البوابة نيوز : ريشار لابيفير يكتب: التحولات التنظيمية والجغرافية لما بعد "داعش"! (طباعة)
ريشار لابيفير يكتب: التحولات التنظيمية والجغرافية لما بعد "داعش"!
آخر تحديث: الخميس 28/06/2018 09:40 م
ريشار لابيفير يكتب:
«ظاهرة التمويه» لتشكيل وحدات قتالية جديدة مع تغيير أسمائها ورعاتها 
عناصر داعشية تنضم للوحدات الكردية التابعة للقوات الديمقراطية السورية بمباركة من القوات الأمريكية
إعادة توطين «داعش» فى أوروبا بداية لإعادة تشكيل استراتيجية الإخوان
أسامة بن لادن وأيمن الظواهرى وأبو مصعب الزرقاوى والبغدادى خرجوا من رحم الإرهابية
لقد صاح بالنصر العديد من القادة العسكريين والسياسيين فى التحالف الغربى ضد الدولة الإسلامية فى العراق وسوريا: لقد هزم داعش! وهزم بالفعل! هذه التصريحات نجدها واضحة فى عبارات الشعار القائل: «المهمة أنجزت»، والذى تم وضعه على حاملة الطائرات الأمريكية «أبراهام لينكولن» بمناسبة كلمة «جورج بوش» الأب التى ألقاها فى غرة مايو ٢٠٠٣م. وهذا الخطاب الذى ألقاه الرئيس الأمريكى كان يشير إلى نهاية القتال التقليدى فى العملية التى أطلق عليها «حرية العراق» التى تستهدف الإطاحة بصدام حسين. كان هذا الأخير متهما بحيازة أسلحة دمار شامل وبنسج علاقات عملية مع تنظيم القاعدة تحت قيادة أسامة بن لادن. ونحن نعرف الباقي.
وقال ريشار لابيفير عضو مجلس أمناء مركز دراسات الشرق الأوسط بباريس مع ذلك وفى نفس هذا الخطاب، حدد «جورج بوش» أن «الحرب ضد الإرهاب لم تنته»، ونعرف هنا أيضًا النتيجة الكارثية الأخرى لذلك، ألا وهى الكذبة التى لا نهاية لها.. وبعد خمسة عشر عامًا، فإنه يُخشى أن تكرر القوى الغربية نفس الأخطاء المؤدية- بنفس الطريقة- إلى تفاقم الشر الذى كان من المفترض أن تقوم بمقاومته. وبالطبع، فإن تفكيك القواعد الإقليمية لداعش لا يعنى بالتأكيد نهاية هذا التنظيم الإرهابى أو نهاية إرهاب الإسلاميين.
أول سوء فهم نجده، يتعلق بمصطلح «الحرب ضد الإرهاب» أو «الحرب ضد الذعر»، ليست هناك حاجة لإعادة قراءة «كارل فون كلوزفيتز» (‪Carl von Clausewitz‬) لمعرفة مبدأ حربى مهم، وهو: أنك لا تزال تحارب العدو المعروف لديك فى الزمان والمكان. فالإرهاب- لأنه متدفق؛ فما هو إلا نوع من الحرب غير التقليدية يشنها الضعيف على القوى ولا تستطيع الأمم المتحدة إعطاء تعريف عالمى له. والتعريف المعترف به منذ أكثر من ثلاثين سنة لا يتناسب مع هذا العدو الذى يمكن تعريفه قبل محاربته فى المعركة، وبعبارة أخرى، لا يمكن محاربة الإرهاب ولا الذعر، لأن العبارة نفسها غير منطقية تماما، سواء على المستوى اللغوى أو على المستوى العَمَلي. «الحرب ضد الإرهاب» هى عبارة أيديولوجية قد تم استخدامها لتبرير العودة إلى الحروب تحت ستار التدخل من أجل الإنسانية، أى «الحروب الإمبراطورية العالمية» على حد قول «آلان جوكس» (‪Alain Joxe‬)، وذلك بهدف فرض إعادة تشكيل المصالح الغربية فى الشرق الأوسط والأدني.
إذًا، لقد هزم داعش! عملية ناجحة! ويجب هنا التطرق لسوء فهم ثانٍ وشرحه: ألا وهو مفهوم الإقليمية؛ لقد استولت جحافل تنظيم «الدولة الإسلامية» على الموصل- ثانى المدن العراقية- فى ٩ يونيو ٢٠١٤م وأعلنت الخلافة فى ٢٤ يونيو من نفس الشهر، ومن خلال الاعتراف بالسيطرة على منطقة عابرة للحدود- فى العراق وسوريا– كان لداعش ثلاثة أهداف من ذلك:
١. التشكيك فى الحدود الناتجة عن اتفاقيات «سايكس بيكو» (‪Sykes-Picot‬) المبرمة فى ١٦ مايو ١٩١٦م، والتى تم– بموجبها- استقطاع المناطق التى تقع تحت التفويض الفرنسى والبريطانى من أجل تبرير إعادة رسم الخرائط للخاصة بالدول الجديدة فى الشرق الأدنى والشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى.
٢. تأسيس نموذج لدولة تقوم على أرض وحدود وحكومة ويكون لها إدارة وميزانية وعملة وعَلَم.
٣. تجسيد شرعية الجهاد «القريب» وشرعيته أيضا على الأراضى ضد الادعاءات العالمية لـ«قاعدة» أسامة بن لادن، والتى تبنت نوعا من الجهاد الذى استهدف العدو البعيد ليلم شمل الأمة، أو المجتمع الشامل لكل المؤمنين.

إعادة الانتشار الإقليميى
وبمجرد أن هُزم عسكريًا داخل حدوده المزعومة، استمر تنظيم داعش الإرهابى فى القتال من معاقل ثانوية فى شمال شرق سوريا- على طول الحدود العراقية- وخاصة فى منطقة «دير الزور».
وشهدت مناطق أخرى مثل «إدلب» (فى الشمال الغربي) وضواحى «حِمص» و«حماس»، «ظاهرة التمويه» التى اتبعها داعش بتشكيل وحدات قتالية جديدة مع تغيير أسمائها ورعاتها؛ كما شهدنا «ظاهرة أخرى متعلقة بالمرتزقة»، والتى نرى من خلالها أن بعضا من عناصر داعش الذين قاموا بالمذابح، ينضمون إلى الوحدات الكردية التابعة للقوات الديمقراطية السورية بمباركة من رجال القوات الخاصة الأمريكية.
وهذه ليست هى المحاولات الأولى لهذه القوات، دعونا لا نذكر هنا عملية الإنزال الأمريكى فى يوليو ١٩٤٣م فى صقلية، أو إعادة تدريب وهيكلة الضباط النازيين- مثل «كلاوس باربي»- فى القوات الخاصة الأمريكية، والتى تم وضعها فى خدمة الديكتاتوريات فى أمريكا الجنوبية فى السنوات ١٩٧٠م/١٩٨٠م. يجب أن نتذكر كيف شكلت وزارة الدفاع الأمريكية وحدات جيش تحرير كوسوفو من خلال تجنيد عدد من الإرهابيين ومجرمى الحرب الألبان المتورطين فى تجارة السلاح وتهريب المخدرات والأعضاء البشرية.
الحقيقة هى أنه فى سوريا اليوم تقوم القوات الخاصة الأمريكية بإعادة تأهيل مجرمى داعش من خلال إسنادهم إلى وحدات مقاتلة من قوات سوريا الديمقراطية وغيرها من الوحدات المسلحة التى تعمل ضد جيش الحكومة السورية.
أما بالنسبة لما يقرب من ٢٠ ألف مقاتل أجنبى مسجلين فى صفوف داعش، فنجد أن أوضاعهم تعتبر متناقضة، مما أدى إلى إحداث تطورات مختلفة؛ فأما من لم يتم قتلهم أو سجنهم، فيستطيعون تقرير إما البقاء فى سوريا أو العراق، مع اختيار حلول «التمويه» أو «إعادة التأهيل» أو «استخدامهم كمرتزقة»، وتسعى الغالبية من الناجين إلى العودة إلى بلدان المنشأ أو الدول التى لهم فيها إقامة، وبصورة أساسية إلى مختلف بلاد القوقاز بما فى ذلك «إنغوشيتيا» و«الشيشان» و«داغستان». واستقر فى منطقة إدلب، وحدة مكونة من حوالى ٨ آلاف صيني، من بينهم ٣ آلاف مقاتل- من أصل «أويغوري» الذين أتوا من منطقة «شينجيانغ» (الواقعة فى الشمال الغربى من الصين). وفقا لمصادر عسكرية مختلفة، فقد عاد بعضهم بالفعل إلى «شينجيانغ» بهدف مواصلة الكفاح المسلح ضد السلطات الصينية.
إن إعادة انتشار داعش فى الشريط الساحلى هى فى الحقيقة أمر آخر، ظل الانتقال المادى للرجال والمعدات من الشرق الأدنى إلى الصحارى الساحلية الصحراوية ظاهرة هامشية. بدلًا من ذلك، شاهدنا منافسة شرسة بين الجماعات الجهادية المحلية (مثل القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامي، وأنصار الدين، وحركة التوحيد والجهاد فى غرب أفريقيا، إلخ) والتى اكتفت بالرعاية الذاتية، إما لصالح القاعدة، أو لصالح داعش حسب مصالحهم وأهدافهم. فى هذه المناطق، يكون من الحكمة التحدث عن «البيزنس الإسلامي»- أو «البيزنس الإرهابي»: لقد رأينا ذيول شبكات الجماعة الإسلامية الجزائرية والجماعة السلفية للدعوة والقتال فى العقد الدموى (١٩٨٨م/١٩٩٨م) يتدفقون مرة أخرى فى الجنوب الشرقى من الجنوب الساحلى فى بداية عام ٢٠٠٠م من أجل السيطرة على واحات مختلفة فى المناطق النائية. وبالنسبة لتجارة الرهائن التى كانوا يقومون بها، سرعان ما أضافوا إليها تهريب الكوكايين لعصابات أمريكا اللاتينية، التى تمتلك جسور العبور فى العديد من دول غرب أفريقيا.
واشتركت المجموعات الإرهابية المحلية فى مثل هذه الأنشطة اللصوصية، فى تطوير ما يسمى بالتهديدات «المختلطة»، وهى خليط تجارة المخدرات والأسلحة والرهائن والبشر، وفى بعض الأحيان نرى تواطؤ السلطات المحلية فى منطقة تتميز بتعدد الدول الفاشلة، وهى الواقعة من ساحل موريتانيا إلى منطقة القرن الأفريقي.. فى هذه المنطقة الشاسعة حيث يختلط الاقتصاد غير الرسمى واللصوصية والإرهاب، فإن الوضع الليبى يستحق اهتماما خاصا، لأن هذه الدولة تلعب دورا مركزيا.
‪ ‬
الدور المركزى الليبى
‪ ‬فى مارس ٢٠١١م، قرر الرئيس الفرنسى فى ذلك الوقت، «نيكولا ساركوزي» ورئيس الوزراء البريطانى «ديفيد كاميرون» أن يأخذا على عاتقيهما مسئولية شن عملية عسكرية فى ليبيا. وبعد العدوى التى أصابت ليبيا من جراء «الربيع العربي» فى تونس ومصر، سرعان ما تحول هذا الأمر فى ليبيا إلى حرب أهلية، مما دفع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة باتخاذ القرار رقم ١٩٧٣ الذى ينص على إنشاء «منطقة حظر الطيران» فى ليبيا وتوصيل المساعدات الإنسانية إلى متمردى بنغازى فى شرق البلاد. وعلى هذا الأساس، بينما كان «جان بينغ»، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، يتناقش مع معمر القذافى، قامت «باريس» و«لندن»- باتخاذ القرار الأحادى- لتفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذى يتيح لهما استخدام القوة، وفى الواقع، كان هناك- من البداية– نية لشن حرب ضد نظام القذافى مع تحديد هدف واضح لتغيير نظام الحكم فى البلاد، وبموافقة ومساعدة الإدارة الأمريكية، تم إعدام الرئيس السابق للدولة الليبية تحت عيون الكاميرات ومؤسسات الخدمات فى فرنسا وبريطانيا.
ما بعد ذلك كان كارثيًا: حيث لم يكن هناك أى تخطيط «لليوم التالي». هرعت الفصائل الليبية المسلحة إلى الثكنات ومستودعات الأسلحة التابعة للجيش الحكومى لدعم قدراتها العسكرية، ونصبت نفسها على رأس العديد من السلطات المحلية فى جميع أنحاء البلاد وخاصة فى المناطق النفطية فى الشرق، ونضيف على هذا الاستقطاب المسلح، ديناميكيات قبلية ومجتمعية ومتعلقة بالمافيا، والتى كانت دون أى اندهاش، متفاعلة فيما بينها، الأمر الذى إلى الانفجار الداخلى فى ليبيا.
وحدث تقسيم للبلاد، تم بين برقة (فى الشرق) وطرابلس (فى الغرب) وفزان (فى الجنوب). وتم الأمر بدعم من القبائل فى منطقة «سرت» الساحلية (التى ينتمى إليها معمر القذافى)، وبايعت العديد من الجماعات المسلحة داعش، فى حين بايع آخرون القاعدة فى منطقة السبابة فى الجنوب. ومع مرور الوقت، نشأ خط من السبعة إلى منطقة شعبية غت (على الحدود مع جنوب الجزائر، بالقرب من جانيت)، حيث تم تشكيل عشرات المعسكرات التدريبية الجهادية المكونة من داعش والقاعدة التى أفرزت العديد من النشطاء المنتمين للجماعات الإرهابية المختلفة فى منطقة الساحل الصحراوي.
يتسلل هؤلاء النشطاء إلى النيجر ومالى وموريتانيا والسنغال من ممر يطلق عليه «السلفادور»، وحتى وقت قريب، كان من الممكن وضع خريطة لهذا التقسيم الإجرامى والرد عليه باستخدام عملية «الأوبيكس» الكلاسيكى (وهى نوع من العمليات الخارجية). مثلما كان الحال فى عملية «سيرفال»، والتى امتدت إلى عملية «برخان». وفى هذا الإطار، ومن أجل حماية «باماكو» عاصمة «مالي»، أعطى «فرانسوا أولاند» الضوء الأخضر للتدخل العسكرى فى يناير ٢٠١٣م. واستمر هذا التدخل العسكرى حتى يوليو ٢٠١٤م لدعم القوات المالية التى تسعى إلى القضاء على الفصائل الجهادية التى سيطرت على منطقة «أزواد»، الجزء الشمالى من البلاد. وبداية من غرة أغسطس ٢٠١٤م، امتدت عملية «بارخان»، مما أتاح انتشار قوة عسكرية أخرى تضم نحو ٠٠٠ ٣ رجلا من «بوركينا فاسو»، و«تشاد»، و«النيجر»، و«مالي».
مع الوقت، اختلطت خريطة التهديدات، فنشأ جيل جديد من الجهاديين من العرق الفولانى، وبدأ ينتشر فى مدن جنوب مالى، وكذلك فى بعض مناطق بوركينا فاسو والسنغال، وأصبحت التهديدات قوية، بل ومتغلغلة بدون وجود مركز لها أو حتى استمرارية على المستوى الإقليمي، هكذا فإن عملية «برخان» وثكناتها ودورياتها قد أصبحت هدفا لجيل جديد من الإرهابيين أكثر اتصالا بالمدن، أكثر تنقلا وأفضل تسليحا؛ هذا التطور أثار جدلا واسعا على المستوى العملى داخل المؤسسات الفرنسية التى تعمل ضد الإرهاب، ألا وهو تفكيك البنية الأساسية للعمليات الثابتة من أجل شن عمليات سرية، بل والقيام باغتيالات تستهدف زعماء وممولى الكتيبة الجديدة.
وقد قام الرئيس إيمانويل ماكرون بالتصويت، مدمجا أكثر من بعد للسياسة الداخلية، لصالح تمديد عملية «برخان» على حساب القوات الخاصة والاستخبارات الخارجية، غير أن هذا القرار لم يأخذ فى الاعتبار تطورا آخر مثيرا للقلق، ألا وهو اندماج جماعات بوكو حرام مع من يقومون بالصيد الجائر ومع مهربى عاج الأفيال وقرون وحيد القرن. هذا التهديد الإرهابى الجديد المختلط والمرن والمتغلغل يحتاج عضويا لمداخل ومخارج على الموانئ، وبحور مثل المتوسط والأحمر تساعد وترافق وتساعد على زيادة عمليات إعادة الانتشار المتعاقبة.
تهديد البحر الأحمر
تؤدى الحرب الأهلية الشاملة فى سوريا إلى تفاعل ٥ مستويات من النزاعات التفاعلية:
- الولايات المتحدة ضد روسيا.
- السعودية ضد إيران.
- تركيا ضد الأكراد.
- إسرائيل ضد إيران وضد حزب الله اللبناني.
- الجهاديون الإقليميون (داعش) والجهاديون الدوليون (القاعدة)
ومن خلال التطورات الميدانية الأخيرة، يمكننا عمل الملاحظات الآتية:
المستوى الأول: يحقق مكاسب لروسيا.
المستوى الثاني: يحقق مكاسب لإيران.
المستوى الثالث: مواجهة تنتهى بالتعادل.
المستوى الرابع: مكاسب لإيران ولحزب الله.
المستوى الخامس: مواجهة تنتهى بالتعادل، غير أنها تؤدى إلى استمرارية المزايدة الإرهابية وتوسيع نطاق القتال. 
فالحرب الأهلية بسوريا تمددت إلى حدودها القريبة والشرق أوسطية فى اتجاه آسيا الوسطى، الجنوب الشرقي، وكذلك إلى المنطقة الساحلية الصحراوية بأفريقيا. وعن طريق إحداث فتنة بين السنة والشيعة باليمن، شهد هذا الملف أشكالا عديدة من الخلل على المستوى الإقليمى والقبلى والعشائرى لم تعهدها المنطقة من قبل، أخذت السعودية على عاتقها مسئولية تصدير المستوى الثانى والرابع والخامس من الصراع، إلى جنوب شبه الجزيرة العربية. إن الحوثيين- الزايديين الذين كانوا فى السابق حلفاء للمملكة العربية السعودية ضد التيارات الوطنية العربية التى كان يساندها جمال عبدالناصر فى الستينيات، يتم اليوم إظهارهم فى صورة شيطانية من قبل الرياض التى تصفهم بأنهم قوة إرهابية.
وهناك أيضا حرب بين الموانئ تحتدم فى البحر الأحمر وتتعلق بمنطقة القرن الأفريقى بأكملها. من هذا المنظور، يبقى الهدف هو التحكم فى منطقة عدن من خلال الرهان على تقسيم جديد لليمن. وكذلك يتعلق الأمر بمنع جيبوتى من الاستمرار فى الصعود إلى «المحور الصيني»، الذى يعد مركزا لهذا المحور الاستراتيجى كما تذكر دورية استراتيجية الدفاع والأمن، التى تم تسليمها للرئيس الفرنسى فى نوفمير الماضي: البحر المتوسط، السويس، البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وفى التعمق أكثر فى البحر الأحمر، نرى فى مواجهة ميناء جدة السعودي، كلا من قطر وتركيا وهما تقومان بتجهيز ميناء سواكن من أجل قطع الطريق على طموحات الرياض فى البحر الأحمر. ومن جانبهم، يواصل الإسرائيليون نشر غواصاتهم (الحاملة للأسلحة النووية) فى البحر الأحمر وحتى سواحل باكستان، وهى قوة نووية أخرى.
إن اتساع نطاق الحرب الأهلية السورية يحدث هنا منطقة صراع جديدة بين تحالف السعودية والإمارات من جهة والتحالف القطرى والتركى من جهة أخرى. وهذا الوضع الجديد الذى يتطور، يؤدى بالطبع وبلا مفاجأة إلى تفعيل المستوى الخامس من الصراع: الجهاديون المحليون (داعش) فى مواجهة الجهاديين الدوليين (القاعدة).
إعادة الانتشار المالى والميدانى
أدى إعادة الانتشار الإقليمى المتعاقب إلى إعادة التشكيل الجذرى لأفرع التمويل، والتى تعتبر عصب الحرب، وفى الحقيقة أن السيطرة على أرض تسمح بدخول غير شرعى لكن منتظم لأرصدة بنكية، وتهريب بترول خام، وقطن وآثار وضرائب دينية.. إلخ. كما أن عدم التمركز والتبعثر الميدانى يحتاج لمصادر أخرى من المال والعودة إلى الطرق الأكثر بدائية للتمويل الباطني: غارات، فدية رهائن، ابتزاز، تبييض بعض الانحرافات وكذلك بعض الإتاوات الأمنية، إلخ.
وهكذا فإن مرحلة ما بعد داعش تؤدى إلى عملية إعادة تشكيل مالية متعمقة تصاحب عمليات أخرى وهي: ظهور وسائل تشغيل جديدة، وإعادة تشكيل ميدانى تقودنا إلى جوهر التنظيمين الأصليين: القاعدة وداعش، فما هى إلا أيديولوجية الإخوان المسلمين: كره ومحاربة الكفار وجعل الكفار يكرهون المسلمين حتى يتجمع المسلمون لمحاربة الكفار.
إن إعادة التشكيل الأخيرة تشمل بعدًا إقليميًا محددًا تختص به الدول الغربية: أوروبا، الولايات المتحدة، كندا واليابان وأستراليا. إن العمليات الأخيرة التى أعلن داعش مسئوليته عنها (لييج وحى الأوبرا بباريس) تؤكد الإقامة الدائمة لنوع من الإرهاب منخفض التكاليف، إرهاب تمارسه بعض الفئات البسيطة، يستطيع من خلاله أى مخبول أن ينقض على شرطي، ويهاجمه ممسكا بسكين صارخا بجملة: «الله اكبر».
من هنا فإن إعادة توطين داعش (والتى تمس كذلك القاعدة) فى أوروبا، هى بداية لإعادة تشكيل استراتيجية، والتى بموجبها يتم مواصلة الجهاد بكل السبل فى داخل المجتمعات الغربية، وهنا تحديدا فإن الإرهاب المحلى والدولى (داعش والقاعدة) يعمل على اندماج استراتيجى توافقي. هذا التواصل يعمل على إحياء طرق التشغيل الإرهابية النظرية لسيد قطب وسيد رمضان: العنف والتخفى عن طريق الذوبان فى المجتمعات المعادية.
ولا يجب أن ننسى أن الرحم الذى خرج منها أسامة بن لادن وأيمن الظواهرى وأبو مصعب الزرقاوي، والبغدادى هو رحم مشترك. يجب علينا أن نقول ونكرر إن هذا التيار أعاد استخدام المبادئ الأساسية للجماعة التى أسسها حسن البنا فى صعيد مصر عام ١٩٢٠. إن مضمون رسالة الإخوان المسلمين واضحة بل جلية بصورة كبيرة: على المسلمين الحقيقيين محاربة الكفار بكل الوسائل (من الأكثر سلما إلى الأكثر عنفا) لفرض الشريعة على جموع البشرية بأكملها، والتى لا يكون مصيرها سوى تشكيل «أمة نهائية».
ونكرر مجددا من خلال هذا المنظور يجب على المسلمين أن يستخدموا كل الوسائل حتى يكرههم الكفار وحتى يتجمع المسلمون معا ويجعلون مسألة اندماجهم فى المجتمعات الغربية التى يقيمون بها مستحيلة.
ومن هنا، فإن مرحلة ما بعد داعش، ومن خلال تلك التشكيلات الجديدة المتعاقبة، نرى أن التهديد الإرهابى يخلق حالة من الفوضى الدائمة وذلك لإعادة مفهوم إميل دوركايم الذى تم تحديثه من قبل الخبير بعلم الاجتماع جان دوفيجو، مما، يعنى حدوث أزمة يصعب احتواؤها، لأنها جديدة من حيث مصطلحاتها، وتوقعاتها وانحرافاتها. علينا أيضا أن نقرأ بعناية ونعلق على آخر إسهامات المحلل السياسى عمار بلحيمر الذى درس بعمق النموذج الجزائرى للحوار ونزع التطرف.