رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

السيد إمام: الخطاب الديني في حاجة إلى "النسف" وليس التجديد.. انتهت سلطة الناقد إلى الأبد مع ظهور الخطاب النقدي الجديد

الجمعة 28/ديسمبر/2018 - 11:15 م
السيد إمام
السيد إمام
أحمد فيصل
طباعة
السيد إمام هو ناقد ومترجم من جيل السبعينيات، ترجم عشرات الكتب النقدية فى النظرية الأدبية منها «الشعرية البنيوية» و«قاموس السرديات» و«شعرية ما بعد الحداثة»، و«الخروج من مصر» لإيهاب حسن، كما ترجم موسوعة الليالى العربية.
«البوابة نيوز» التقت السيد إمام فى حوار بشأن كتاب «النقد النظير»، آخر المؤلفات التى ترجمها، وبشأن بعض القضايا الأخرى.. 
■ كيف ترى كتاب «النقد النظير» آخر الأعمال التى قمت بترجمتها؟
- «النقد النظير» يقدم رؤية غير مألوفة -نقول صادمة- لكل ما يحيط بنا، وعلى رأسها تصوراتنا حول ماهية النقد والفن والثقافة والأدب. إنه يخالف كل أعرافنا حول الكتابة ويدعونا لتقليب النظر. الكتاب غير معنى بتقديم أجوبة، وإن كان يفعل ذلك خلسة بين الحين والحين، حول العديد من القضايا. لا يعالج الأسئلة التي تطرحها النصوص الأدبية بمعزل عن سياقاتها، كما فعلت البنيوية مثلًا، لكن يربطها بالتطورات العلمية والتكنولوجية والمعرفية التي أحاطت بها وتفاعلت معها. ومن ثم لا ينفى الذات أو يستبعد الإنسان، وإنما يضعه فى القلب من خطابه. 
الكتاب يمكن أن يقرأ على خلفية النقد الفرنسى كله الذى لعب الدور الأكبر فى صياغة وعينا النقدى. التفاتة بسيطة إلى منتج حسن النقدى والفكرى قد تبدل قناعاتنا، بل والصورة التي درجنا على اجترارها وتكرار مقولاتها. لماذا لم نلتفت إلى إيهاب حسن طوال هذه المدة.. لماذا أهملنا منجزه بنوع من الكسل أو عدم الاكتراث؟
■ كيف ترى خصوصية تجربة المفكر إيهاب حسن نقديًا؟
- إيهاب حسن أحد مفكري هذا العصر الكبار. لقد كان له الفضل فى ترسيخ وبلورة مفهوم ما بعد الحداثة فى الدراسات الأدبية والثقافية على وجه العموم، فضلًا عن دوره فى نشره وترويجه. يعترف له الفيلسوف الفرنسى جان فرانسوا ليوتار صاحب كتاب «الوضع ما بعد الحداثى» والمعمارى تشارلز جنكس بهذا الفضل.. ويعتبر كتابه «تقطيع أوصال أورفيوس» معلمًا رئيسيًا فى هذا المجال. 
قَدَّمتُ للغة العربية كتب لإيهاب حسن من بينها: سيرته الذاتية «الخروج من مصر» و«تجليات الخطاب النقدى» و«النقد النظير»، بالإضافة إلى كتاب «أوديب: أو تطور ما بعد الحداثة»، الذى يضم مجموعة من الدراسات قدمها باحثون ودارسون من مختلف الجنسيات، وكتاب «براءة جذرية» الذى يتناول ظاهرة الرؤية الأمريكية فى الفترة التى أعقبت الحرب العالمية الثانية، والذى يستعد المركز القومى للترجمة لإصداره فى الفترة المقبلة.
■ يوجد كتّاب فقط لم يعد هناك نقّاد.. إلى أى مدى تتفق مع عبارة «رولان بارت» تلك؟ وهل يمكن إسقاطها على الحياة الثقافية المصرية؟
- مع ظهور الخطاب النقدى الجديد انتهت سلطة الناقد إلى الأبد. أصبحت قراءته للنص الأدبى مجرد قراءة واحدة ضمن قراءات عديدة لا متناهية. لم تعد قراءته النقدية ملزمة، وتقلصت سلطته إلى حد كبير. ومع انتفال مركز الثقل من الكاتب، والناقد إلى القارئ مع ظهور نظريات القراءة والتلقى وبروز فلسفة التفكيك، وما بعد البنيوية أصبح النص الأدبى متعددًا وليس واحدًا.. ساحة لمعانٍ لا تنتهى وتعدد المدلولات. انطلق النص من أسر المعنى الواحد ولقراءة الأحادية. 
الكاتب الجديد لم يعد فى حاجة إلى ناقد محترف يعمده كما كان الحال فى الماضى: يسقط عليه معاييره المترسخة. الكاتب الجديد الآن يعمده قراؤه وزملاؤه من الكتاب الذين انتحلوا صفة النقاد.. بمعايير مختلفة ومغايرة. تعددت القراءة بتعدد المراكز واختلاف الرؤى والمنظورات. لقد طالت الثورة كل المعايير الجاهزة والتقاليد الثابتة. زلزال، أو عاصفة قلبت كل الأشياء رأسًا على عقب. وليمارس النقاد القدامى طقوسهم القديمة فى معابدهم الخاصة ومعاقلهم السرية على الطريقة التى يحبونها.
■ قلت من قبل إن علاقتنا مع التراث يجب أن تكون علاقة جدلية.. هل ترى أننا نرزح تحت وطأة تراثنا وأنه سبب عرقلة وليس تقدُّمًا لثقافتنا؟
- تلك هى مصيبتنا. علاقتنا بالتراث فى حاجة إلى مراجعة. أن تتحكم فينا خطابات تولدت عن عصور غابرة وتحدد معاييرنا، ما الذى يتوجب علينا قوله ومتى نكمم أفواهنا، شكل الحقيقة كما تتصورها، المسموح به من وجهة نظرها وغير المسموح به، أن تحدد سلوكنا وأفعالنا وطريقة النظر إلى ما حولنا.. هزل.. مجرد هزل.. علاقتنا بالتراث لا بد وأن تقوم على التفاعل والحوار لا على التسليم والاجترار.. خطابات القدماء أنتجتها عقول مثل عقولنا.. بشر مثلنا شكلتهم وصاغت رؤاهم معارف غير معارفنا وعلوم غير علومنا.. ظروف حياتية وحضارية تختلف عن ظروفنا.. كانت أطروحاتهم استجابة لأسئلة طرحتها عصورُهم.. ولا ينبغى بحال أن تكون رؤاهم قيدًا على حريتنا فى التأملِ والاستشرافِ والنظر.. واستجابتهم بديلا عن استجاباتنا للحظات لم يألفوها مطلقًا.. العالم يتغير من حولنا ونحن نصِرُّ على مراوحة أمكنتنا والرضا بما أنجز أسلافُنا، متعة الفرجة والمشاهدة عوضًا عن الفعل والمغامرة.. هراء.. مجرد هراء.
■ قلت إن معظم من يدعون لتجديد الخطاب الدينى لا يعون معنى كلمة «خطاب».. هل أردت أن تشير إلى أن هناك مجّانية فى الحديث عن القضايا الثقافية والفكرية؟
- أصبحت كلمة خطاب كلمة مستهلكة تجرى على كل الألسنة. هل يدرى هؤلاء معنى المصطلح المرتبط عضويًا بمصطلحى القوة (السلطة) والمعرفة؟ هل يعرفون حقيقة استراتيجياته ومراميه بوصفه أداة فى يد السلطة الحاكمة لصياغة وعى البشر وترويضهم.. تشكيلهم على الطريقة التى تكرس لبقائها وتأبيد هيمنتها.. تحديد نظرتهم لأنفسهم وللآخرين؟ إن ما نعنيه بتجديد الخطاب الدينى يعنى ترميمه أو ترقيعه فى أفضل الأحوال. وهل يجدى ترميم معبد متهالك قديم تصدعت قواعده، أو ترقيع ثوب أصابه البلى. الأجدى فى رأيى أن نقول «نسف» الخطاب الدينى لأنه محصلة معارف قديمة وعلوم (يقال إنها علوم!) سقطت بالتقادم وفرط الاستعمال. الخطاب منظومة من الأقوال والممارسات الاجتماعية والتاريخية ساهم فى إنتاجها بشر نسبيون مثلنا، ومن ثم فهى غير مقدسة.
■ احتفل العالم منذ أيام باليوم العالمى للغة العربية.. ما موقفك من فكرة قدسية اللغة العربية؟
- من قال إن اللغة العربية مقدسة لمجرد أنها اللغة التى دَوَّن بها المدونون القرآن أو حفظوه فى صدورهم؟ إذا كان الأمر كذلك فاللغة الكنعانية واللغة العبرانية-لغتا التوراة والإنجيل على التوالى كذلك مقدستان. وجود اللغة العربية سابق على تدوين القرآن. لقد كانت اللغة التى يتحدث بها العرب فى شبه الجزيرة العربية يصوغون بها خطبهم وينظمون أشعارهم، لغة امرؤ القيس والنابغة وطرفة، وزهير وعنترة الذين يلجأون لهم إذا صادفتهم فى الكتاب المقدس معضلة من ناحية اللغة. اللغة التى جرت على ألسن الفرزدق وجرير وبشار وأبونواس واتسعت فضاءاتها لأقذع ألوان السباب ومفردات القصف والمجون. لغة حتى الزنادقة الذين طعنوا بمفرداتهم المستمدة من معجمها ومتونها فى الوحى ذاته. إنها -شأنها شأن أى لغة- لغةُ المقدس والمدنس معا دون استثناء.. وليست لغة القرآن سوى جانب واحد من جوانبها المتعددة.. جانبها المقدس فقط.. أما فى كليتها وعلى إطلاقه.
- قلت إن مراكز الحضارات القديمة فى المنطقة مصر وسوريا واليمن والعراق تعتبر مرمى الأعداء.. هل هي عداوة حضارية وثقافية بالأساس قبل أي شيء آخر؟
نعم. الحضارات الكبرى نشأت فى أحواض الأنهار. العراق ومصر وسوريا واليمن. ومن هناك تفرقت معارفها على العالم كله، ولا تزال معظم منجزاتها فى الفنون والعمارة والطب والفلك والقانون والهندسة مثارَ دهشة العالم كله. ويبدو الصراع أحيانًا بين الحضارات الحديثة والحضارات القديمة المؤسِّسة، موضع سؤال. أمريكا- بلد بلا تاريخ تقريبا- لماذا تعمل بدأب على محو أى أثر لتلك الحضارات. أنظر لما جرى لمتاحف العراق وكنوزها التى لا تقدر بثمن. نحن أمة ليس لديها ما تقيم عليه وجودَها سوى تاريخُ أجدادها، فهل أرادوا أن ينتزعوا من تحت أقدامها هذا البساط لكى تكون أمة بلا غطاء من أى نوع. أنظر لما يجرى فى سوريا واليمن وما يُضْرَبُ حولنا فى مصر من حصار.

-في ذكرى نجيب محفوظ.. هل تجاوز الأدب المصري محفوظ؟ وما سر حضوره الكبير إلى الآن؟
فى الأدب ليس هناك تجاوز.. بل هنا تجاور أفقى بين القديم العظيم والإنسانى الجديد. وإلا.. قل لى: لماذا نقرأ هوميروس وسوفوكليس وشكسبير وإبسن وتشيكوف والخيام وألف ليلة وليلة ودانتى وجلال الدين الرومى ودستويفسكى وابن عربى وأبو العلاء، ونستمتع بكتاباتهم حتى الآن. الأدب الرخيص يموت فى العادة لحظة ولادته، أما الأدب الإنسانى العظيم فلا، لا تزال كتابات كافكا وهمنجواى وجوته وديستويفسكى وملتون معبرة عن حساسياتنا ربما أكثر مما تفعل كتابات كثيرة معاصرة، الأدب الذي يسلط الضوء على أزمة الإنسان وينشغل بقضايا الحياة والموت وعلاقتنا بالمجهول لا يموت أبدًا، وكذلك أعمال نجيب محفوظ، موت محفوظ مقولة يرددها المراهقون من الكتاب، من قال إن الثلاثية والطريق واللص والكلاب والشحاذ والحرافيش ماتت بموت نجيب محفوظ. الكُتَّاب الذين ماتت أعمالهم بموتهم معروفون. أما نجيب محفوظ فلا، لقد عالج فى أعماله قيمًا عالمية متجاوزة للزمان والمكان حتى وان اختلفت الظروف والملابسات. تسأل: وما سر حضوره الكبير إلى الآن، أظن أن الإجابة متضمنة فى السؤال. وإذا كنت مصرًا على انتزاع إجابتى، فلأنه أكثر صدقًا وتعبيرًا عن همومنا ونقلًا لحساسياتنا من الكثيرين من مراهقى الكتابة الذين يصوبون عليه سهامهم.
- ما سبب ابتعاد الأدب المصري عن نوبل؟ هل هي مشكلة ترجمة بالأساس؟
تسألنى عن سبب ابتعاد الأدب المصرى عن نوبل؟ حسنًا! أولًا عجز لغتنا العربية عن تجاوز محنتها والوصول إلى آفاق اللغات الحية: الإنجليزية، الفرنسية، الأسبانية إلخ. وثانيًا لأننا لا نزال نلهث وراء التقاليع والموضات دون وعى بسياقاتها وظروف إنتاجها، مرة بلزاك، ومرة تشيكوف، ومرة جويس أو فرجينيا وولف، ومرة همنجواى، ومرة بيكيت، ومرة كافكا، ومرة كونديرا، ومرة ناظم حكمت ومرة برخت...إلخ إلخ. الأصل يبقى والتقليد لا يدوم. لن يجدينا نفعًا أبدًا أن نصدر للآخر صورًا مشوهة مما كتب. أن نستفيد من منجز الآخر نعم، ولكن بشروطنا وليس بشروطه هو. ولعل ذلك هو السبب فى اهتمام الغرب بألف ليلة وليلة واستلهامه لها، لأنها كتابة مغايرة تعكس روحًا مغايرة. (3) أيضًا بسبب ضعف الترجمة من العربية إلى غيرها من اللغات الحية الأمر الذى يتعين أن تنهض به المؤسسة التى تنظر للترجمة عمومًا بوصفها نشاطًا هامشيا لا يعول عليه.
-بعض النقاد كالراحل سيد البحراوي رأى أنه ليست هناك رواية مصرية ذات خصوصية فنية أصيلة.. كيف ترى هذا الرأي؟
"الخصوصية" بالمعنى الضيق للكلمة تحتاج إلى إعادة نظر. من حيث التقنية، فأمر أصبح مشاعًا للجميع. من داخل تيار الواقعية السحرية وحده يوجد عشرات الكتاب الكبار المجيدين، ليس بورخس وحده ولا سلمان رشدى ولا ماركيز. الخصوصية تكمن فى رأييى فى نوع المشاكل التى تتناولها هذه الروايات، وفى الانعطافات المبدعة من داخل التيار العريض. هكذا كتب رشدى "أطفال منتصف الليل"، وكتب ماريو هاروكى موراكامى "كافكا على الشاطىء" وكتبت تونى موريسون "محبوبة" إلخ، وهكذا كتب محفوظ أيضًا الحرافيش والثلاثية والشحاذ والطريق وثرثرة فوق النيل.التى استوحى فيها عدة تيارات وأساليب أدبية (الواقعية، المونولوج الداخلى، تيار الوعى..إلخ) ولكن دون أن يفقد مذاقه الخاص وأسلوبه المميز فى الرؤية والتعبير....أما عن نوبل فلها حساباتها.. نوبل ليست مقياسًا يعول عليه.. تولستوى لم يحصل على نوبل، ولم يحصل عليها كذلك كاتب فى حجم بورخس أو كازانتازاكيس بينما حصلت عليها كاتبة صحفية مغمورة لا أتذكر الآن اسمها، الجوائز كلها يا صديقى ملوثة، وموجهة.
-هل لديك مشروع حالي تنوي المضي في إنجازه خلال الفترة المقبلة؟
ليس لدى مشروع جديد.. فقط بحاجة ماسة- لو أعطانى الله العمر- لاستكمال مشروعى الذى بدأته والذى لا أزال حتى هذه اللحظة منخرطًا فيه.
"
ما تقييمك لحملة 100 مليون صحة؟

ما تقييمك لحملة 100 مليون صحة؟