رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

موسى صبري.. ولد صحفيًا ومات إنسانًا

الثلاثاء 08/يناير/2019 - 06:00 ص
موسى صبري
موسى صبري
محمد لطفي
طباعة
"ألم ترَ أن جيلنا يرحل سريعا، الآن يا صديقي أفكر في أننا خُدعنا جميعا خدعة كبيرة‏، وأن المتصارعين من أجل السلطة قد استخدمونا لمصالحهم أسوأ استخدام‏".
هكذا همس عملاق الصحافة المصرية موسى صبري إلى صديقه أحمد عباس صالح‏ بين نوبات الألم الوعر في أيامه الأخيرة؛ فالرجل الذي كان واحدًا من أصغر رؤساء التحرير في تاريخ الصحافة المصرية، وواحدا من أبرز الكتاب في مصر، كانت حياته حافلة بالإنجازات والتوترات والمعارك.
كان موسى هو من اخترع شخصية محفوظ عجب، وفي بداياته قام بالتمثيل مع عبدالرحمن الشرقاوي في رواية الريحاني كشكش بيه على مسرح الأزبكية‏، وحصل على الجائزة الأولى في الرسم بمدرسة أسيوط الثانوية، وكان عندما يترنم يردد شعر صلاح عبدالصبور، وعندما يفرح يبكي‏، وعندما يهيم عشقا يعيش عصر روميو وجولييت‏، وعندما يسمع لعبدالوهاب وأم كلثوم، وعندما يموت تمنى أن يموت نائما وأن يكتب على قبره ولد صحفيا ومات إنسانا‏..‏ وعانى موسى الفقر في طفولته حتى اكتشف أن والده كان يرتدي نفس البدلة أربع سنوات، وعندما يشتري للابن بدلة جديدة فإن مصيرها أن تقلب ويعاد تفصيلها، ولقد قلبت له أكثر من بدلة قديمة، وفي الليسانس كان حذاؤه قد تآكل تماما‏، ولم يكن من البد أن يرتدي حذاء خاله الذي توفي وترك حذاءه إرثا فتقرر أن يكون من حظ موسي؛ وعندما اشتكى من ضيقه أسكنت الوالدة روعه بأن الجلد سيرتخي مع الاستعمال، لكنه لم يرتخ وظل يمشي به سنينا فوق الشوك بالأورام والآلام من شقتهم في حارة اليدين في الجيزة، ثم شارع المدارس حتى الجامعة‏ ويكبر موسيى ويعمل موسى ويشتهر موسى ويتزوج موسى‏.
ويظل من عرسه حتى رحيله يسكن شقته الصغيرة بالزمالك التي أنجب فيها أبناءه المهندس أشرف والمحاسب أمجد والدكتور أيمن المكونة من ثلاث حجرات ضيقة ليس بها مكتب استعان فيها بالدكتور ميلاد حنا الصديق ليقفل له الشرفة حتى تصبح بمثابة حجرة صغيرة لأحد الأبناء‏، ولو شاء، ولو فتح الشباك من خلال موقعه لكانت له إحدى شقق الحراسة والكياسة والنخاسة‏.
ومضى طويل النفس في الصحافة قصير النفس في الحياة، فقد كان أكثر المدخنين في الوسط الصحفي‏، مضى ليتمنى الخصوم من بعده خصومة وخصما واعيا ذكيا مثله‏، مضى من التقى بالنقيضين، المتطرفين في كراهيته والمتطرفين في حبه،‏ وهكذا نحن على الدوام مشدودين على وتري التضاد، يا إما أبيض يا أسود بلا مساحة في المنتصف لألوان الطيف السياسي، بلا قدر أو قدرة للتعامل مع الآخر‏، وأكبر خطايانا وأمراضنا الاحتقان الشديد.
وهناك في ذلك المستشفى الذي خاط له جرح جبينه في السبعينيات، تشاء الأقدار وقسوتها أن يواجه موسى صبري مرضه العضال، ليعالجه نفس الطبيب الذي عالج زوجته أنجيل‏، ويرقد في نفس الحجرة التي رآها فيها تتلقى علاجها من البعبع الذي سلبها منه وظل دهرا يخشاه لدرجة إيمانه بأنه حتما سيزوره يوما‏، ولذلك عندما داهمه كان قد قرأ عنه كل ما كان متاحا فأصبح يتابع غزوه متفهما عارفا بالمصير، ولكن أن يتعرف المريض على خطورة مرضه لهو بلا شك أمر بالغ القسوة‏، أما أن يعرف موعد النهاية فهنا قمة الزلزلة‏، لقد وقف الطبيب المصفح أمام موسى صبري المتداعي في شهر يوليو‏1992‏ ليواجهه أمام ابنه المرافق الدكتور أيمن بأن أمامه ستة أشهر فقط‏. 
ويعاتب الطبيب المصري الابن الطبيب الأمريكي على صراحته اللعينة، لكن الرجل يقذف بطوب الرد‏:‏ نحن لا نخفي الحقائق مهما تكن مؤلمة على المريض، فهناك بلا شك تجهيزات وأوراق ومهام وترتيبات عليه القيام بها قبل المغادرة، وما كان من المريض المدخن إثر لحظة المواجهة غير أن طلب من الابن إشعال سيجارته، فانبرى الطبيب ينصحه بالامتناع عن ذلك التدخين لأنه يؤثر على الرئتين بصورة تؤدي إلى التعجيل بالوفاة‏، ويرد موسى من بين نفثات الدخان الرمادي المحبوس‏:‏ وما الفارق بين ستة أشهر أو خمسة‏!!‏ لقد أزفت الآزفة‏، وعادوا بموسى أشد ضمورا وأبلغ ألما وأقل حركة وأكثر تعاطيا للمسكنات، ويسألونه العودة للكتابة كنوع من قتل الوقت المقتول من الأصل فيأتي رده‏:‏ لو استطعت الكتابة الآن لكتبت تجربتي مع المورفين، فقد عرفت رغما عني معنى الإدمان وأوجاع المدمنين وأحسست بآلامهم لو تأخرت عنهم حقنة المورفين، لابد من حملة قومية لإنقاذ آلاف الضحايا‏، والمسألة أبدا ليست سهلة أن تقول للمدمن‏:‏ امتنع عن المخدر‏..‏ لقد اجتزت الامتحان الصعب وأخذوا بالتدريج تقليل الجرعة حتى أصبحت حقنة ماء للإيحاء الكاذب‏، المدمن لا ذنب له فهو ضحية مافيا المخدرات الشيطانية، إحساس بشع أن تصبح عبدا مسلوب الإرادة بلا حول ولا قوة‏.
"
ما تقييمك لحملة 100 مليون صحة؟

ما تقييمك لحملة 100 مليون صحة؟