البوابة نيوز : "من بيت لحم إلى أقصى الأرض" (طباعة)
"من بيت لحم إلى أقصى الأرض"
آخر تحديث: الثلاثاء 12/12/2017 10:04 م كتب: القس سهيل سعود
 بيت لحم
بيت لحم
من الأسماء التى يتكرر سماعها فى قصة الميلاد، اسم بلدة «بيت لحم»، مكان ولادة يسوع المسيح، فالنجم قاد المجوس إلى بيت لحم (متى ٢:٢)، والملاك جبرائيل أشار للرعاة، بأن ولادة المسيح قد تمت فى «مدينة داود»، ففهم الرعاة أنه قصد بيت لحم، لهذا قالوا لبعضهم البعض «لنذهب إلى بيت لحم، وننظر هذا الأمر الواقع الذى أعلمنا به الرب» (لوقا ٢: ١٥)، فأسرعوا إلى المكان وسجدوا للطفل يسوع. 
«بيت لحم» هى الآن بلدة صغيرة تقع إلى جنوب القدس وتبعد عنها زهاء خمسة آميال، يقطن فيها بحسب إحصاء العام ٢٠٠٥ حوالى ٢٩٠٠٠ ألف نسمة، إلا أن هذه البلدة الصغيرة لها مكانتها المميزة فى الكتاب المقدس، ففى عام ١٠٠٠ قبل الميلاد ولد فيها أعظم ملوك وأنبياء العهد القديم، الملك والنبى داود، وقبل هذا التاريخ دفن بين ترابها أحد الآباء المميزين وهو يعقوب، كما دفنت فيها زوجته راحيل. 
وبعد حكم الملك داود، انقسمت المملكة إلى قسمين، وقد توالى على حكمهما ملوكا ظالمين فاسدين، لم يراعوا عبادة الله بل أدخلوا عبادة الأوثان، كما أنهم لم يحكموا بالحق والعدل، بل ظلموا الناس، فى ذلك الوقت العصيب وحوالى سنة ٧٢٠ قبل الميلاد، تنبأ النبى ميخا نبوءة مفادها بأن بيت لحم ستحصل على شرف عظيم، لأنه سيولد فيها ملك مميز، ليس كباقى الملوك الذين أساءوا إلى الله بحكمهم وحياتهم، بل سيرعى الناس برحمة وحنان، ويحكم بقدرة وعظمة الرب، بالحق والعدل، وهذا ما رأيناه فى المسيح أثناء ميلاده ووجوده فى فلسطين وعلاقاته مع الناس، منذ أكثر من ألفى سنة، ويشدّد النبى ميخا بأنه يتعظم فى كل أقاصى الأرض، فهو يقول: «أما أنت يا بيت لحم افراته، وأنت صغيرة أن تكونى بين ألوف يهوذا»، فمنك يخرج لى الذى يكون متسلطا على إسرائيل، مخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل، ويقف ويرعى بقدرة الرب، بعظمة اسم الرب إلهه ويثبتون، لأنه الآن يتعظم إلى أقاصى الأرض». (ميخا ٥: ٢ و٤)
هذه النبوة تحققت فى ميلاد الطفل يسوع فى بيت لحم، وكنيسة المهد فى بيت لحم لا تزال شاهدة على هذه الحقيقة التاريخية حتى يومنا هذا، إن عظمة شخص يسوع لم تنحصر فقط داخل حدود بيت لحم، بل امتدت إلى كل أقاصى الأرض، التى رحبت بالمسيح والإيمان المسيحى، والأمر المميز فى هذه النبوءة، أنها تشير إلى أزلية هذا الطفل فبالرغم من ولادته بالروح القدس من الأم مريم العذراء فى منطقة جغرافية معينة، إلا أن أصوله تجاوزت الشخص، لأن «مخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل» إلا أن بيت لحم لم تكن فقط مسقط رأس العظماء، بل أيضا كانت مسقط رأس المتألمين، لا سيما الأمهات اللواتى فقدن أطفالهن بالموت فى أفظع المذابح وحشية.
يخبرنا البشير متى فى الإصحاح الثانى، أن هيرودس الملك المجرم، اضطرب من خبر ميلاد المسيح، وحتى يتخلص منه بأى طريقة ممكنة، وكيما يقطع الطريق على ملوكيته ويحافظ عليها له ولورثته من بعده، فقد «أمر بقتل كل صبيان بيت لحم وفى كل تخومها من ابن سنتين وما دون» (متى ٣: ١٦)، آملا بأن يكون الطفل يسوع من ضمن المقتولين. وهذه الآلام لا تزال تتكرر حتى يومنا هذا، وهى تسبب ألما كبيرا فى قلب المسيح. يخبرنا إنجيل يوحنا فى الإصحاح السادس، أنه بعد أن أشبع المسيح الخمسة آلاف شخص من خمسة أرغفة شعير وسمكتين، قال لهم «أنا هو خبز الحياة، من يقبل إلي لا يجوع» (يوحنا ٦: ٣٥)، إن قول المسيح هذا، يرتبط ارتباطا وثيقا بمعنى اسم «بيت لحم»، مكان ولادة المسيح، فاسم «بيت لحم» يعنى باللغة العبرية «بيت الخبز» ويقال إن هذا الاسم قد أطلق على تلك المنطقة، لأن أرضها خصبة لزراعة القمح إلا أن دلالة معنى الاسم، تشير إلى دلالة معنى المسيح بالنسبة للمسيحيين، فكما أن الخبز يسد الجوع ويمنح الحياة والقوة والاستمرارية، هكذا أيضا المسيح بالنسبة للمسيحيين، فهو الخبز الروحى الذى يسد الجوع الروحى إلى الله، وهو يمنح القوة والاستمرارية والحياة، للذين يؤمنون به، ابتداء من بيت لحم وإلى كل أقاصى الأرض.