البوابة نيوز : "نورد ستريم 2".. حرب الغاز تشتعل في أمريكا وأوروبا.. 5 شركات أوروبية و"غازبروم" الروسية وراء أزمة الطاقة.. والمصالح الأمريكية سبب رفض المشروع (طباعة)
"نورد ستريم 2".. حرب الغاز تشتعل في أمريكا وأوروبا.. 5 شركات أوروبية و"غازبروم" الروسية وراء أزمة الطاقة.. والمصالح الأمريكية سبب رفض المشروع
آخر تحديث: الثلاثاء 04/09/2018 08:45 م كتب - محمد عمر
حرب الغاز تشتعل فى
حرب الغاز تشتعل فى أمريكا وأوروبا
جددت الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض حلفائها الأوربيين انتقاد مشروع «نورد ستريم ٢» (مشروع خط أنابيب السيل الشمالى الثاني) لنقل الغاز بين روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق دون المرور بأوكرانيا، بسبب النزاع القائم بين البلدين منذ عام ٢٠١٤، واعتبر مستشار الأمن القومى الأمريكى جون بولتون يوم ٢٤ أغسطس ٢٠١٨، أن هذا المشروع يعتبر «ارتهان أوروبى للغاز الروسي»، إلا أن برلين ما زالت مصرة على استكمال المشروع رغم العقوبات الأمريكية الأوروبية المفروضة على روسيا على خلفية الأزمة الأوكرانية والتدخل فى الشأن الأوروبي، فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رفضت وقف المشروع، مفضلة تحقيق مصلحة بلادها على اتباع الموقف الأوروبى الصارم ضد موسكو، وهو ما يهدد بتحولات أمنية واستراتيجية مستقبلًا.
نورد ستريم 2.. حرب
نورد ستريم ٢
تعتبر ألمانيا من أكثر الدول استيرادًا للغاز الطبيعى وتعتمد بشكل أساسي، على تلبية احتياجاتها من روسيا، ففى تقرير لمكتب إحصاءات التجارة الألمانى «بافا»، كشف عن ارتفاع حجم واردات ألمانيا من الغاز الطبيعى فى الأشهر الأربعة الأولى لعام ٢٠١٨ بنسبة ١٢.٨٪ مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وبلغت قيمة فاتورة الاستيراد فى هذه الأشهر الأربعة فقط ٩.٥ مليار يورو، بينما بلغت فى الفترة ذاتها من العام الماضى ٧.٨ مليار يورو قبل عام.
ورغم الخلافات الحادة بين الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة من جهة وروسيا من جهة أخرى، إلا أن القارة الأوروبية لم تستطع وقف استيرادها للغاز الروسي، فقد كشف أليكسى ميلر رئيس شركة «غازبروم» الروسية عن ارتفاع صادرات روسيا من الغاز إلى أوروبا بنسبة ٨.١٪ محققة ١٩٣.٩ مليار متر مكعب فى ٢٠١٧، وزادت حصة ألمانيا من الغاز الروسى خلال الفترة ذاتها بنسبة ٧.١٪ محققة ٥٣.٤ مليار متر مكعب.
تعتبر أنجيلا ميركل أن مشروع «نورد ستريم ٢» مع روسيا، هو مجرد شراكة اقتصادية ولا يحمل أية أبعاد سياسية، وذلك للتخفيف من حد الرفض الأمريكى الأوروبى للمشروع، بخلاف إثارة غضب بعض التيارات السياسية بالداخل، فالأمر لن يقف عند هذا الحد.
وتقوم فكرة المشروع على مد أنبوب لنقل الغاز بشكل مباشر من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، بجانب خط «نورد ستريم ١» الذى تستفيد منه أوكرانيا بالحصول على حوالى مليارى دولار نظير عبور الغاز الروسى من أراضيها إلى أوروبا، لكن عقب الخلاف الذى وقع مع موسكو بعد أزمة جزيرة القرم ودعم فلاديمير بوتين للانفصاليين فى أوكرانيا، لجأت موسكو إلى بديل حتى لا تكون رهينة لضغط من كبيف وحلفائها.
ومن المقرر أن يشارك فى هذا المشروع مجموعة شركات عالمية على رأسهم «غازبروم» الروسية التى تمتلك ٥٠٪ من المشروع، و«كونسورتيوم» مكوّن من ٥ شركات طاقة أوروبية تحتفظ بالــ٥٠٪ المتبقية منه بواقع ١٠٪ لكل منها، حيث يمتد خط الأنابيب من روسيا إلى ألمانيا بطول يصل إلى ١٢٠٠ كم عبر بحر البلطيق بتكلفة إجمالية ٩.٥ مليار يورو، ومن المقرر الانتهاء منه أواخر عام ٢٠١٩، لأن عقد نقل الغاز الروسى إلى الاتحاد الأوروبى عبر أوكرانيا ينتهى فى ٢٠١٩، ولهذا تتخوف موسكو من لجوء كييف للضغط عليها واستغلال الأمر سياسيًا وأمنيًا فى خلافهما.
وبخلاف اعتبار ألمانيا أن هذا المشروع سيحقق مكاسب اقتصادية لها، تخطط لأن تكون معبرا لتصدير الغاز الروسى لأوروبا، معولة على ارتفاع الطلب المستقبلي، فتكلفة الاستيراد سواء من دول الشرق الأوسط أو الولايات المتحدة مرتفعة مقارنة بالغاز الروسي، ولهذا التقت ميركل ببوتين أكثر من مرة وفى فترات متقاربة لإتمام المشروع الذى بدأ العمل فيه بالفعل فى يناير ٢٠١٨، ففى مايو الماضى التقى الطرفان فى منتجع سوتشى بروسيا من أجل الإصرار على تنفيذه، وعقب العقوبات الأخيرة التى أقرها ترامب واستهدفت الشركات الروسية المشاركة بالمشروع التقا الطرفان مجددا فى أغسطس ٢٠١٨ فى برلين، ليجددا تمسكهما بالمشروع، رغم الانتقادات المتصاعدة. وسبق أن أدان وزير الخارجية الألمانى السابق زيغمار غابريل والمستشار النمساوى كريستيان كيرن تبنى مجلس الشيوخ الأمريكى فى يونيو ٢٠١٧ مشروع قانون بتوسيع العقوبات الأمريكية ضد روسيا، وشمل القانون الشركات الأوروبية التى تشارك فى مشروعات الغاز الطبيعى مع روسيا، ومنها «نورد ستريم ٢»، واعتبر الطرفان أن الولايات المتحدة تريد تحقيق «مصالحها الاقتصادية من خلال الضغط المتعمد على الشركات الأوروبية وتهديدها»، وهو ما يمثل نقلة جديدة فى العلاقات بين أوروبا وواشنطن.
نورد ستريم 2.. حرب
دوافع الغضب الأمريكى
لا يقف الغضب الأمريكى المتزايد على علاقة ألمانيا بروسيا فى مجال الطاقة على الأبعاد السياسية فقط وإنما تقف وراءه مصالح اقتصادية يقودها ترامب، فالولايات المتحدة تريد تصدير غازها الصخرى إلى أوروبا، وليس روسيا، التى تعتبرها خطرًا على الأمن الأمريكى والأوروبي، وقد انتقد ترامب حلفاءه الأوروبيين المشاركين فى المشروع علانية، ورأى أن هذا يمنح موسكو الفرصة للسيطرة على أوروبا بشكل عام وبرلين بشكل خاص.
ومنذ أن جاء ترامب إلى البيت الأبيض تبنى مبدأ «أمريكا أولا»، ويهدف فقط لتحقيق المصالح الأمريكية، وجزء منها قطاع الطاقة حيث يستهدف تطوير الطاقة المحلية خاصة الغاز الصخرى بما يسمح بتوسيع النفوذ الأمريكى فى سوق الغاز العالمي، فسبق أن قدرت وكالة الطاقة الدولية أن تصبح الولايات المتحدة ثانى أكبر مصدر للغاز الطبيعى المسال بحلول عام ٢٠٢٢، وتستهدف بالأساس حلفاءها الأوروبيين، زبائن روسيا، التى تريد إضعاف نفوذها السياسى والعسكرى وليس فقط حرمانها من أهم مواردها الاقتصادية وهى النفط.
فعلى المستوى الاستراتيجى إذا تم مشروع السيل الجنوبى مع ألمانيا ستفقد أوكرانيا ودول البلطيق أهميتها بالنسبة لموسكو ويضعف موقف واشنطن التى كانت تستغل هذه الدول فى الضغط على روسيا، وبخلاف ذلك من شأن هذا المشروع أن يقسم أوروبا والسيطرة عليها من خلال الطاقة فجزء مؤيد للمشروع وآخر معارض له، وهو ما سوف تستغله موسكو لإثارة الشقاق بين أبناء القارة، بجانب انتهاز فرصة الرسوم الجمركية التى أقرها ترامب على الصادرات الأوروبية، وهو ما يجعلها تبحث عن مصالحها الاقتصادية كما يفعل رجل البيت الأبيض. وبخلاف استهداف ترامب لعلاقات الطاقة بين أوروبا وروسيا، وموقفها من النفط الإيراني، عبر العقوبات الأخيرة التى أقرها على طهران عقب انسحابه من الاتفاق النووي، مهددا أى شركات أجنبية تعمل فى إيران من فرض العقوبات عليها، وهو ما دفع بالفعل العديد من الشركات الأوروبية إلى الانسحاب سريعًا، من بينها شركة توتال الفرنسية وشركات بريطانية وأخرى ألمانية، خوفًا من ترامب، رغم إقرار الاتحاد الأوروبى قرارات تحصن هذه الشركات، إلا أنها لم تغامر بخسارة مصالحها واستثماراتها فى الولايات المتحدة من أجل السوق الإيراني.
أيضا رأت إدارة ترامب أنه فى الوقت الذى تقوم فيه واشنطن بحماية أوروبا من روسيا وتحمل أعباء الدفاع فى حلف شمال الأطلنطى «ناتو»، تهرول لموسكو وتدعمها بالأموال التى يجب أن تذهب إلى من يحميها، وفى محاولة من إدارة ترامب لنفى تهمة أنها تستهدف روسيا من أجل مصالحها الاقتصادية فقط، دعا جون بولتون مستشار ترامب أوروبا إلى اللجوء لمصادر بديلة للغاز الطبيعى من بينها حقول الغاز الموجودة فى منطقة شرق المتوسط، فى مصر ودولة الاحتلال الإسرائيلي.
نورد ستريم 2.. حرب
الأمن الأوروبى 
لن يقف خطر التعاون الألمانى المتزايد مع روسيا على خسارة بعض الدول مزايا اقتصادية فقط مثل أوكرانيا، وإنما سيمثل إسفينًا بين الدول الأوروبية، فمن ناحية انضمت برلين إلى أوروبا وواشنطن بشأن بعض العقوبات التى استهدفت موسكو سواء نتيجة تدخلها فى أوكرانيا وضم القرم أو التدخل فى الشأن الأوروبي، ومن ناحية أخرى تدخل معها ليس فى علاقة اقتصادية وإنما شراكة استراتيجية، ستحدد شكل التحالفات داخل القارة، وإعادة تقييم العلاقات مع واشنطن خاصة بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ومن بين الخلافات الأوروبية مع ألمانيا، طرح الحكومة الدنماركية مشروع قانون يعرقل بناء خط أنابيب الغاز «التيار الشمالى ٢» من روسيا إلى ألمانيا عبر البلطيق، وينص على رفض مرور الأنبوب عبر المياه الإقليمية للمملكة بزعم تهديد مصالح الدنمارك السياسية وأمنها، بجانب اعتراض أوكرانيا ودول البلطيق التى التقى قادتها بترامب من أجل التعاون سويا فى وقف هذا المشروع الذى سيضرهم أمنيًا وسياسيًا قبل أن يؤثر عليهم اقتصاديًا. وبالفعل زادت ألمانيا من حدة الدعاوى التى تطالب بإعادة النظر فى التحالف الأوروبى مع واشنطن، فهى الآن من تتزعم عبء الاتحاد الأوروبى بشكل كبير بعد خروج بريطانيا من التكتل، وترى أن ترامب يريد تحقيق مصالحه الاقتصادية والأمنية على حساب القارة، فقد دعا وزير الخارجية الألمانى هايكو ماس إلى تقديم استراتيجية جديدة للعلاقات بين بلاده والولايات المتحدة، بل طالب بإعادة «تقييم الشراكة الأطلسية بتبصر وبصورة انتقادية، وحتى بصورة انتقادية ذاتية». واعتبر أن الولايات المتحدة وأوروبا تبتعدان عن بعضهما البعض منذ سنوات عديدة، فهناك حالة من اختفاء المصالح والقيم المشتركة للجانبين، وعبرت عن هذا الأمر من قبل المستشارة أنجيلا ميركل، وكذلك الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، وغيرهم من قادة الاتحاد الذين طالبوا بتشكيل جيش أوروبى موحد سيكون بديلا للناتو، وهو ما يعنى عمليا نهاية التحالف الاستراتيجى مع واشنطن وإضعاف دورها فى القارة الأوروبية، ويصاحب هذه الدعوات العسكرية والأمنية تحركات وسياسات اقتصادية جديدة من ضمنها توسيع دائرة الشركاء الاقتصاديين حتى وإن كانت هناك خلافات مثل روسيا والصين.
نورد ستريم 2.. حرب
الحسم
يمكن القول إن ألمانيا، باقترابها من روسيا فى مسألة الطاقة بسرعة دون حسم قضايا جوهرية سيعمق من حالة الخلاف الأمريكى الأوروبي، وداخل الاتحاد الأوروبى ذاته، فالتدخلات الروسية فى الشأن الأوروبى لم تنته، وكذلك أزمة القرم وأوكرنيا ما زالت قائمة، وهى أزمات تشكل تحديا وجوديا لبعض الدول الأوروبية المجاورة لروسيا، ويمكن لموسكو من خلال ورقة الغاز إحداث خلخلة فى التحالفات الأطلسية. وسبق أن وضع الاتحاد الأوروبى استراتيجية لتقليل الاعتماد على واردات الطاقة من روسيا، واللجوء لبدائل أخرى سواء من منطقة شرق المتوسط أو واشنطن، بجانب تعزيز التقدم فى الطاقة المتجددة، إلا أن هذا يسير بخطى بطيئة وهو ما سوف تستغله موسكو، مقابل تهور إدارة ترامب التى ستعمق من الخلاف الأوروبي، فهل ستضحى برلين بمصالح اقتصادية آنية على حساب الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن والتحالفات الأوروبية.