البوابة نيوز : مصر الملاذ الآمن لليهود عبر العصور (طباعة)
مصر الملاذ الآمن لليهود عبر العصور
آخر تحديث: الخميس 24/05/2018 05:59 م حسام الحداد
مصر الملاذ الآمن

بعضهم تولى الوزارة أيام الفاطميين.. وثوار 1919 حملوا الهلال والصليب و"نجمة داود"

الدولة احتفلت بأعيادهم الرسمية في العهد الملكي.. و"نجيب" هنأهم بالعام العبرى الجديد

مصر ما زالت تحتفل بذكرى الملحن داود حسني.. وليلى مراد ويعقوب صنوع أشهر الفنانين

في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت التركيبة الأساسية للسكان اليهود في مصر تتكون من اليهود الناطقين بالعربية وهم الربانيون القراؤون، والذين انضم إليهم السفارديم بعد طردهم من إسبانيا.

مصر الملاذ الآمن

بعد افتتاح قناة السويس، ازدهرت التجارة في مصر، ما جذب إليها الأشكناز الذين بدأوا في الوصول إلى مصر في أعقاب المذابح التي دبرت لليهود في أوروبا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، حيث وجدوا الملاذ الآمن في مصر ليشكلوا النخبة التجارية والثقافية للمجتمع الحديث، والذين اقتصرت إقامتهم في القاهرة على منطقة "درب البرابرة".

وكان عصر الفاطميين من أزهي فترات اليهود فى مصر، باستثناء الجزء الأخير من حكم "الحاكم بأمر الله"، فمعظم المدارس التلمودية التي تأسست في مصر، تم تأسيسها في هذه الفترة. وقد ارتفع شأن بعض اليهود في هذه الفترة، حتى إن يعقوب بن كلس تولى الوزارة في تلك الحقبة.

وعاش اليهود في سلام خلال عصر صلاح الدين الأيوبي (1169-1193). وفي عام 1166 جاء اليهودى موسى بن ميمون إلى مصر واستقر في الفسطاط، حيث حاز شهرة كبيرة كطبيب، وكتب "المشناه" و"دلالة الحائرين".

وظلت العلاقات الاجتماعية طيبة بين الطائفة اليهودية وباقي طوائف وفئات المجتمع المصري إلى أربعينات القرن الماضي، حتى إن بعض ثوار 1919 كانوا يحملون العلم المصري عليه الهلال والصليب ونجمة داود.

وباعتبار الدين اليهودي ديانة سماوية يعترف بها في البلاد، كانت احتفالات اليهود بأعيادهم الرسمية تعامل كما تعامل احتفالات المسلمين والمسيحيين، وهو بالفعل ما كان ظاهرا في أيام العائلة الملكية، إذ كانت تتم تهنئتهم بأعيادهم تهنئة رسمية من الدولة.

مصر الملاذ الآمن

وهناك صورة نادرة يظهر فيها الرئيس الأسبق محمد نجيب، أول رئيس لمصر بعد زوال حقبة العصر الملكى، وهو يهنئ اليهود بالعام العبرى الجديد، وكان يعتبرهم جزءًا لا يتجزأ من النسيج المصري، وطمأنهم بأنه لا مساس بهم ولا علاقة لهم بما يحدث في إسرائيل، كما شكرهم على استضافته وأعرب عن سعادته بمباركتهم له منهيا خطابة قائلا: "والذي أحب أن أؤكده أن جميع أبناء مصر، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، إنما هم جميعًا إخوة في الوطن، لا فارق بين يهودي ومسلم ومسيحي، فالدين لله والوطن للجميع، وليحى الاتحاد والنظام والعمل" كان ذلك تحديدا في عام 1952 وقد دون هذه الكلمات بخط يده في دفتر التشريفات الخاص بالمعبد.

وللعلم، فإن الطائفة اليهودية كانت تسمى بالطائفة الإسرائيلية نسبة إلى سيدنا يعقوب الذي لقب بـ"إسرائيل"، ولكن بعد قيام دولة إسرائيل بدأ اليهود في تغير مسمى الطائفه الإسرائيلية إلى الطائفة اليهودية.

 ليلى مراد
ليلى مراد

شخصيات يهودية

سطع نجم ليلى مراد المولودة في الظاهر بالعباسية في فبراير 1917، لأب يهودي مصري هو إبراهيم زكي مردخاي، المطرب والملحن الشهير في العشرينيات، وأم يهودية بولندية هي جميلة "سالمون" التي أنجبت مراد وإبراهيم وملك ومنير وسميحة، وما زالت مصر تحتفل حتى الآن بذكرى الفنان اليهودي المصري الشهير داود حسني، واسمه الحقيقي "دافيد حاييم ليفي" في العاشر من شهر ديسمبر من كل عام، باعتباره أحد أعمدة التلحين والغناء المصري الذين ساهموا في تطويره بشكل يؤكده كل دارس لتاريخ تطور الغناء في مصر، جنبًا إلى جنب مثل الملحن اليهودى الشهير زكى مراد.

ولا ينسى المصريون أيضا اليهودى يعقوب صنوع الذي وُلد عام 1839 ابنًا وحيدًا لوالديه اللذين فقدا 4 أبناء بعد ولادتهم، وحينما حملت به أمه نصحتها إحدى صديقاتها المسلمات (كما هى الحال في البيئة المصرية الصميمة في ذلك الوقت) أن تطلب بركة إمام مسجد الشعراني الذي كان يكتب التمائم والتعاويذ والأحجبة. ويَذكُر يعقوب صنوع أن الشيخ قال للأم: «إن ربنا سيبارك ثمرة أحشائك وستُرزَقين بولد» ويذكر يعقوب أنه حين كبر حفظ القرآن وعاهد والدته على أنه جعل رسالته «مكافحة الأباطيل التي تُفرِّق بين المسلمين والمسيحيين، بإظهار سماحة القرآن وحكمة الإنجيل، وهكذا تتسنى لي الملاءمة بين قلوب الفريقين».

وهكذا فإن أسرة صنوع كانت مندمجة حضاريًا تمامًا في المجتمع المصري، وحينما بلغ يعقوب صنوع الثانية عشرة من عمره كان يقرأ التوراة بالعبرية والإنجيل بالإنجليزية والقرآن بالعربية. كما كان قد أجاد عددًا من اللغات منها: العربية والعبرية والتركية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية. ثم أرسل في بعثة دراسية إلى إيطاليا في مدينة ليجورنو في إيطاليا (على نفقة الحكومة المصرية) لدراسة الفنون والأدب عام 1853 وعاد عام 1855. فمكث 3 سنوات درس أثناءها الاقتصاد السياسي والقانون الدولي والعلوم الطبيعية والفنون الجميلة.

وعند عودته اشتغل بالتدريس في مدرسة الهندسة، كما قام بتعليم أبناء رجال البلاط. ولكنه لم يقنع بهذه الوظيفة المريحة فشخصيته كانت مبدعة حركية، ففكر في إنشاء مسرح وطني يقدم تمثيليات عربية.

ولكن يعقوب صنوع لم يكن يتحرك داخل دائرة البلاط الملكي والمسرح وحسب، بل بدأ يحتك بالدائرة الفكرية التي تَحلَّقت حول جمال الدين الأفغاني، الذي شجعه هو والشيخ محمد عبده على الكتابة في الصحـف، بل وعلى إنشـاء صحـيفة عـربية تُكتَب بالعامية.

كتب صنوع العديد من المسرحيات، ولكن أغلبها فُقِد، وأنشأ العديد من الصحف مثل: (أبو نظارة زرقاء)، و(أبو زمارة)، و(الوطني المصـري)، و(العالم الإسلامي)، و(الثرثارة المصرية). وأنشأ صنوع فرقته المسرحية الخاصة لتقديم مسرحياته، وتولى تدريبها بنفسه، وقد ساعده على ذلك الدراسة الأكاديمية للفنون واللغات؛ واطلاعه على أعمال الكتاب المسرحيين في لغاتهم الأصلية، وخاصةً موليـير وجولدوني وشريدان؛ والاشتـراك في العروض المسرحيـة للفـرق الخاصـة بالجاليات الأوروبية.