رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
اغلاق | Close
فيصل الأحمر
فيصل الأحمر

فذلكة

السبت 15/ديسمبر/2018 - 07:53 م
طباعة

تهتم الفلسفة بطرح أسئلة أساسية حول مختلف الممارسات والمفاهيم والأشياء: معانيها، وطريقة عملها، وما تفترضه، وما يجعلها مميزة أو ما يعطيها مصداقية على أرض الحياة. أما مفهوم «الكتابة الإبداعية»؛ فإنه غالبًا ما يحيل على نمط من الأسئلة التى تتراوح بين ما يحدث لقدراتنا الكتابية فى المدرسة والشرخ الكبير الذى تحدثه القدرات الإبداعية العالية فى ذهننا من توقف وتأمل حول المقدرة الاستثنائية على التعبير وعلى تحميل اللغة أبعادا عميقة وليست إنجازية بالمعنى القاعدي.

فاللغة ليست أداة بريئة، وليست عالما وسيطا بين المعانى والحياة الطبيعية الفيزيقية الملموسة المحسوسة. بل هى وجود فى حد ذاته، وجود مستقل بذاته أدى ذات يوم بابن عربى أن يقول قولته الشهيرة: «إن الحروف أمة من الأمم، مخاطبون ومكلَّفون، وفيهم رُسُل من جنسهم، ولهم أسماء من حيث هم، ولا يعرف هذا إلا أهل الكشف من طريقنا، وعالم الحروف أفصح العالم لسانًا وأوضحه بيانًا».

تنويعات

لقد وقف هايديجر عند نقطة تعيين الوجود الفعلى الحقيقى المعول عليه على حواف الثالوث «أنا، الآن، هنا»؛ وهنا يمكننا تأمل دور اللغة فى عملية البحث هذه، ماذا يحدث فى اللغة ـ حولها حينما تخرج من دائرة المطلق إلى الدائرة الشخصية لكى تصبح لغتى «أنا» التى تمارس «الآن» والتى يمكننا أن نعاينها «هنا»؟

ستتشكل مرارا لغات كثيرة تحيل على البعد الحقيقي للصلة بين الفكر الفلسفى والبحث عن الموقع فى العالم - بتعبير هاديجر المشهور- ولا يستوقفنا شعور هذا الفيلسوف بمدى الخيبة الإنسانية التى تصاحب جل محاولات البحث، بل يستوقفنا الدور المركزى للغة فى تحديد مشمولات هذا البحث ونتائجه.

لقد ركز الفلاسفة المسلمون على فكرة الحقيقة فى بعدها الخطابى من خلال محاولة الوصول إلى ضبط حد الفلسفة على أنه استبصار فى معانى الأشياء، وكذا طريقتنا فى تحديد هذه المعاني. وهذا جوهر الأداء اللغوى فى العرف الحديث (وعلينا دائما أن نأخذ المسافة الزمنية بعين الاعتبار)، فالحد التقليدى الذى يعود إلى الكندى والفارابى والمار بابن سينا والرازي، هو معرفة حقيقة الأشياء كما هى وجعلها كذلك بلسان البشر. وهو تعريف إشكالى يطرح الكثير من المسائل، حول التشكيلات الخطابية التى قد تتلاعب بالمعرفة مثلما علمنا ذلك لودفيج فيتجنشتاين جليا فى العصر الحديث؛ هو الذى نفى كل وجود لكل معنى قبلى أو ميتافيزيقى متعال على التجربة البشرية للكائن المدعو اللغة. وإذا كانت الكلمات تملك القدرة على خلق الأشياء؛ فإنه حق لنا أن نسأل: ما هذه الأشياء التى تساءل المتصوفة عن «حقيقتها» على أنها موجودة وسابقة ومستغلقة نحتاج إلى البحث لأجل الوصول إليها.

سيكون جواب فيتجنشتاين فى كتابه المبكر «مباحث فلسفية»، أن هذه الحقيقة هى تجربة كامنة فينا ولكنها صامتة، وكأن وجود معنى مسبق هو وجود غفلة عن القدرة على تثبيت المعنى من خلال تغيير مواقع الكلمات والصلات التى بينها والقوانين المتحكمة فيها، وربما سيتقبل فيتجنشتاين بيسر تام قولة ابن عربى سالفة الذكر.

إذا التفتنا إلى رولان بارط، وجدنا النص حسب المعجم النقدى البارتى يثير القارئ ويخيِّب أمله فى الحصول على المعنى؛ فإن هذه الإثارة «محفز لتفعيل اليقظة والانتباه»؛ و«الإثارة تعنى أن يبدأ نشاط العقل فى تصور كل الاحتمالات أو الفروض الممكنة التى تفسر الوقائع، ومعنى هذا أن يحلّق العقل فى آفاق الخيال ليتصور الاحتمالات والفروض»... وتكتمل الصورة إذا عرفنا الخيال بالمعنى الحديث «خزان إمكانيات من الأوضاع الحياتية، أصلها التجربة المعيشة، لا نفعل سوى تقطيعها إلى قطع صغيرة ثم إعادة تركيبها حسب متطلبات الحالات الخطابية».

لهذا نجد أن الكتابة تعيش دائمًا عذابًا داخليًا، ونتحدث عن «إشكالية الكتابة» كمقولة فنية جمالية، وكمحور نقدى يتساءل عن هذا الكم الهائل من النصوص التى تتناول منذ أقدم الأزمنة موضوعات بعينها دون أن تشبع رغبة الكتابة، ودون أن تستفرغ طاقة التعبير وتثلج صدر المعنى.

يغلب على عصرنا منذ فوكو عموما اعتبار أن المسألة الفلسفية مسألة خطابية، وقد ركز فوكو على الربط الحميمى بين الخطاب والسلطة؛ أى بين الكلمة والفعل وليس بين الكلمة وطريقة التفكير كما كنا نقول، فقد افترض «نظاما للخطاب» للتحذير من إمكانيات تأثير الخطابات التى تعمل فينا ومن حولنا بمعزل عن وصف منا كافٍ لكشف هذا العمل، حذر يعكس ثقة كبيرة فى قوة الخطاب، حذر ضرورى يسلطه الإنسان أو مؤسساته أو حتى السلطة القائمة على السواء، تجاه ما يمكن أن يحققه الخطاب: (فى حقيقته المادية، كشيء منطوق أو مكتوب، التخوف تجاه هذا الوجود العابر المتجه إلى الانمحاء دون شك، لكن خلال مدة لا نتحكم نحن فيها، التخوف من أن نحس بأن تحت هذه الحركة، التى هى مع ذلك حركة يومية مستمرة، سلطاتٍ أو أخطار لا نتصورها جيدا، التخوف من توقع وجود صراعات وانتصارات وجروح وعبوديات عبر الكثير من الكلمات، التى قلص استعمالها منذ زمن طويل، من فظاظتها». لقد كان مشروع الفلسفة التحليلية هو نزع القداسة عن اللغة بإخضاعها لوصف علمى «رياضى فى أغلب الأحيان»، ولكن النتيجة كانت الكشف عن مدى عمل اللغة الخطير الغائر الذى لا يقف فقط على حواف حرج «الميتافيزيقا»، الذى كان يزعج التحليليين بعقولهم العلمية الوضعية الرياضية، بل يتعدى هذا الحرج إلى شيء أكبر هو «طاقة» كامنة فى اللغة ينسف تماما التصورات الرياضية المنطقية التى كان يولع بها برتراند رسل ورودولف كارناب ووايتهد ومور وبخاصة فيتجنشتاين...

خلاصة القول

فى المسافة بين مقولة ابن جني: «حد اللغة أصواتٌ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم»، ومقولة ابن عربي: «إن الحروف أمة من الأمم، مخاطبون ومكلَّفون، وفيهم رُسُل من جنسهم، ولهم أسماء من حيث هم، ولا يعرف هذا إلا أهل الكشف من طريقنا، وعالم الحروف أفصح العالم لسانًا وأوضحه بيانًا». تكمن الرؤية العميقة الحقيقية للغة كعالم نفكر من خلاله لا كعالم وسيط ينقل المواجد والأفكار والرسائل.

وإذا كان لنا أن نتدخل فى تحرير الكتاب المقدس؛ فإننا سنقول إنه بعدما بدأت أسفاره كلها بالجملة الشهيرة «فى البدء كانت الكلمة»؛ فإنه علينا أن نتوقع أنه فى الختام «لن يبقى شيء عدا الكلمة».

ولكن تحرير الكتاب المقدس مسألة أخرى.

يتابع جيمس سميث أستاذ دراسات التنمية فى جامعة إدنبرة، فى كتاب «الوقود الحيوى وعولمة المخاطر: التغير الأكبر فى العلاقات بين الشمال والجنوب منذ الاستعمار»، والذى نقله إلى العربية، فتح الله الشيخ وأحمد السماحى، والصادر عن المركز القومى للترجمة ٢٠١٧، بقوله: فى غضون سنوات قليلة تحول الوقود الحيوى من وجوده تحت نظر رادار التنمية إلى أن يرى كحل متعدد الأغراض لكثير من المشاكل – التغيرات المناخية، وخطر عدم توفر الطاقة، وتخلف المناطق الريفية – إلى أن يمثل كذلك «جريمة ضد البشرية»، وبالأخذ فى الاعتبار أن الإيثانول الحيوى البرازيلي، على الرغم من تضميناته الخاصة الاجتماعية والبيئية، أكثر تأثيرًا بمدلول التكلفة وتوازن غازات الصوبة الزجاجية عن قرينة فى الولايات المتحدة، فحماية أسواق الولايات المتحدة، ليست أمرًا مقبولًا من منظور بيئي، والتقليص المعتاد فى غازات الصوبة الزجاجية، بالنسبة إلى الإيثانول الحيوى فى الولايات المتحدة يقع فى نطاق ٢٠ بالمائة، أما فى حالة الإيثانول الحيوى فى البرازيل فيصل إلى حوالى ٩٠٪.

ظل سعر البترول الخام ما بين ١٩٨٣ و٢٠٠٣، ثابتا نسبيًا بين ١٠ و٣٠ دولارًا أمريكيًا للبراميل. كان هذا السعر بالترافق مع الدعم الثابت للإيثانول الحيوي، هو الدافع لزيادة إنتاج الإيثانول الحيوى من ١٦٢٥ مليون لتر فى ١٩٨٤ إلى ١٢.٨٥ بليون لتر فى ٢٠٠٤، وقد زاد الإنتاج بنحو ٥٠٠ مليون لتر سنويًا فى أثناء تلك الفترة، ومنذ ٢٠٠٤، بدأ سعر البترول الخام يقفز بسرعة، وكثيرا ما تخطى ١٠٠ دولار أمريكى للبرميل، وقد أدى هذا السعر المرتفع بالترافق مع الدعم الثابت للإيثانول الحيوى - المثبت على سعر البترول ٢٠ دولارًا أمريكيًا للبرميل - إلى النمو الهائل فى تشييد معامل الإيثانول الحيوي، وبحلول ٢٠٠٧ أصبح إنتاج الإيثانول الحيوى ضعف مستوى ما كان ينتج فى ٢٠٠٤.

كانت طفرة الإيثانول الحيوى من أوجه كثيرة نتيجة غير مقصودة للدعم الثابت القائم على أساس سعر برميل البترول ٢٠ دولارًا أمريكيًا للبرميل، وكانت النتيجة الأخرى لطفرة الإيثانول الحيوى غير المقصودة هى الزيادة المفاجئة فى سعر الذرة – المادة الأولية الرئيسية فى الولايات المتحدة – إلى أن وصل إلى ٢٣٠ دولارًا للطن فى ٢٠٠٨. أدت هذه الزيادة السريعة لسعر الذرة إلى زراعة ٦.٢٥ مليون هكتار إضافى، الأمر الذى أدى بدوره إلى نقص المساحة المخصصة لزراعة فول الصويا، وزيادة أسعاره. وقد أشعل الارتفاع السريع فى أسعار السلع الجدال حول الغذاء والوقود. ارتفع سعر الذرة من ١١٧ دولارًا أمريكيًا للطن فى أوائل ٢٠٠٦ إلى ٢٣٣ دولارًا أمريكيًا بنهاية ٢٠٠٧ – أكثر من الضعف فى حوالى سنتين، وحيث إن الذرة غذاء رئيسى للماشية والدواجن، وبخاصة للدجاج، فقد ارتفعت تكلفة إنتاج البيض ولحم الدواجن بحوالى ٣٠ بالمائة فى نهاية ٢٠٠٧.

وإنتاج الإيثانول الحيوى فى الولايات المتحدة تاريخ لاستدامة الدعم والحماية ضد الواردات، وبسبب ذلك اشتعل التفاوت بين دعم الإيثانول الحيوى وسعر البترول فى السنوات القليلة الماضية، وقد حدث ذلك بالتوازى مع تسييس إنتاج الوقود الحيوى فى الولايات المتحدة. استمر إنتاج الإيثانول الحيوى فى الزيادة منذ ٢٠٠٧، وكانت الــ١٠٧ ملايين طن من الحبوب المستخدمة فى معامل تقطير الوقود الحيوى فى ٢٠٠٩ كافية لتغذية ٣٣٠ مليون شخص لمدة عام. كانت هذه السنة تصنيف بوجود بليون جائع لأول مرة فى التاريخ. ففى ٢٠٠٩؛ تحول أكثر من ربع محصول الحبوب فى الولايات المتحدة إلى إنتاج الإيثانول الحيوي.

لقد دخلنا فى عصر لا تمدنا الزراعة فيه بالغذاء والعلف والكساء فقط، بل بالوقود كذلك، وستكون هناك بلا جدال معارك حول ما الذى ستقوم الزراعة بإمدادنا به بالضبط، ومن الذى سيقرر ما الذى يمد ولمن، وفى أجزاء أخرى من العالم، غير البرازيل والولايات المتحدة، اللتين تضعان أيديهما على الجزء الأكبر من إنتاج الوقود الحيوي، تأخذ الدول الأخرى على عاتقها مسارات مختلفة، جزئيًا فى محاولة تجنب قضية الطعام فى مواجهة الوقود، ومن جهة أخرى لسد حاجاتهم فى سياقاتهم الخاصة.

تبدو العلاقة بين الوقود الحيوى والأمن الغذائى معقدة بشكل لا يصدق مثل العلاقة بين إنتاج الوقود الحيوى وانبعاثات دورة الحياة، وتغير استخدام الأراضي؛ فإن المساهمة النسبية لتأثير الوقود الحيوى فى ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا فى ٢٠٠٨ تتراوح بين ٣ بالمائة (وزارة الزراعة الأمريكية)، و٣٠ بالمائة، و٦٠ بالمائة (الدول المتقدمة) إلى ٧٥ بالمائة، ويشير هذا التباين الهائل فى الأرقام إلى سببين: الأول أننا ببساطة غير قادرين على تجزيء وإرجاع السبب، فيما يتعلق بتغير أسعار الغذاء ديناميكية ومتنوعة وتتفاعل بطرق مختلفة فى الأجزاء المختلفة من العالم، فمثلًا: لن تكون مصفوفات أسباب زيادة أسعار الأرز فى الفلبين هى نفس أسباب زيادة أسعار الذرة الصفراء فى الجزء الجنوبى من أفريقيا.

.. وللحديث بقية..

"
ما تقييمك لحملة 100 مليون صحة؟

ما تقييمك لحملة 100 مليون صحة؟