البوابة نيوز : من «الإسلامبوليات» (طباعة)
من «الإسلامبوليات»
آخر تحديث: الإثنين 10/09/2018 09:16 م
رشا يحيى رشا يحيى
يقول أدولف هتلر: «من لا يتعلم من الماضي لن يرحمه المستقبل».. وهى حقيقة نلمسها كل يوم، ليس فقط فى الأحداث السياسية وما يترتب عليها من متغيرات مجتمعية، وإنما فى التجارب الفردية والأحداث اليومية التى نعيشها أيضًا.. ذلك نردد كثيرًا مقولة: «التاريخ يعيد نفسه».. لأننا كبشر نصر على تكرار نفس الأخطاء، ولا نتعلم من تجارب الآخرين.. وكأننا نظن أننا بمنأى عما قرأناه وسمعناه، حتى نفاجأ بتكرار نفس المصير.. وما أعظم الوجع وأقساه حين يتعلق بالصحة التى هى على رأس النعم التى يهبها الله للبشر، والتى لا نشعر بقيمتها إلا حين نبتلى بفقدها، أو حتى لمجرد اعتلال مؤقت لا نقوى على احتماله - عافانا الله جميعًا -..وقد قرأت منذ أيام قليلة كلمات قيمة، من واقع خبرة موجعة مرت بأحد كبار رجال القانون، وهو المستشار/كمال الإسلامبولي المحامي الشهير، والذى اختبره الله بمحنة «مرض السرطان»، والذي مازال يصارعه بقوة وابتسامة وخفة ظل.. ولكنه أصر أن يقدم خبرته حتى يستفيد منها الجميع.. فكتب على صفحته على الفيسبوك بعنوان «تجربتى مع التدخين والسرطان.. للعظة» ما يلى: «إلى عشاق التدخين..أعلم أن له لذة ومتعة ولكنه ليس إدمانًا.. الإدمان فى الإصبعين اللذين اعتادا الإمساك بالسيجارة.. كنت مدخنًا شرهًا دخنت لمدة ستة وأربعين عامًا.. ووصلت إلى درجة تدخين ثمانى علب سجائر فى اليوم.. كنت أأخر نومى لأستمتع بأكبر قدر من التدخين.. وإذا نمت أقطع نومى وأستيقظ فأدخن عدة سجائر ثم أواصل.. وحين أستيقظ أول شيء هو التسخين بسبع أو ثماني سجائر حتى أستطيع أن أفتح عيني..أحرقت الكثير من المراتب والأغطية والملاءات بسبب سقوط السيجارة من يدي إن غلبني النعاس ثواني.. ولولا ستر الله لأحرقت نفسى ومنزلي..باختصار أوصف للمدخنين الحالة أنك مهما كنت مدخنًا فلن تكون مدخنًا هذه الفترة الزمنية.. ٤٦ سنة.. ولن تصل إلى مرحلة ٨ علب سجائر فى اليوم.. وأحيانًا أكثر... نعم صدق... ومع ذلك فى دقيقة واحدة أقلعت عن التدخين، حين علمت بأنى مريض بالسرطان وأنى مصاب به فى مكان يحتاج إلى معجزة للعلاج... وأن العمليات بالنسبة لى دقيقة وخطيرة وغير جائزة فى الفترة الأولى، وطبعًا أخذت الخبر وش من الأطباء فى ألمانيا..فجلست خارج المستشفى على أريكة.. وأصابنى الحزن الشديد.. والجو رأيته حزينًا.. تحت قدمى ثلوج... وأمامى غابة عبارة عن أشجار وأفرع حطب بلا خضار... فالمنظر يعطيك أجواء النعى والرحيل... وكانت كل كلماتى حسبى الله ونعم الوكيل إنا لله وإنا إليه راجعون... «والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا اليه راجعون»... وكلمات أنى راض يارب بقضائك وبأكثر منه، وإن كان ذلك رضا فزدنى منه.. مع أنى لا أقوى عليه لكن رضاك فوق مقدرتي.. وبعد حوالى ساعة.. من هذا.. وبعد أن سجلت هذه اللحظة بصورتين غاية فى التعبير.. أعود إليهما من وقت لآخر.. استفقت من حالة الاستغراق... ووجدتنى قد شربت كمًا هائلًا من السجائر... ثم نفضت عن نفسى الحزن بعد أن وجدتنى أبكى ودموعي تنهمر على وجهي.. لأنى تخيلت أنى مقبل على رحلة شاقة... من العلاج والألم والمرض.. فى هذا الوقت كان الأطباء يعطونى مورفين أقراص من شدة الألم.. بخلاف كوكتيل من الأقراص المسكنة للألم..١٧ قرصًا فى الصباح.. ومثلها فى المساء، من أنواع متعددة من المسكنات، بخلاف المورفين.. كانت تعليمات الألمان قرص واحد فى اليوم.. وعند الضرورة القصوى قرصين... كنت أزيدها لثلاثة.. وأقوم من الألم أخبط رأسى فى الحائط.. الألم فى صدرى وفى ظهرى وتحت إبطي... يارب سامحنى أنى أحكي.. فأنا لا أشكو للبشر حاشا لله.. فذاتك العليا تعلم ما فى نفسي.. إنما أنا أريد أن أفيد الناس بالتجربة للعظة.. والتدبر....والوقاية.. المهم..ظللت هكذا... حتى تحدد يوم أخذ عينة من الورم بالدخول لمكانه.. فى الرئة عند فقرة صدرية لصيقًا بالحبل الشوكى ضاغطًا على مجموعة أعصاب تخرج من بين فقرتين، وهذا سبب الألم.. بخلاف التسميع بقطعتين ليمفويتين.. أعلى بالقرب من الرقبة بالداخل.. خلوا بالكم....أحيانًا كنت أزعل جدًا.. إن ابتسامتى التى هى جزء من طبيعتى وأنا طفل..كانت تختفى غصب عني.. ليحل محلها تعبيرات الوجه المتألم.. وأقول ما ذنب الناس أن لا نضحك فى وجوههم.. كما أقول الآن استحملونى فى العرض لأني.. أريد لكم به الخير... فى هذا اليوم وكان قد مر حوالى عشرة أيام على معرفتى بخبر مرضى بالسرطان.. أخذت قرارًا بعدم التدخين... فكان الموعد الساعة الرابعة ويجب أن أصوم من العاشرة صباحًا.. حتى موعد العينة.. وكانت آخر سيجارة العاشرة صباحًا ٢٨ فبراير..٢٠١٧.. أى أنى الآن سنة ونصف السنة مقلع عن التدخين... أصبحت أكرهه لا أطيقه أختنق منه...وقال لى الأطباء إنه بعد الإقلاع بخمس سنوات تعود الرئة كأنك مولود بها توًا.. تعود متعافية متجددة من الإقلاع عن التدخين... خلاصة القول..بطل بمزاجك وأنت بصحتك... قبل ما يفرض عليك بمرض لا قدر الله..أنا لم أسهب فى عذاب المرض، ولم أسهب فى عذاب العلاج.. نعم إن العلاج إشعاعى أو كيماوى معذب.. نعم العلاج معذب ومرض السرطان زملائى يعلمون ويحسون بما أقول... لماذا تدخل هذه الدائرة.. أقلع حتى لو نمت فى البيت أسبوعين.. مدروخ وتعبان... أحيانًا بقول ماكانش ممكن أن أقلع عن التدخين إلا بمصيبة كبيرة مثل السرطان.. على رأى واحد خفيف الظل.. فى عز حروبنا مع إسرائيل.. وسقوط عشرات الآلاف من الشهداء على مدار الصراع.. فكان يجلس معنا ويقول «إسرائيل دى مش هاتخلص إلا بقتيل».
بهذه الكلمات الصادقة والنصائح المخلصة انتهت مقالته التى أردت نشرها على نطاق أوسع، علنا نتعظ جميعًا.. ونتمنى له الانتصار على هذا الداء اللعين.