها على حق – كعادته –... أما التأويل فيشبه البحث فى جذور النباتات التى يعمل الفلاح عليها...
خلاصة القول
يؤرقنى السؤال دوما حول ما كان يسكن ذهن شوبنهاور وهو يتحدث منتصف الطريق بين الفنان والفيلسوف، أو بين العالم والفنان/ الأديب...كان يتحدث عن المهرج العارف. ماذا يحدث للمهرج حينما يحصل المعرفة؟ هل يواصل إضحاك الناس فى مسرح الحقيقة؟ أم أنه يكون قد تعود على المسرح أو الحلبة وأنه حبيس منطق الضحك؟ وهل للمعرفة نظام قد يتقاطع مع نظام التهريج؟ والسؤال المكمل لهذا هو: كيف يخاطب الجمهور المطالب بالمتعة والضحك ذلك العالم أو الأديب المحمل بالوعى بالأشياء؟ الفيلسوف فى الرؤيتين الإغريقية والنيتشوية كائن يأتى من الموت ويتجه صوب الموت. ووحدها الفترة ما بعد الحداثية وجدت طريقة للضحك والفرفشة فى الإطار الفلسفي، ولهذا وصف نوام تشومسكى الفيلسوف اليسارى الاستعراضى سلافوى جيجك بأنه «مهرج لا يخلو من أهمية». وهنا نكون قد دخلنا باب تأويل فعل التهريج.
أما فتغنشتاين فيراها مسألة وجهة «نظر» لغوية فحسب (أى تأويلية بالضرورة،) فهو يقول بكل ثقة بأننا مادمنا نسير الشأن اللغوى فنحن متحكمون فى زمام الأمور، ولا خوف علينا. ولعله ذلك ما كان يقصده بقوله «يبدأ عنت الفلسفة حينما تخلد اللغة إلى الراحة».
يمكننا أن نقول فى الخلاصة بأن عالمنا يحتاج إلى التأويل أكثر من حاجته إلى شعارات ترفع عاليا كحال السحب. ولهذا سيكون البقاء لهايديغير لا لسارتر، على أمل ألا يأتى جاك أطالى (أو صديقه برنار هنرى ليفي) ليقول: ولكننا نفضل أن نكون على خطأ مع سارتر على أن نكون على صواب مع هايديغير.