الخميس 25 أبريل 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي

آراء حرة

ليس شر البلية ما يضحك

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news
يقول كثير من الفلاسفة والحكماء والأطباء في مواضع لا تحصى: إن الضحك يطيل العمر، وأضيع الأيام تلك التى لا نضحك فيها.. إلخ. لكن قالوا أيضًا في حق الضحك: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وشر البلية ما يضحك، وهنا في الوجدان تكمن فكرة غرائبية حول ارتباط الضحك بوقوع الشر فترانا جميعًا عندما نضحك نقول: «خير.. اللهم اجعله خير». يوجد من هذه الأمثلة كثير لكن ما لفتنى في كل ما قيل عن الضحك هو ما قاله البعض عنه: الضحك ابن الوعي.. ابن المنطقة المضيئة من العقل.. هو ابن الذكاء.. أو هو أمارة الذكاء لذا فهو من امتيازات العقل.. بل من امتيازات الإنسان. هل سمع أحد من قبل عن أى كائن حى عدا الإنسان يضحك؟ إذن الضحك مقصور على الجنس البشرى ويميزه عن المخلوقات الأخرى.. لماذا يميزه؟ لأنه ابن العقل الذى حظى به الإنسان دون غيره من المخلوقات.
الضحك مرتبط بشكل من الأشكال بالعقل، والعقل روح الحرية.. والحرية بحاجة إلى أدوات، والأدوات منها: الشعر، الطرفة، النكتة، النقد النزيه. باختصار، كل الفنون الساخرة، هذا الفضاء الرحب لتتريض العقول، والقلوب.
من يقرأ النكات الدالة، والحكايات الطريفة، والأعمال الساخرة يتأكد أنها لم تأت من فراغ بل من رحم يتسع الحرية أو على الأقل يغض الطرف عن قبس منها. كما أنها لا تأتى إلا في بيئة تعرف كيف تميز بين الصواب والخطأ فتسخر من الثانى وتضحك منه وعليه.. هذا هو إحدي وسائل الرفض.. التقويم.. المطالبة بمنع تكرار هذا الخطأ وإلا وجه بالسخرية والضحك مرة أخرى. وفى الوقت نفسه لا تجد الشخصية العامة التى ورد ذكرها في الطرفة أو النكتة تقيم الدنيا وتقعدها ويواجه الأمر كله بالغضب والانتقام، بل يتفهم أن هذا محض اعتراض.. لفت نظر.. دق ناقوس. وليس استهزاء به أو منه. 
الضحك والنكات والحكايات الطريفة والنوادر تنتجها بيئات ومناخات حرة ومتعلمة جيدا ومثقفة وتعرف كيف تفرز الخطأ الذى يرتكبه غبى أو أحمق وتضحك منه، وعليه، وفوق كل هذا تأخذ العبرة وتتعلم من الدرس.
الدرس؟ نعم. الدرس، فكتب الطرائف والنوادر والطرائف، متخمة بالدروس، بقدر ما فيها من ملاحة وهذر. نذكر هنا أحدها وهو كتاب «أخبار الحمقى والمغفلين» لابن الجوزي. 
بعد أن تفرغ من الكتاب ستتأكد أن الحمقى كثيرون وهم يشاركوننا الحياة- التى يفسدونها طبعا بمسحة من غبائهم- وعلينا أن نتعود على مواجهة الأمر بالضحك والتعلم من الدرس. 
تؤكد حكايات وأخبار ابن الجوزى أن العامة لم يقبلوا أخطاء الخاصة وحاولوا تقويمها ما يعنى أن المجتمع الذى يفرز مثل هذه الحكايات ويسخر منها للدرجة التى تجعل البعض يدونها من باب الطرفة والملاحة والنقد أيضا ليس جاهلا بل متعلما ومثقفا بقدر مكنه من اكتشاف الخطأ وإصلاحه أو التنبيه والإشارة لإصلاحه.
كما تؤكد الحكايات على عدم ضرورة أخذ الواقع على محمل الجد.. وكذلك الأشخاص.. حيث بات الهذر أكثر من اللازم. والاستخفاف بات ثقيلا جدا.